أبو مازن رئيسا منتخباً

 

 

 

بقلم :د. محمد صالح المسفر

 

وأخيراً توج محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية منتخباً بعد مشوار طويل من الصمت ثم الهمس ثم الجهر بالقول بأن "إسرائيل" قوة لا تقهر وأن إعطاء تنازلات لصالح "إسرائيل" يعيد الحياة في فلسطين والالتفات نحو بناء الثروة والاستقرار للعمالة الفلسطينية خادمة في بقع المستوطنات الصهيونية في الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر، ولعلها تسقط كل الذرائع القائلة بان "إسرائيل" هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمارس العملية الانتخابية وأن رئيس وزرائها منتخب وسجلوا عليّ من الآن بأن "إسرائيل" لن تسمح بنجاح أبو مازن.

 

كنت في حديث متلفز مع الشهيد ياسر عرفات رحمه الله عقب اغتيال إسحاق رابين، سألت أبو عمار قائلاً: لك سيادة الرئيس أسلوب في وضع الكوفية (الغترة) على رأسك، تختلف عن لبس كل الفلسطينيين وكذلك الذين يلبسون الغترة من العرب، ما تفسيرك لهذا؟ قال رحمه الله: نعم إن هذا المظهر له دلالات، هي خارطة فلسطين متدلية على صدري، ورأسي بمثابة قبة الصخرة وباحة المسجد الأقصى. قلت حسناً أبا عمار ولكنك في لحظة من اللحظات تنازلت عن المسجد الأقصى وقبة الصخرة وفلسطين كلها عندما قمت بزيارتك المشهورة لبيت رابين بعد وفاته لتقدم العزاء لزوجته. التفت أبو عمار إلى محمود عباس وكان شريكنا في الجلسة وقال: احكي أبو مازن. كنا سنقتل لو رآنا اليهود بهذه الملابس ولا إيه يابو مازن ؟ قال احكي له القصة، كان تعليق السيد محمود عباس: نعم صحيح.

 

أروي هذه القصة لأدلل على أن أبو مازن من خريجي مدرسة الصمت وتفوق في كلية الهمس واليوم بعد احتلاله المركز الأول في قمة هرم السلطة الفلسطينية سيجهر بالقول والفعل بأنه القوي القادر ليقول لكل فصائل الثورة الوطنية: الفلسطينية وحركة المقاومة الوطنية ألقوا بأسلحتكم فهي ليست مجدية وأوقفوا انتفاضتكم لأنها لم تعد مبررة ومن هو ليس معي في هذا التوجه فهو ضد إرادة الشعب الفلسطيني وإني على ردعه لقادر، ومعي في هذا التوجه كل الذين صوتوا لبرنامجي السياسي الذي انتخبت بموجبه ومن ضمن ذلك البرنامج وقف العمل المسلح، يؤيدني كل المجتمع الدولي إلى جانب دول الجوار لفلسطين والقوى القادرة من العالم العربي أيضاً.

 

إن أبو مازن لا يخفي إعجابه برئيس الوزراء الإسرائيلي شارون وهو كان يقول في مجالسه إن الرجل القادر في "إسرائيل" على حل القضية الفلسطينية وإزالة المستوطنات هو شارون وكان أبو مازن من أكثر السعداء بوصوله إلى رئاسة الوزارة في "إسرائيل". واقع الأمر أن هذا الإعجاب هو من طرف واحد، بدليل أنه عندما وصل أبو مازن إلى أن يكون أول رئيس وزراء فلسطيني وكان يعمل جاهداً لنزع سلاح المقاومة وتوحيد ما يسمى الأجهزة الأمنية وتحديد صلاحيات الرئيس ياسر عرفات، لم يقدم له شارون العون السياسي والذي يتمثل في سحب وحدات الجيش الإسرائيلي من المدن والقرى الفلسطينية المحتلة منذ الانتفاضة المباركة ليجعل أبو مازن يتباهى أمام رفاقه بأنه حقق إنجازاً على الأرض.

 

الغريب في الأمر أن أبو مازن لم يشترط لوقف الانتفاضة وعدم عسكرتها إن جاز التعبير والقضاء على مظاهر السلاح خروج الجيش الإسرائيلي من المدن والقرى الفلسطينية والكف عن ملاحقة الشعب الفلسطيني من قبل الموساد والشين بيت والمستعربين والوحدات العسكرية الخاصة، وإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية ودفع تعويضات لكل المتضررين من جراء اجتياح الجيش الإسرائيلي لأراضي السلطة الفلسطينية. قد يقول ذلك همساً لكن ما جدوى ذلك القول!

 

المؤسف جداً أن سياسياً مثل أبو مازن وقائداً وطنياً ولا شك عندي في ذلك، تجرأ وعلى رؤوس الأشهاد للحط من قدرة سلاح المقاومة الذي يطلق على المستوطنات الإسرائيلية ومن دور الانتفاضة في خلخلة المجتمع الإسرائيلي في الوقت الذي تسير "إسرائيل" جيشها بكامل عدته وعتاده لاحتواء ذلك السلاح، كيف يتجرأ رجل مناضل مثل محمود عباس على أن يتجاهل الآثار التي أحدثتها الانتفاضة وصواريخها البدائية في المجتمع الإسرائيلي، لقد هزت المجتمع الصهيوني وتسببت في إحداث أزمة اقتصادية تمثلت في تضخم اقتصادي جامح، وبطالة مرتفعة المعدلات وهجرة عكسية - من الداخل إلى الخارج - ودعوة لتفكيك المستوطنات وارتفاع معدلات الجريمة وحكومة مهزوزة لم تستطع التغلب على مشاكلها. كل هذا إنجاز للمقاومة، صحيح أن هناك خسائر في الجانب الفلسطيني لكن ثمن الحرية والتحرر والاستقلال مرتفع دوماً.

 

المواطن العربي يدرك أن "إسرائيل" تفسر تصريحات أبو مازن ومعه حركة فتح بأن الانتفاضة فشلت وأنها مهزومة وهذه الدعوات بوقف العسكرة هي في واقع الأمر استسلام واعتراف بالهزيمة المطلقة للمقاومة الفلسطينية، ومن العيب أن يسارع أبو مازن للاعتذار عن استخدام عبارة العدو الصهيوني في إحدى خطبه الانتخابية بناء على طلب إسرائيلي ولا يعتذر للمقاومة عندما وصف سلاحها بأنه غير فعال وأنه عبارة عن فتوشات لا جدوى منها.

 

جملة القول، نتمنى أن يدرك أبو مازن أن "إسرائيل" تتعامل مع جميع أفراد الشعب الفلسطيني على أنهم أعداء حتى مع عملائها منهم، والله من وراء القصد.