أمة قد فَتّ في ساعدها..

 

 

بقلم :د.علي العتوم

 

كان يطيف في ذهني معنى الأمة منذ اليفاع، ونحن في المراحل المتوسطة من الدراسة، وكأنه الطيف الحبيب، وقع الينا في ساعة صفو، فأنعشنا بل أعطانا بعداً مميزاً من الطموح وعلو الهمة، لاستشراف المستقبل، وريادة الآفاق، واثبات الذات، ومغالبة الأغيار.

 

وكان هذا الشعور يخامرني في تلك الأثناء، فيدفعني بكل قوة للبذل والعطاء، والبحث عن دور يقام به لخدمة الأمة التي اليها ننتسب، وخاصة ان جرح فلسطين كان آنذاك ما يزال اخضر، واننا نعيش على ثرى بلاد الشام، معدن الرسل، وارض الفاتحين، ومراد الصالحين، وموطن الابدال الى يوم الدين.

 

حتى اذا هيّأ الله الذهاب الى الجامعة، انفسح امامنا البُعد الفياح لهذا المعنى الجليل على يد أساتذة كرام، اخص بالذكر منهم معلمي وصديقي «راتب النفاخ»، رحمه الله. وذلك في بلد عرف بأصالة عروبته، وسعة علومه، وتدين أهله. هذا المعنى هو ان هذه الأمة، هي أمة الإسلام العظيم.

 

هذه الأمة التي اختارها الله على عينه لتكون معلمة البشرية، وقائدة مسيرتها، ولكن بشرائط ان التزمت بها كانت الرأس، وان تركتها كانت الذنب والمؤخرة، على هدي قوله جل وعلا: «كنتم خير أمة اخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله».

 

إنها الأمة التي كانت مثالاً في كل منقبة وفضيلة، ومسطرة في مجافاة كل منقصة ورذيلة. انها أمة الاعتدال التي تحاشت عن الافراط والتفريط، وبذلك اعطيت عرافة الأمم، بعد ان كرمها الله برسالة محمد بن عبدالله، عليه صلوات الله وسلامه، فقال تعالى: «وكذلك جعلناكم وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً».

 

هذه الأمة التي كان التوحيد شعارها ودثارها، والعروبة لحمتها وسداها، والعربية لغة القرآن لسانها، واداة بيانها والتي كانت ذات استقلال في شخصيتها وفكرها. لم تمل في القديم الى فُرس او روم، وليس لها ان تميل في الحديث الى روس وامريكان، او انجليز وفرنسيين. انها كشجرة بلادها المباركة، الزيتونة، التي قال فيها ربها: «لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار».

 

لكن هذه الأمة اصيبت اليوم من جسدها بالمقتل، فلم يعد لها من حقيقة امرها الا الاسم والرسم. وذلك جراء مؤامرات مورست عليها، ومكائد حيكت لها في جنح الظلام او العلن، من ابنائها واعدائها على السواء. فعادت ممزقة الاوصال متنافرة متنابذة توالي الاعداء، ولا تلتزم بدينها. هجرت القرآن وحكمت بقانون نابليون، وحاربت العربية وتلاغت بلسان الاعاجم، واتخذ ابناؤها من البيت الابيض، او الكرملين كعبتهم ودار عبادتهم.

 

لقد تآمرها ابناؤها مع اعدائها على هدم خلافتها، ونبذ رابطتها الاسلامية التي تجمع بين شعوبها على هدي قوله تعالى: «ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، الى روابط جاهلية من قومية واقليمية نادى بها من لا خلاق لهم فيها من دين او خلق او فهم للغة العرب، يسيرون في ركب الاعداء مقلدين حذوك النعل بالنعل، فصدق عليهم قول رسول الله -عليه الصلاة والسلام-:«لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»!!

 

لقد تربوا على عين الاجانب من اعداء الله الكفار فوالوهم، واضحوا لهم عملاء، يحكمون هذه الأمة بسلطتهم، ودعمهم لهم بالمال والسلاح والنساء، ليكونوا اشد على أبناء شعوبهم وأقسى من الاعداء انفسهم. وشايع هؤلاء العملاء الكثيرون من أبناء هذه الأمة؛ الغوغاء من الجهلة وأشباه الأميين والمنافقين رغبة ورهبة، فضاعت بشكل تام في وسط الزحام صيحات المخلصين، فكان الخاسر الوحيد هو هذه الأمة بما لها من تاريخ عريق ومجد تليد، فصدق عليها قول حافظ ابراهيم:

 

أمة قد فتّ في ساعدها ... بُغضُها الأهل وحبُّ الغُرَبا

 

غير ان كل هذا يجب ان لا يمنعنا من العمل الدؤوب لاصلاح هذه الأمة والعودة بها الى سابق عهدها. فالله سبحانه يقول: «ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون». صدق الله العظيم. فهيّا الى العمل والكفاح لرفعة شأن هذه الأمة الماجدة وعلى الله الاتكال.