الانتخابات الفلسطينية واتفاق سلام السودان والثقة المفقودة
بقلم : د. محمد
علي الفرا
حفل هذا الاسبوع
بحدثين بارزين لفتا انتباه الجميع، واستقطبا الجماهير، وجذبا اهتمام الاعلام
العربي والعالمي فسلط عليهما الكثير من الاضواء. وقد يكون من قبيل المصادفة ان
يجتمع هذا الحدثان الهامان في يوم واحد، ففي صباح يوم الأحد الماضي والموافق
التاسع من الشهر الجاري بدأت عملية الانتخابات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع
غزة، بحضور مراقبين عرب واجانب كان من ابرزهم الرئيس الاميركي الاسبق »جيمي كارتر«
ورئيس وزراء فرنسا السابق »ميشال روكار«.
وحوالي الساعة
الثانية عشرة ظهراً حسب توقيتنا المحلي تم التوقيع في نيفاشا بكينيا على اتفاق
السلام بين الحكومة السودانية والمتمردين الجنوبيين بزعامة »جون قرنق«، وشهد حفل
التوقيع قادة وزعماء أفارقة وشخصيات عالمية حضور اعلامي مكثف وتغطية اعلامية
واسعة، وبهذه المناسبة استضافتني محطة العربية الفضائية في الصباح وفي المساء
لأعلق على هذين الحدثين الهامين، وأبدي آرائي حول ابعادهما وآفاقهما المستقبلية،
وتناولت كل حدث على حدة وبشكل منفصل عن الاخر، على اعتبار ان الحدث الاول في
فلسطين بينما الثاني في السودان والمسافة بينهما الاف الكيلومترات، وان الربط بين
هذين الحدثين ربما لم يكن وارداً أو هاماً عند المحطة، واني وان كنت احترم وجهة
النظر هذه وأتفهم اولوياتها في طرح الاسئلة واسلوب ادارة الحوار، فاني أرى ان هناك
بعض القواسم او السمات بين ما حدث في كل من فلسطين والسودان من حيث الدلالات
والمؤشرات والنتائج وهذا ما اريد بحثه في هذا المقال مبدياِ اعتذاري مسبقاً لعدم
تمكنني من اعطاء الموضوع ما يستحقه من بحث وتحليل واستشراف في مقال محدد ومحدود
كهذا، ولذلك فانني سأركز على الأهم دون المهم ما استطعت الى ذلك سبيلا.
فيما يتعلق
بالانتخابات الفلسطينية فان من ابرز معالمها الايجابية انها اعطت للعالم صورة
رائعة للشعب الفلسطيني وقدرته على جمع صفوفه، رغم اختلاف شرائحه، في الملمات
والأزمات، وتغلبه على كل العقبات والمعوقات التي أقامها الاحتلال لعرقلة سير
الانتخابات، وتصميم هذا الشعب على ممارسة الديمقراطية الحقيقية والتي حاول الاعلام
الاسرائيلي والصهيوني تجييرها لصالح اسرائيل وانطلى ذلك على كتاب عرب للأسف. فاسرائيل
أبعد ما تكون عن الديمقراطية حينما يتعلق الأمر بالعرب. وديمقراطية الانتخابات
الفلسطينية لم تفرض من اسرائيل وانما صدرت عن ارادة الشعب الفلسطيني وتصميمه على
تطبيقها، وكان دور اسرائيل لاقامة الحواجز والموانع معطلا لهذه الانتخابات، وقامت
بقصف احد مراكز الانتخابات في مدينة خان يونس، ووضعت العقبات امام سكان مدينة
القدس حتى لا يشاركوا في العملية كما صرح بذلك »كارتر« وللأسف فان الاعلام العربي
أهمل وقصر في ابراز الدور الاسرائيلي المعطل وركز على الجو الديمقراطي السائد مما
اعطى الانطباع بأن اسرائيل منحت العرب الذين يخضعون لسلطتها حرية لا يتمتع بها
العرب في ظل انظمتهم الوطنية وهذا ما عبر عنه الكاتب »سمير عطاالله« في جريدة
الشرق الاوسط يوم الاحد الماضي في مقال عنوانه »حقاً يقترعون وحقاً ينتخبون« قال
فيه: ».. الفلسطينيون يقترعون ليس مثل السويد، ولا مثل بريطانيا، ولكن افضل من
معظم العالم العربي. انا ذاهب اليوم للاقتراع في فلسطين، لأنني اعرف ان احداً لن
يغير ورقتي«.
وبصرف النظر عن هذه
الايجابية وهي شكلية فان النتائج لن تكون على مستوى الحدث نفسه ففوز »محمود عباس« على
رأس السلطة الفلسطينية رغم قبوله عالمياً واميركياً واسرائيلياً وعربياً الا ان
اسرائيل لن تعطيه شيئا له قيمته واهميته، ولذلك فسيصبح عاجزاً عن تلبية تطلعات
الشعب الفلسطيني وآماله بمن فيهم الذين انتخبوه، ولن يتمكن من استرجاع حقوق الشعب
المغتصبة ولا حتى بعضها، لأن الطرف الاسرائيلي غير موجود وغير راغب في سلام حقيقي،
وله مفهومه الخاص للسلام وله اجندته الخاصة للتسوية وحل القضية الفلسطينية
بالتصفية. وهذه حقيقة لم تعد خافية على احد من المطلعين على الأوضاع في المنطقة.
وقد كشفت اسرائيل عن
نواياها هذه بوضوح، وكان آخرها رفض »شارون« عرض رئيس وزراء بريطانيا »توني بلير« لحضور
مؤتمر يعقد في لندن لاستئناف مفاوضات السلام، واقنع بلير« بأن على الفلسطينيين
وحدهم حضور هذا المؤتمر الذي ينبغي ان يقوم بتأهيلهم على كيفية التفاوض مع اسرائيل.
ان مخطط شارون معروف فقد اعلن عنه في برنامجه الانتخابي في اثناء تنافسه على
السلطة مع الرئيس السابق »باراك« وقال انه يريد اكمال ما لم تستطع حرب 1948 اكماله
وذلك بالتخلص من جميع الفلسطينيين للحفاظ على يهودية اسرائيل، وقد تمكن من تمزيق
اتفاق اوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية وضربها واستباح اراضي الضفة والقطاع وتجاهل
خريطة الطريق وأفرغها من محتواها مستغلا الاوضاع العربية السيئة ومستثمرا الاجواء
العالمية ومستفيدا من الدعم المتواصل والتأييد المستمر له من الادارة الاميركية.
ولا شك في ان الادارة
الفلسطينية الجديدة ستجد نفسها مثقلة بالاعباء مكبلة بالقيود عاجزة عن تلبية حاجات
شعبها، فالبطالة متفشية والفقر شائع والدمار والخراب الذي الحقه الجيش الاسرائيلي
بالمدن والقرى والمخيمات كلها تتطلب طاقات وامكانات هائلة، وفي الوقت نفسه فان
اسرائيل لن تنسحب من الضفة بالكامل بعد ان مزقتها اربا اربا، واقامت حائطا زادها
تمزيقا وفصلا وابتلع معظم اراضيها، وهي لن تتخلى عن القدس والتي يجري تهويدها،
بأقصى سرعة، ولن تسمح بعودة اللاجئين بعد ان اسقطت حق العودة بالاتفاق مع الرئيس
الاميركي »جورج بوش«، ولذلك فان آفاق حل يُلبي الحد الادنى للمطالب والحقوق
الفلسطينية تبدو مستحيلة في الاوضاع الراهنة، ولذلك ليس امام الفلسطينيين غير
الصمود والثبات في ارضهم وديارهم لافشال المخطط الشاروني وعلى العرب دعم هذا
الصمود بمد الفلسطينين بكل مقومات الصمود والثبات والبقاء.
امّا فيما يتعلق
بالسودان فان هناك من علق الكثير من الآمال على الاتفاق وقالوا بأنه انهى حربا
اهلية استمرت عشرين عاما، وهي اطول حرب اهلية شهدتها القارة الافريقية، وتساءل
آخرون فيما اذا كان هذا الاتفاق سيحقق الامن والسلام للسودانيين ويتيح المجال لهم
لتنمية بلدهم وتطوير اقتصادهم المنهار واصلاح ما دمرته الحرب، ورفع مستوى معيشة
المواطن الى غير ذلك من امور هامة وملحة.
واذا كانت عملية
استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين وما ستسفر عنه من نتائج اذا ما استؤنفت فان ذلك
لا يعتمد على الانتخابات الفلسطينية ولا من فاز فيها وانما على نوايا شارون ورؤيته
الخاصة للسلام ومفهومه له، وبالمنطق نفسه نقول بأن ما سيحققه اتفاق السلام السوداني
من نتائج يعتمد في المقام الاول على صدق النوايا عند الطرفين اللذين وقعّا هذا
الاتفاق، ونحن نعلم ان الاتفاق وُقّع نتيجة ضغوط شديدة على الحكومة السودانية
مورست من اميركا والقوى الغربية وتهديدها بفرض عقوبات عليها، وفي الوقت نفسه تعاني
هذه الحكومة من مشاكل وأزمات داخلية وخارجية كثيرة منها الثورة في دارفور والتململ
الذي بدأ يظهر في شرق السودان ومساندة دول اجنبية وبخاصة ارتيريا لجماعات البجة
والخشية من نجاح مؤامرة تفكيك السودان الذي تكون بشكله الحالي في العصر الامبريالي
وظهور توجه غربي متصهين يسعى الى رسم خارطة جديدة للوطن العربي والتي من بين
ملامحها تقسيم السودان الى دويلات ضعيفة واقامة دولة في الجنوب لتحرم العرب من
عمقهم الاستراتيجي في القارة الافريقية، وحرمان السودان من الموارد والثروات
الزراعية والمائية والحيوانية والمعدنية في الجنوب.
ان شكوكنا في تحقيق
الآمال التي علقت على اتفاق السلام السوداني مصدرها انه اتفاق تم بسبب الضغوط
والتهديدات الاميركية، كما قلنا، وانه جاء لصالح الجنوبيين واعطاهم اكثر مما
يستحقون من حيث الحكم والسلطة وتوزيع الثروات، وحمّل الحكومة اعباء تفوق قدرتها
وقبلتها مكرهة منها انشاء بنية تحتية كاملة في الجنوب الذي يفتقر اليها اصلا، كما
ان الحرب دمر ما كان قائما منها، وتشمل هذه البنية الطرق والجسور والانفاق
والمصارف والقنوات والمرافق والخدمات والمدارس والمستشفيات، ووسائل النقل
والمواصلات، وهذه ذات اكلاف باهظة جدا وبخاصة ان مساحة الجنوب تبلغ اكثر من 3.1
مليون كيلو متر مربع، اي ما يزيد عن مساحة مصر بمرة وثلث، وقد ألزم الاتفاق ايضا
انشاء جيش لجنوب السودان وتدريبه وتسليحه، ويحق للجنوبيين بعد مضي ست سنوات من
تنفيذ الاتفاق ان يقيموا ما نفذته الحكومة حسب تفسيرهم لبنوده التي يتسم بعضها
بالغموض، فاذا اعتقدوا ان الحكومة قصرّت او تراخت وتهاونت في التنفيذ يحق لهم
الانفصال، فتخسر الحكومة الجهود التي بذلتها والتكاليف التي دفعتها، ومن المعلوم
ان الانفصال وارد عند الجنوبيين الذين هم مختلفون فيما بينهم حول وضع الجنوب،
فكثير منهم وبتأثيرات خارجية وبخاصة الوثنيون وغير المسلمين والذين يشكلون
الاغلبية السكانية يفضلون الانفصال، وقد علق احد السودانيين على الاتفاق قائلا: »لا
اعتقد ان الاتفاق سيحقق السلام لان المشاكل القائمة اصلا بين الشماليين والجنوبيين
ليس من السهولة تجاوزها لانها تحتاج الى زمن طويل لان العداء استفحل بين الجانبين
في الفترة الاخيرة بصورة لا يتخيلها احد«.
ان النوايا - فيما
اعتقد - غير سليمة، والثقة غير متوفرة، وربما كان الطرفان - الحكومة والمتمردون - يراهنون
على عنصر الزمن، ويعتقد كل طرف ان الزمن سيعمل لصالحه، لذلك فان البداية لاي اتفاق
ناجح يجب ان يبدأ بما يسمى عملية بناء الثقة، والشيء نفسه يقال عن المسألة
الفلسطينية لان الثقة في شارون معدومة ونواياه معلومة، ومهما قدم محمود عباس من
تنازلات فلن يحصل على شيء، وسيطالبه شارون بمزيد من الطلبات معطلا بذلك المسيرة
التفاوضية ومفرغا السلم من محتواه.