وحدة لبنان

 

 

بقلم : د. كمال رشيد

   

همهمة جديدة منتنة، ونقمة نشاز، تأتي من لبنان الفكر والفهم والثبات والصمود والمقاومة، ولكن من الضلع الاعرج فيها.

وهذه النغمة تدعو الى تقسيم لبنان الى قسمين بين المسلمين والمسيحيين، هكذا مرة واحدة، ومن غير مواربة ولا لف ولا دوران.

ذكرت هذا صحيفة الدستور حيث »كشف رئيس حزب الكتائب كريم بقرادوني عن مشروع قدمته مجموعة من اللبنانيين البارزين في الولايات المتحدة الامريكية الى تجمع المحافظين الجدد«، وقد وصفه كريم بأنه متكامل وموثق من 280 صفحة، ويأتي على غرار تجارب قبرص وكوسوفو والبوسنة.

ويبرر التقرير مشروع تقسيم لبنان بقصد حماية من تبقى من مسيحيين فيه من مخاطر الهجرة والانقراض، ومن طغيان الاغلبية المسلمة الساحقة في العالم العربي على اقلياته المسيحية.

وهذه النغمة ليست جديدة في لبنان، ومن الجهة الدينية نفسها، ولكن الجديد فيها انها تأتي من خارج لبنان، او من لبنانيين لا يعيشون قضايا لبنان ومشكلاته وحاجاته وظروفه ومعاناته.

أولئك الذين يتنعمون هناك، ويجمعون الملايين من الدولارات يريدون ان يكسبوها من الجهتين، امريكا لهم وهم فيها يعيشون ويتزوجون وينجبون ويكسبون ويدفعون الضرائب، ثم لبنان لهم مزرعة ومنتجع يقطنونه ربما في اعياد البلاد.

والمؤشر المريب الآخر ان أولئك يتوجهون ويتسعينون بذلك الشر الجديد الذي بدأ يظهر ويسود في امريكا، وهو يعاضد الرئيس بوش وادارته، وهو يدعم اسرائيل سياسيا وماليا وعقائديا، ويدفع الرئيس بوش بهذا الاتجاه، انهم المحافظون الجدد الذين سيكون على أيديهم اهتزاز امريكا او الحاق الويلات بها.

والارض لاهلها المقيمين فيها، الذين يحمونها ويحافظون عليها، ويصبرون على ما يلقون، وأولئك لا يطلبون التقسيم بل يتحدثون عن الوحدة الوطنية، وعن محاربة الطائفية وتقاسم لقمة العيش.

وغريب جدا ان تتشكل الولايات المتحدة الامريكية من 52 ولاية وكل ولاية اضعاف لبنان مساحة وسكانا، ثم تأتي الدعوة الى تقسيم لبنان على اساس ديني.

ولماذا ليكون في لبنان دولة مسيحية مستقلة، كالدولة اليهودية المستقلة في فلسطين، وبدلا من ان يكون هناك اسفين واحد فليكن اسفينان او ثلاثة او اربعة.

يكن اسفين او اثنان في بلاد الشام، واسفين او اكثر في بلاد الرافدين، وليكن شيء، من هذا في مصر باسم الانباط، وفي السودان باسم الجنوب وباسم دارفور، وهكذا ننتقل من التقسيم الى تقسيم التقسيم، في الوقت الذي تتكون امريكا من ولايات متحدة غير مقسمة، ويتكون هناك ما يسمى اتحاد المجموعة الاوروبية.

ومن يدري فقد تظهر لاحقا مجموعة موالية لغير العرب والمسلمين، تطالب بتقسيم فلسطين المقسمة الي منطقتين، فلسطين غزة، وفلسطين الضفة، والى تقسيم الجزائر الى عرب وبربر وهكذا دواليك.

وما ذنب اهل لبنان عموما بأناس يخشون من الهجرة او الانقراض لقلة الانجاب من اراد وطنه واهله فليبق فيه، ولينجب فيه ما يشاء، اما ان »يتنغنغ« في امريكا، ويتعامل مع المحافظين الجدد ومن هنا يطلق صيحاته وينفث سمومه فليس من الحق ولا الاخلاق.

لبنان يحكمه دستور وقانون وتاريخ طويل من المواطنة بين المسلمين والمسيحين الشرقيين، واذا وقعت خلافات بين مسلمين ومسيحيين فمثلها واكثر منها يقع بين مسلمين ومسلمين، وبين مسيحيين ومسيحيين.