أي انتخابات نتاج طبيعي لقواعد اللعبة

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

عندما عزمت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان في الثمانينايت على الإطاحة بالجبهة الساندينية في نيكارغوا، بعد إطاحتها بنهاية السبعينيات بالديكتاتور سوموزا بانتفاضة شعبية مسلحة، أطلقت أمريكا العنان لعصابات الكونترا فروعت الشعب النيكارغوي بعمليات التخريب العشوائية، كتدمير المصانع، وإحراق الحقول، وقتل أساتذة المدارس، ولغمت أمريكا موانئ نيكارغوا، ووضعت ثقلها الدولي لحصار بلدٍ صغيرٍ في حديقتها الخلفية لم يتجاوز سكانه آنذاك المليونين والنصف.

 

عدوة شعوب الأرض أجمعين أصرت خلالها على مبدأ الانتخابات، وأوحت في الآن عينه عبر وسائل إعلامها أو ألسنتها في نيكارغوا أن التخريب والقتل الأمريكي سيستمران ما برح الساندينيون يحكمون. باختصار، جعلت أمريكا حياة الشعب النيكارغوي جحيماً لا يطاق، وإذ وافق الساندينيون على الانتخابات في عهد بوش الأب، كانت أغلبية الشعب النيكارغوي قد وصلت لقناعة مفادها أن إيقاف الإرهاب يتطلب استغلال الانتخابات للإطاحة بالساندينيين، وهكذا كان. حرص الساندينيون على إبقاء الانتخابات نزيهة، وخسروها بنسبة قليلة من الأصوات، فتخلوا عن الحكم طواعيةً، وانتصر بذلك طاغوت الإمبريالية... «ديموقراطياً»... لتعود نيكارغوا إلى الحظيرة.

 

الانتخابات، هنا، جاءت على مقاسِ نتائجَ فصلتها أمريكا، لأنها انتخاباتٌ جرت في ظل الإرهاب، وكان على الساندينيين أن يصروا أن لا انتخابات في ظل الإرهاب الأمريكي.

 

وبعيد العدوان الثلاثيني على العراق، فتك الحصار الأمريكي-البريطاني بحياة مليوني عراقي ودمر البلاد والاقتصاد وأنهك المواطن العراقي، فكان ذلك مبرراً في عرف المواطن الأمريكي العادي، عامةً، كحافزٍ ضروري للعراقيين كي ينهضوا للانقلاب على البعث وصدام حسين. وكنت تسمع هكذا تبريرات على مدى سنوات في وسائل الإعلام الأمريكية، وعلى لسان المسؤولين الأمريكيين، وفي الشارع الأمريكي، دون أدنى اعتبار لما يمثله قتل مئات الآلاف وتجويعهم من انتهاك لعين المبادئ الإنسانية التي ترفعها الحكومة الأمريكية. فإذا أثرت هذه النقطة بالذات كانوا يجيبون ببرود القتلة: نحن ندافع عن مصالحنا الحيوية!!

 

وعندما صمد العراق وعجز حصار «الشرعية الدولية» الوحشي على مدى ثلاثة عشر عاماً عن الإتيان بالحكم الذي تريده أمريكا، وطفق نظام العقوبات بالتحلل، لم يتمالك بوش الابن نفسه، فاندفع في مغامرة غزوٍ يدفع المحتل الأمريكي ثمنها غالياً الآن. إذن، لا بد من ديكور ديموقراطي للاحتلال، كما كان لا بد من ديكور ديموقراطي للتبعية لو نجح الحصار، فأمريكا تسعى أولاً لتحقيق «مصالحها الحيوية» (اقرأ: الإمبريالية!)، ولكن تحت قناع ديموقراطي إنساني بالضرورة، فتلك الدعاية الأيديولوجية تخلق أفضل الظروف لهيمنتها والشركات متعدية الحدود على العالم. ومصلحة أمريكا الحيوية اليوم تقتضي إعطاء المشروعية لاحتلال العراق بأثر رجعي، ومن خلال نفس الانتخابات، يجري تفكيك العراق كحجر أساس في مشروع «الشرق الأوسط الكبير»!

 

الانتخابات، هنا، تجيء أيضاً على مقاسِ نتائجَ فصلتها أمريكا، لأنها تتم في ظل احتلال أمريكي، ومن حق المقاومة العراقية والعرب والمسلمين وكل أحرار الأرض أن يصروا: لا مشروعية لانتخابات في ظل احتلال.

 

وفي الضفة وغزة، مارس الطرف الأمريكي-الصهيوني لأربع سنوات حصاراً لا يقل ضراوةً عن حصار العراق، عداك عن عزل المدن والقرى عن بعضها البعض، وعاش الفلسطينيون إرهاباً لا يقل ضراوةً عن ذاك الذي عاشته نيكارغوا في الثمانينات، عداك عن القتل العشوائي وتهديم المنازل وتجريف الأراضي ومصادرتها.

 

باختصار، جعل الطرف الأمريكي-الصهيوني حياة الشعب العربي الفلسطيني جحيماً لا يطاق، وأفهمه عبر وسائل إعلامه واختراقاته الإعلامية والثقافية أن الخلاص يكون بانتخابات تأتي نتائجها على مقاس البسطار الأمريكي-الصهيوني، يراعي فيها الناجحون، «واقعياً»، مصالحه الحيوية في «الأمن» و«الإصلاح» وغير ذلك من العناوين الأيديولوجية الإمبريالية، كحجر أساسٍ في مشروع «الشرق الأوسط الكبير».

 

وهكذا، تجيء الانتخابات الفلسطينية على مقاسِ نتائجَ فصلها الطرف الأمريكي-الصهيوني، لأنها تتم في ظل إرهاب الاحتلال، ومن واجب المقاومة الفلسطينية أن لا تعترف بمشروعية أي انتخابات في ظل الاحتلال، وأن تجهض أي ترتيبات أمنية وغير أمنية تتمخض عنها تلك الانتخابات. وإذا صعب وصول القنابل البشرية إلى أهدافها، فبالإمكان وصول الصواريخ وقذائف الهاون التي ازدادت بقدر ما قلت العمليات الاستشهادية.

 

في السلم، يشوه النتائج الانتخابية من يملك المال والإعلام وحق رسم الدوائر ووضع القوانين الانتخابية.. وفي الحالتين، تعكس النتائج قواعد اللعبة.. ولا تعني الانتخابات شيئاً عندما تصبح غايتها المصادقة على مصالح أصحاب السلطة والثروة والقرار.