هيكل والموقف المصري
بقلم :ياسر
الزعاترة
حرص الصحفي المصري
الكبير محمد حسنين هيكل في حواره مع فضائية الجزيرة في اليوم الأخير من العام
المنصرم، وهو للأمانة من أهم حواراته منذ سنوات، حرص على التفريق بين الموقف
المصري وموقف الإدارة المصرية الحالية مما يجري في إطار التسوية الفلسطينية، ومعها
الوضع العربي والإقليمي عموماً، واعتبر أن موقف الإدارة المذكورة قد تدحرج من كونه
نصيراً للفلسطينيين إلى وسيط بينهم وبين الإٍسرائيليين إلى ما يشبه الانسجام مع
السياسة الإسرائيلية.
والحال أن أحداً لا
يقصد الخلط بين الموقف المصري بتعبيره الدقيق وبين موقف الإدارة الحالية، لكنه
التعبير الشائع في سياق الحديث عن موقف دولة من الدول من دون أن يعني أدنى خلط بين
موقف الجماهير والمواقف السياسية المتبناة على الصعيد الرسمي.
في كل الأحوال فإن ما
يجري على صعيد المواقف المصرية من الملفين الفلسطيني والعراقي والسوداني على وجه
التحديد والملف العربي والإقليمي بشكل عام لا يمكن إلا أن يصيب هيكل بالذهول، ومعه
كل الحريصين على مصر ودورها وحضورها، لا لشيء إلا لأنها مواقف لا تمس بمصر من
زاوية الدور والحضور والمصالح فحسب، وإنما لأنها تترك الوضع العربي عموماً رهناً
لابتزاز أمريكي إسرائيلي بشع.
في الملف الفلسطيني
ها هو الموقف المصري يترك الفلسطينيين رهناً للابتزاز الإسرائيلي، من خلال التأكيد
على الموقف المناهض للمقاومة، والداعم لمسار سياسي ليس فيه سوى الإذلال، وبالطبع
من خلال التعامل مع خطة الانسحاب من قطاع غزة من دون تطبيق أي من الشروط المصرية،
بل في ظل تعنت إسرائيلي واضح، ليس على صعيد عملية الانسحاب وحيثياتها فحسب، بل على
صعيد مجمل مخرجات عملية التسوية.
في الملف العراقي
يتبدى الغياب المصري أيضاً، ويا ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فقد ساهم الموقف
المذكور في دفع الوضع العربي نحو مواقف أكثر تراجعاً وانسجاماً مع المحاولات
الرامية إلى إنجاح المشروع الأمريكي في العراق.
أما في الملف
السوداني الذي يمس الأمن القومي لمصر، فها هو الغياب المصري يحقق لجارانج ما يريد
من خلال الاتفاق الذي وقع قبل أيام، والذي لا يشير إلى محطة سوى الانفصال أو ما هو
أسوأ منه ممثلاً في احتمال إخراج السودان برمته من دائرته العربية الإسلامية.
كل ذلك يبدو أكثر من
مؤسف، فقد دفع الموقف المصري الوضع العربي كله نحو التراجع أمام الأمريكان، الأمر
الذي يمكن أن يترك آثاراً كبيرة على مستقبل المشهد السياسي في المنطقة برمتها،
والأسوأ أننا إزاء موقف لا يملك المبررات المقنعة. صحيح أن الولايات المتحدة قد
غدت في مرحلة هياج في ظل ورطتها في العراق وعودة المحافظين الجدد إلى ولاية أخرى،
لكن ذلك لا يمكن أن يكون كافياً لكل هذا التراجع الذي نشهده، والذي لم يكن ليحدث
لولا المعادلة الداخلية التي تركز على مسألة التوريث ومن ثم رفض الإصلاح، وهي
اللعبة التي غدت مفضلة عند واشنطن في سياق ابتزاز التنازلات من الدول العربية،
والتي لا يمكن إخراجها من دائرة الانتقاد ولذات الأسباب والتبريرات.
نحن إذن أمام معادلة
بالغة الصعوبة من حيث تأثيراتها على مصر وعلى الأمة جمعاء، الأمر الذي يلقي
بالمسؤولية على القوى الحية في مصر، وفي العالم العربي أجمع كي تمارس دورها في دفع
المواقف الرسمية نحو مزيد من التماسك في مواجهة الإملاءات الأمريكية.