العلمانية : المشكلة المزمنة والحل المهجور!!

 

 

 

بقلم :د يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

( وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) 30 الفرقان

عندما هجر " المسلمون المرجعية الإسلامية وأبعدوها عن مشروع النهضة في بلادهم  صاروا كمن يبني على موج البحر دارا ، أو بالأحرى كمن يبني في جحر الثعلب مسجدا جامعا

هذا هو سر الفشل المستمر منذ البدء في مشروع النهضة الحديث منذ أكثر من قرن ولا يزالون، بهذا تم  تبديد مشروع النهضة طوال القرن الماضي لخلوه من المرجعية ، وهي لا تكون - بحسب جمهورها - في غير الإسلام .

إنها العلمانية الانطفائية التي أدرك قبح فعلها - وإن لم يدرك دلالة اسمها أو مقر شيطانها - عامة المسلمين الذين درجوا منذ زمن بعيد على تشخيص كل انحراف بأنه إنما نشأ من " البعد عن الدين "

 

إنها هي المشكلة

إنها العلمانية الانطفائية المحلية بالذات

 

ولا يعني هذا كما قلنا سابقا تجاهل العدو الرئيسي والفاعل الأصلي ( الاستعمار الأوربي بأشكاله المختلفة : أسبانيا كان أو برتغاليا  أو إيطاليا أو فرنسيا أو بريطانيا أو أمريكيا أو صهيونيا أو صليبيا ) كما لا يعني اعتذارا له بمقولة سخيفة تتداولها أفواه مضللة : من مثل "هذا حقهم " إلا كما يكون لأحدهم أن يعتذر للشيطان بمثل ذلك " هذا حقه " ، ولكنه ما كان له أن يثمر شيئا من آثامه وكوارثه لولا " وكيله التجاري "

إنها العلمانية

وهي العلمانية الانطفائية المحلية بالذات

وإنه ليزعم الانطفائيون العلمانيون هؤلاء أعداء المرجعية الإسلامية الذين يصرخون مصرين حتى اللحظة الأخيرة من عمر مديد كلما سمعوا منادي القرآن يصرخون : " لا " كأن بهم " جربا نفسيا " أو عفريتا راكبا فوق ظهورهم يحذرهم من الإسلام ، .. يعلنون أنهم يقاومون "المرجعية الإسلامية " كيلا تعود بهم إلى عصور الظلام التي تخلصت منها البلاد التقدمية باستبعاد الدين منذ عشرات السنين ، يكذبون في مقايسة مضحكة : " كلنا مسلمون فلا تدعونا إلى الإسلام" ‍‍ بينما هم يدعون " الآخر" إلى " الوطنية الديموقراطية " وما احتسب أحد منهم أو من "الآخر"  أنهم يتهمون هذا " الآخر " بشيء من اللاوطنية أوالاديموقراطية " ‍‍ وهم في جميع الأحوال ما دروا أنهم في تخبطهم ذاك قد جمعوا إلى كذبهم المكشوف وحقدهم " الجرباوي " … جمعوا إلى هذين   جهلا صارخا  بأحوال ما يسمونه التنوير والتقدمية إذ لم يقرأ هؤلاء الانطفائيون – مثلا - ما جاء في تقرير التنمية العربية 2004 : إشكالية الحرية والحكم في البلدان العربية ؛ الصادر عن هيئة الأمم المتحدة إذ يقول في صفعة موجهة على جبين العلمانيين الانطفائيين الجرباويين  في  بلادنا ( تعنى المبادئ المؤسسية للديموقراطية أنه لا يجوز منع أي جماعة مدنية يما في ذلك الجماعات الدينية من تشكيل منظمة مدنية أو حزب سياسي ، ويشترط عند ذلك أن تقبل هذه الجماعات بداية وعلى وجه التحديد الالتزام بجميع ضمانات الإبقاء على الممارسة الديموقراطية في المجتمع ولو في مواجهة استبداد الأغلبية بحيث تصبح الممارسة الديموقراطية ذاتها سبيل تصحيح أي أخطاء تعتور مسيرتها ، ولا يمكن فرض قيود على منظمات المجتمع المدني بما في ذلك الأحزاب السياسية إلا بعد أن تبدل سلوكها الفعلي على معاداة الديموقراطية ، وبشرط ألا يصدر هذا الحكم عن الأحزاب الحاكمة ولكن عن القضاء " ستيبتن بالإنجليزية " ) ثم يقول التقرير : ( وتجدر الإشارة إلى أن الدين ليس مقصى من المجتمع السياسي في البلدان الغربية المتقدمة التي لا يثور جدل حول ديموقراطيتها ، حتى يرى بعض منظري الديموقراطية أنه لا توجد ديموقراطية غربية تنشئ حاليا فصلا جامدا بين الدولة والكنيسة ، وإنما توصلت كلها إلى " حرية للدين " لا تقف عند ممارسة الشعائر في الخصوص ، ولكن تمتد إلى حق التنظيم في المجتمع المدني والمجتمع السياسي للجميع ، بل إن القول الفصل عند بعضهم أن العلمانية وفصل الكنيسة عن الدولة لا تشكل سمات جوهرية للديموقراطية " مثلا ستيبيان بالإنجايزية 201 –203 "  لكن ما يبقى مطلوبا هو ضمان حياد الدولة تجاه عقائد مواطنيها ) لكن حتى هذا الحاجز الشفاف من الحياد لم يعد موجودا وفقا لشهادة مراد هوفمان السفير الألماني السابق : إذ يقول  ( الحكومات الغربية جمهوريات ديمقراطية مسيحية، وذلك بالقانون، عدا فرنسا

في ألمانيا مثلاً:  الله مُعتبر في الدستور، والأحد إجازة رسمية، وكذلك الأعياد المسيحية. وفي الكريسماس يتوجه كل من المستشار والرئيس بكلمة للشعب في الكريسماس ، وتعلم المدارس الحكومية الديانة المسيحية بواسطة مدرسين تدفع الدولة مرتباتهم.

ويُقسم الجنود بالله على ولائهم للجمهورية والدفاع عنها. وتجمع الإدارة المالية الحكومية "ضريبة الكنيسة"  للإنفاق على الديانات المسيحية المعترف بها وهي : الكاثوليكية، اللوثرية، الإصلاحية، وعلى اليهودية. وللكنائس الحق في قرع أجراسها، والتجديف جريمة يُعاقب عليها في قانون العقوبات، ويوجه الأساقفة الكاثوليك ـ رمزاً ـ إلى اجتناب التصويت لبعض الأحزاب ؟!.

كذلك الحال  في البلدان الأوروبية الأخرى ، وأمريكا

أما في فرنسا فالعلمانية تؤخذ على أنها دين.

 

بعد هذه الحقائق ، يكون نفاقاً صريحاً رفض الحكومة الإسلامية لأنها ليست علمانية. مع أنه من الممكن للحكومة الإسلامية أن تكون علمانية بمثل ذلك. حيث يمكنها أن تفصل بين السلطات الثلاث عضوياً، وتربطهم ببعض ديناميكيا.)

 

ويواصل هوفمان شهادته : ( لقد أدى طول اتباع الغرب لسياسة المعايير المزدوجة لنتائج فاجعة. فقد اقتنع كثير من العرب أن الغرب لا يريد لهم الديمقراطية، لخطورة أن تأتي بحكومات أصولية.

ومن هذه الازدواجية نجد  أن إرهابيا سابقا مثل مناحم بيجين أو نيلسون مانديلا يمكن قبوله كسياسي ديمقراطي، إلا .. إلا .. إذا كان هذا الإرهابي السابق مسلما، أو حتى مسلما أصوليا فقط وليس إرهابيا مثل عباس مدني. لن يحظى مثل هؤلاء حتى بفائدة الشك في اعتبار ديمقراطيتهم.

لن يُطلق لقب " أصولي" على أمثال منظمة أوذوس داي الكاثوليكية، أو الأسقف الفرنسي الراحل ليفبفر، أو الإسرائيليين المتعصبين، أو طائفة مائير كاهان في نيويورك، أو الإرهابيين الكاثوليك أو البروتستانت في ايرلندا الشمالية، أو لاهوتي التحرير الكاثوليكي العسكري في أمريكا الجنوبية.

لا لن يُطلق عليهم ذلك اللقب الازدرائي، فهو محجوز للحط من قدر المسلمين فقط.

أكثر خطورة من ذلك، ما استنتجه كثير من المسلمين مما يفعله الغرب في البوسنة: يفضل الأوروبيون التصفية الجسدية للشعب المسلم في البوسنة عن أن يتسامح في وجود دولة إسلامية على الأرض الأوروبية.

دعونا لا نخدع أنفسنا:  التحامل الغربي ضد الإسلام والحط من شأنه وصلا لدرجة يمكن أن تحول الخوف وعقدة التفوق إلى عنف عدائي للإسلام .) المصدر : الإسلام عام 2000 لمراد هوفمان ترجمة: عادل المعلّم نشر مكتبة الشروق

 

    هل تحتاج هذه الشهادات – وهي غيض من فيض - إلى تعليق ؟

    أم نكفي في هذا المقام بفضح جهل المتلقين المتلقنين من ببغاوات التنوير ، بما يجعلهم الأحق بوصف ( الانطفائيين )  في بلادنا الإسلامية والعربية

 

و إذا كان من هذه العلمانية " الانطفائية " أنواع كما بينا في مقال سابق  : العلمانية الصريحة والعلمانية النفاقية والعلمانية الغبية والعلمانية اللاواعية …..

وإذا كنا قد بينا العلمانية الصريحة من قبل وهي  تلك التي تدرك ولا تنكر أنها مناقضة للإسلام كما بينا بعض تجلياتها الشيطانية … وذكرنا الرأي فيها في مقال سابق بعنوان " لا علمانية مع الإسلام " …

ثم تكلمنا عن  العلمانية النفاقية  تلك التي تدرك - ولكنها تحرص على أن لا تعلن -  أنها مناقضة للإسلام  ، والتي نجد فيها طائفة كبيرة من نخبة المثقفين والمتنفذين الانطفائيين . وذكرنا بعض مظاهرها ….

فليسمح القارئ الكريم أن نضيف اليوم مثالا صالحا للنوعين ، نجده في الإصرار على تخلية مكتبة الإسكندرية من مكان " مسجد" للصلاة

 

إن الذين أقاموا مكتبة الإسكندرية بعشرات الملايين من الدولارات لم يجدوا مكانا فيها لإقامة الصلاة ( المسجد) ياحسرة ( إسلام أون لاين.نت/13-1-2005 نسيبة داود)

لا " مكان لإقامة الصلاة بمكتبة الإسكندرية " موقف تتمسك به إدارة المكتبة ذات الطابع العالمي في مواجهة رغبة شعبية ديوقراطية (!!) تبدت في  قسم كبير من طلاب جامعة الإسكندرية المجاورة؛ ومن ثم لجئوا للصحف والإنترنت للدفاع عن مطلبهم.

ويطرح كل طرف مبرراته في إطار هذه المواجهة التي تصفها الأوساط الجامعية والثقافية في الإسكندرية، عاصمة مصر الثانية تصفها بـ"الحضارية" والتنويرية. ففيما ترجع إدارة المكتبة موقفها إلى وجود مسجدين قريبين وعدم توفر متسع داخلها، يشير الطلاب إلى صعوبة وصول الطلاب إلى المسجدين ، إلى جانب أن خطة إنشاء المكتبة كانت تشمل في البداية إقامة مسجد داخلها.

ويوضح الدكتور مدير مكتبة الإسكندرية موقف الإدارة قائلا ( لا فض فوه ) : "ليس هناك ما يدعو لبناء مسجد بالمكتبة !! ، فهناك مسجدان على بعد أقل من 50 مترا منها، أحدهما في المجمع النظري (مجمع يضم الكليات النظرية بجامعة الإسكندرية المجاورة) ، والثاني بجوار مستشفى الشاطبي".

وقال سيادته في حوار مع صحيفة "صوت الأمة" المصرية نشرته أواخر ديسمبر 2004: "في بداية تشغيل المكتبة : كان هناك قاعات كثيرة خالية في المكتبة، واتجهت الآراء إلى تخصيص واحدة منها كمسجد، ولكن لم ينفذ الأمر".وللأسف لم يقل لنا الانطفائيون هؤلاء : لماذا

وتابع سيادته : "كان هذا التفكير عندما كنا نعتقد أن المكتبة سيكون فيها معهد واحد هو المعهد الدولي للدراسات المعلوماتية ، لكن الآن المكتبة تشمل 7 مراكز بحثية و3 متاحف ، والقبة السماوية ، وصالة استكشاف ، و6 مكتبات متخصصة ، وتشمل أرشيف الإنترنت ، بالإضافة إلى مركز المؤتمرات.. فالقاعات والصالات الموجودة عندنا أقل من احتياجاتنا، وبالتالي لا يوجد عندنا مكان للمسجد".(!!) ولست أدري  عن أي " مكان " حقيقي أو مجازي  في " عندنا" يقصد ؟‍‍‍‍‍

 

أما طلاب الجامعة الظلاميون (!!) المطالبون بمكان للصلاة فلم يقتنعوا بمبررات المسئول الأول عن المكتبة؛ فقرروا المضي في مطالبهم، وأطلقوا حملة توقيعات تحت عنوان: "ساعدونا لنتمكن من الصلاة في مكتبة الإسكندرية"، وذلك عبر موقع إلكتروني خاص بهم.

وبلغ إجمالي التوقيعات في بداية إثارة المشكلة  ما يقرب من 5 آلاف توقيع لطلاب جامعة الإسكندرية الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف.

وبموازاة تلك الحملة أيضا، وجه الطلاب رسائل بريد إلكترونية لصحيفة "الأهرام" المصرية طرحوا فيها أيضا مطلبهم ، كالمستجير من الرمضاء بالنار .

ولقد فات المسئولين في هذا الموقف التنويري الانطفائي أن يسجلوا لأنفسهم مجدا كمجد الإسكندر الأكبر نفسه لو أنهم بنوا في  قلعة الثقافة المسماة باسمه القائمة على ثراث إغريقي تعفن بظهور الفلسفة التجريبية منذ وقت طويل .. فاتهم مجد أن يبنوا في قلبها مسجدا شامخا يظلل البحر الأبيض المتوسط من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه ، لكن الله علم أنهم لا يفعلون ، لأنهم لا يستحقون . لأنهم هم العلمانيون الانطفائيون .

ولله في خلقه شئون ، فبعد أن كان للمكتبة مكان الشرف في رحاب المسجد ، لم يعد للمسجد مكان بين قيعان المكتبة ، { وآدي العلمانية ولا بلاش } !!

 

فأما العلمانية الغبية – التي نتوجه لذكر بعض مظاهرها تاليا - فهي تلك التي لا تدرك لفرط أميتها أو فرط غبائها أو فرط انحرافها أنها مناقضة للإسلام وهي تمارس شيئا من هذا وشيئا من ذاك حسب الظروف والتوجيهات والضغوط والإملاءات وغالبا مالا تعرف شيئا حتى عن اسمها

وهنا نجد العوام أو العامة من المسلمين

وأصلها :  ما كرسته العلمانية الانطفائية من المديح لصورة " الإسلام المصري ‍‍‍‍‍‍‍‍ " بخاصة ، وما ذلك إلا لمسحة العلمانية الخفية التي مسته فيها ، باسم دعاوى سياسية تمثلت في " مصر أولا " ، ودعاوى دينية : أقلها : في شعار التيسير والسماحة وعدم التشدد ، وأقصاها في الابتداع والتسيب .

ومن مظاهرها الجامعة التأييد الشعبي الغبي أو الانتهازي  لأصول هذه  العلمانية النفاقية ولبعض مظاهرها المذكورة سابقا

 

ومن أخطرتجليات هذه العلمانية الغبية  افتقاد الإحساس الواجب بما يحدث للمسلمين من نكبات في أصقاع الأرض المختلفة يجري تسويقه تحت شعار مصر أولا ،  وتحت مظلة من الجهل الأسود بما ينبغي للكيان السياسي من خطوط أمان تمتد إلى أبعد من أبواب الحدود السياسية ، تماما كما أنه لا بد لأمان القلعة من أن تمتد إلى أبعد من أسوارها  ، وكما أنه لا بد لأمان القصر من أن يمتد لأبعد من  أبوابه ،  ولابد لأمان البيت من أن يمتد لأبعد من غرف النوم .

نجده في افتقاد الإحساس الواجب بما يحدث للمسلمين من نكبات في أصقاع الأرض المختلفة بالرغم من قوله تعالى " إنما المؤمنون إخوة " وقوله صلى الله عليه وسلم " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه " وقوله صلى الله عليه وسلم " المؤمن للمؤمن كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "

ولقد بلغ التجهيل السياسي الذي بثه الإعلام العلماني الانطفائي بين الجمهور المصري  أن أصبح هذا الجمهور "مبرءا " من مجرد " الإحساس " بما يجري خارج الحدود – حدود سايكس بيكو : في فلسطين والعراق وافغانستان وغيرها من البلاد الإسلامية -  ولقد أصبح هذا الجمهور يعتقد  أنه محظوظ للأمان " المغشوش " الذي يتمتع به حاليا ، " أمانا " يستحق شكر أولي الأمر " الحكماء " الذين وضعوه فيه غافلين عن أن  الحكمة والتعقل لا تتأتى والزوجة تغتصب والبيت يتهدم .. إنها لغة الساقطين والفاشلين والراغبين في إيجاد مبررات يبررون بها تقاعسهم وتخاذلهم .

 

إنه الجهل الأسود الذي غرق فيه هذا الجمهور فيما يتعلق بالحدود الحقيقية التي تضمن الأمان لمصر وهي حدود تمتد علميا : تاريخيا وسياسيا واستراتيجيا من  سوريا  إلى جنوب السودان ،  ومن أقصى العراق شرقا إلى أقصى المغرب  ، وهي حدود الاستراتيجية العسكرية التي أدركها حكام مصر منذ عصر الفراعنة إلى محمد علي في التاريخ الحديث  ، ويصبح من ثم الدفاع عن فلسطين دفاعا عن مصر والدفاع عن سوريا دفاعا عن مصر والدفاع عن العراق دفاعا عن مصر والدفاع عن السودان دفاعا عن مصر ، خلافا لما زرعته العلمانية في مخ الجمهور المغيب عن الأحداث العارمة التي تجري حوله من أن الاهتمام بهذه الحدود محض أريحية أو تضحية بآخر عسكري مصري لحساب " الدولار النفطي " و " الإخوة العرب " !!

وجاء في تقرير الأستاذ حسنين كروم الأسبوعي بجريدة القدس العربي بتاريخ 18\11\2004 أنه : ( من المثير للاهتمام أن شعار مصر أولا وهو ما تدعو  إليه روزا ليوسف هو نفسه الشعار الذي تبناه التيار الإصلاحي في الحزب الوطني الذي يتبنى منظومة قيمية تركز علي مركزية الهوية المصرية ـ و هو امتداد لتيار يمتد إلى الثلاثينيات، حين تبني طه حسين وسلامة موسي وحسين فوزي فكرة الهوية المصرية، وفيما بعد توفيق الحكيم في أواخر السبعينيات. و هو تعبير عن خطط أمريكية وامبريالية، للقضاء علي العروبة والمفاهيم القومية الجامعة. )

وكما جاء في التحقيق الصحفي  للأستاذ حسنين كروم بجريدة القدس العربي : ( وقد أثبت القائمون علي الترويج لهذه الدعوة، أنهم لم يقرأوا شيئاً بالمرة عن تاريخ حقبة الثلاثينيات ، ولا ما دار فيها من مناقشات ولا إلي أين انتهت حول هوية مصر، وهل هي عربية أو تنتمي لحضارة البحر الأبيض المتوسط وعليها أن تتجه بأبصارها شمالاً نحو أوروباً …، ولهذا لم يوضحوا مصير دعوات طه حسين وسلامة موسى وحسين فوزي ، ثم توفيق الحكيم ، هل انتصرت أم انهزمت؟  وما هي الأحزاب أو القوي السياسية التي تبنتها ؟ وما هو حجمها وتأثيرها إن كان لها وجود، والحقيقة أنهم لم يقرأوا شيئاً، … لأن هذا التيار الذي يعتقدون أنهم أصحاب الفضل في إحيائه من جديد لم يكن له أي تأثير بالرغم من وجود العمالقة الذين روجوا له ، وهزم هزيمة منكرة ، ثقافياً وسياسياً ، واتجهت مصر نحو أمتها العربية، وهو نفس المصير الذي لقيه ويلقاه هذا التيار كلما يطل برأسه الآن من فترة لأخرى ، لأنه يريد تغيير هوية شعب…وهو ما يحاوله بالفعل ما يسمي بالتيار الإصلاحي داخل الحزب الوطني، والذي عبر عن توجهه بقوة وعلانية اثنان من أعضاء لجنة السياسات بأمانة السياسات بالحزب ، وهما الدكتور مصطفي الفقي، الذي كتب في الأهرام مقالاً، طالب فيه صراحة بإنشاء تجمع سياسي جديد، يضم مصر وإسرائيل ….، وإعادة النظر في ارتباطات مصر العربية، وأن علي مصر أن تدخل إلي قلب أمريكا بواسطة إسرائيل ، والثاني هو الدكتور عبد المنعم سعيد الذي كتب بدوره في الأهرام أيضاً مطالباً بان تعيد مصر ترتيب ارتباطاتها الإقليمية….

بل عند بدء العدوان علي العراق في أذار (مارس) سنة 2003 أسرع الحزب الوطني وقادته إلي الصراخ بشعار " مصر أولا" ، وأن مصالح مصر قبل أي شيء ، واتخذوا موقفاً لتبرير العدوان ، وانعكس علي برامج التليفزيون وفي الصحف الحكومية ـ باستثناء جريدة الأخبار …..)

وليسمح لي الأستاذ حسنين كروم بأن أختلف  قليلا مع ما ذكره في تقريره عن  تراجع تأثير هذا التيار إذ نجده عند قطاع كبير من الأسر المتقوقعة من الرجال والنساء الفارغة أفئدتهم رعبا على أطفالهم  ، والشباب المغيب اللاهي العابث الفارغة عقولهم عما يترصدهم في مستقبلهم  ، أولئك الذين أثمرت فيهم الدعاية الخبيثة التي تلقوها منذ ولادتهم " مصر أولا " سواء أدركوا عنوانها أو لم يدركوا .

وأضيف إلى هذه المناقشة ردا على أصحاب هذا الشعار بأنه لا يتجاهل حقيقة الهوية ومرجعيتها الإسلامية فحسب ولكنه يتجاهل ما هو أبسط من ذلك ، إنه يتجاهل منطق  الحدود الآمنة والأمن العسكري والأمن الاجتماعي ، ولعل الدرس الذي ساقه القدر إلينا منذ شهور قليلة  من غزو الجراد لمصر غزوا لم يصبها مثله منذ خمسين عاما ، وفي رأي آخر مائة عام  : خير رد على أصحاب شعار " مصر أولا " ، إنه ما كان لمصر أن تطمع في أمان  من الجراد الأحمر الذي غزا مناطق الإسكندرية والبحيرة ومديرية التحرير والقليوبية والجيزة ووادي النطرون ومدينة السادس من أكتوبر والقاهرة ومجلس الشعب بالذات لحكمة يعلمها الله ،  كما جاء في بعض التقارير - ما كان لمصر أن تطمع في أمان من هذا الجراد الأحمر  وقد أهملت حدود أمنها الكائنة في حدود الدول المجاورة في أقصى الغرب وأقصى الشرق ، تماما كما أنه لا أمان لها من " الجراد الأبيض الأمريكي " الذي غزا العراق بغير مقاومة له تمتد إلى حدود سوريا وحدود إيران والمغرب ، هذه هي الحدود التي أدركها الكيان الإسرائيلي عندما وضع حدود أمنه  في إيران وباكستان وباب المندب وكينيا وأريتريا ، وهكذا الدول التي تستحق الأمان من " الجراد الأبيض " ، كما هي هكذا حقول الزراعة التي تستحق الأمان من الجراد الأحمر

وكما رأينا الجراد الأحمر في القاهرة منذ شهور قليلة  فإن المقادير  أهدت إلينا حادثا مزامنا موازيا بمقتل ثلاثة جنود مصريين داخل الحدود المصرية بمقذوف دبابة إسرائيلية وقفت منهم على مدى عشرين مترا ‍‍، وكان الثمن توبيخا ، يقال إنه وجه للجنود الإسرائيلين الذين ارتكبوا الجريمة ، وأنا هذا التوبيخ في مغزاه التاريخي موجها لكل مصري فرط في حدود أمنه ،

فهل تنفعنا فلسفة مصر أولا في " الجراد الأبيض " بعد أن لم تنفعنا في الجراد الأحمر ؟

والمدهش أن شعار مصر أولا – وهو يفقد مصر محيطها الأمني العسكري والاجتماعي – يتم الدعوة إليه بدعوى " المحافظة على أمن مصر"  ‍‍ إنها خديعة إبعاد مصر عن جيرانها ، إبعاد مصر عن أمنها "حفاظا على أمنها " !! ،  وهي خديعة ما كانت لتجوز لولا حقد "العلمانية " الأعمى ضد " الأخوة الإسلامية " ، ولولا جهل الجمهور  بقضيته جهلا تم زرعه منذ عقود في قلب السياسات  التي كرست له في التربية والثقافة والإعلام . ولولا هذا الجهل والتجهيل لما صرنا إلى حال تستباح فيه جميع الحرمات باسم المنطق منطق العدو في نظريته للأمن ، إذ يجرؤ – بغير صوت احتجاج فعال من أحد – على هدم منازلنا ومستشفياتنا و مساجدنا ومدارسنا ومتاجرنا ووسائل النقل وإنتاج الماء والكهرباء عندنا وقتل جنودنا داخل حدودنا بدم بارد ، وقتل أطفالنا بدم أكثر برودا  ، وقد كشف تسجيل صوتي في أواخر العام الماضي حديثا دار بين جنديين إسرائيليين قبل أن يقتل أحدهما الطفلة الفلسطينية " إيمان الهمص " قرب مخيم رفح للاجئين في قطاع غزة في أكتوبر 2004 – عن جريمة قتل وحشية متكاملة الأركان . حيث أظهر التسجيل الذي أذاعه التليفزيون الإسرائيلي للمحادثة بين جندي برج المراقبة وجندي غرفة العمليات الذي ارتكب الجريمة الشنعاء، وتم الرمز له بـ " الكابتن. ر"، أن جندي المراقبة أكد أن الهدف الذي يقترب من المنطقة عبارة عن طفلة صغيرة ، تحمل حقيبتها المدرسية وتظهر عليها علامات الخوف الشديد وعمرها لا يتجاوز العشرة أعوام، فرد عليه " الكابتن ر"  مرتكب الجريمة قائلا: "هل تتحدث عن طفلة عمرها أقل من 10 سنوات؟. فقال جندي المراقبة "إنها طفلة يقترب عمرها من السنوات العشر، إنها خلف الحاجز حاليا ويبدو عليها علامات الخوف الشديد". وكشف الشريط الذي أذاعته القناة الثانية بالتليفزيون الإسرائيلي أن جندي المراقبة سمع صوت إطلاق رصاصتين علي الطفلة إيمان التي سقطت مصابة في قدمها، وبعدها بـ 4 دقائق تلقي الجندي اتصالا من زميله، يؤكد فيه مقتل الفتاة قائلا: "أي شيء يتحرك في هذه المنطقة حتى وإن كان عمره 3 أعوام فقط يجب أن يتم قتله" ( المصدر جريدة الوفد 25\11\2004 )

إنهم قتلة ولكن جبناء أيضا ، إنهم قتلة من وراء جدر ، إنهم قتلة أطفال : يقتلونهم وهم في الطريق إلى مدارسهم حاملين حقائبهم  أو حاملات حقائبهن ، ويكفي القاتل منهم أن يقول أمام الرأي العام العالمي : " ولو عادت الطفلة القتيل ذات الاثنتي عشر ربيعا إلى الحياة لقتلتها مرة بعد مرة ، لقد كانت تحمل في حقيبتها المدرسية قنبلة يدوية " ؟ تماما كما يقول قوادوهم – على أعلى المستويات  -  في تدمير المدن والقرى والمنازل والمساجد والمدارس والمستشفيات وسيارات الإسعاف :  يقولون : لقد كان فيها إرهابيون ، فمن يحاسبهم على ذلك ، وما هي الممنوعات ولو في عرف القوانين التي يصنعونها ؟ ؟

وذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن القناصة الأمريكيين يتعمدون قتل الكثير من المدنيين‏،‏ منهم نساء وأطفال‏،‏ خلال الهجوم الثاني الذي شنته القوات الأمريكية علي مدينة الفلوجة.‏ ونقلت عن شهود عيان قولهم‏ :‏ إن الجنود الأمريكيين كانوا يعتبرون أي شخص يخرج من الفلوجة هدفا عسكريا‏،‏ وأنهم قصفوا عيادة قتل بداخلها خمسة أشخاص‏،‏ برغم تعهدهم بعدم قصفها‏،‏ وذلك علي الرغم من النفي الأمريكي المتكرر لحدوث انتهاكات في الفلوجة‏،‏ واتهام من يروج لذلك بأنه من المتعاطفين مع المسلحين العراقيين‏.‏ ( المصدر : الأهرام بتاريخ 25 \ 11\2004

فمن يحاسبهم على ذلك ، وما هي الممنوعات ولو في عرف القوانين التي يصنعونها ؟ أليس كل ممنوع أصبح  هدفا مخترقا واجب الهدم أو واجب  القتل سواء كان كتابا أو طفلا أو مسجدا بدعوى أنه يحوي قنبلة ؟ كيف يمكن ولادة طفل لا يمكن اتهامه بذلك ؟ كيف يمكن بناء مسجد لا يمكن اتهامه بذلك ؟

أليست هذه هي نظريتهم عن الأمن وحدوده ؟! ونحن غارقون في " مصر أولا " !! ( المصدر أخبار  24\11\2004

ومع أشد الأسف نحن نتلقى هذه الأخبار – أو بالأحرى نحرص ألا نتلقاها - تحت غيبوية فكرية علمانية إنطفائية أنستنا واجب الأخوة ، وطمست وعينا عن واجب المناصرة ولو إحساسا :  من نتائجها الكارثية  قبول  الشعب للاستبداد والاضطهاد والتعذيب النازل فوق رءوس المسلمين دون تذمر أو احتجاج ، ولو قامت منهم مظاهرة احتجاج مليونية سلمية واحدة لتغير وجه التاريخ – ألم يسمعوا عن – بله أن يقرءوا - مقال المستشار طارق البشري  بعنوان " أدعوكم إلى العصيان " وهو منشور بجريدة العربي بتاريخ 10\10\2004 ؟ يقينا  أن أغلبهم لم يسمع ، والفضل لسيطرة العلمانية الانطفائية ،- وكل العلمانية انطفائية - على التربية  والإعلام والدعوة والوعظ والإرشاد ؟!

ومن أهم ما نجده من غرق العوام في أعماق هذه العلمانية  تذبذب المسلمين المعاصرين في موقفهم من الدنيا والآخرة

فهم لم يطلبوا الدنيا كما يطلبها الكفار والملحدون ، مقطوعة  عن صلتها بالآخرة كطريق إليها لأن دينهم يمنعهم من ذلك ، فمن الطبيعي ألا يحصلوا عليها كما يحصل أولئكم .

وهم لم يطلبوا الآخرة بعملهم الصالح في الدنيا كما يدعوهم إلى ذلك دينهم ، فمن الطبيعي ألا يحصلوا على ما وعدهم الله به من الفوز في الآخرة والدنيا معا .

إن حالهم اليوم هو فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كالشاة العائرة بين الغنمين : تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ) أخرجه الإمام البغوي في مصابيحه من الصحاح .

وهم كما يقول إبراهيم بن أدهم :

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

وهم كما قال فيهم الشاعر :

أرى رجالا بأدنى الدين قد قَنَعوا

وما أراهم رضوا في العيش بالدون

 

ومن أهم ما نجده من غرق هؤلاء العوام في أعماق هذه العلمانية  الانطفائية ما لمسناه ونلمسه كل عام من إحيائهم  ليالي شهر رمضان– بعد نوم النهار أو بعد أداء صلاة التراويح – بالمسلسلات الفاجرة ، وحفلات التليفزيون والمسارح ودور السينما والأفلام الإباحية وأغاني الفيديو كليب المسعورة بالشهوة - التي يدافع عنها مقدم برامج الفن والفنانين بمنطق علماني أصيل بقوله : " المتفرج حر " بقناة اقرأ بتاريخ 23 \ 10\2004 – هذا بالإضافة إلى سهر الليالي فوق كراسي القهاوي المختلطة ، ، ومباسم الشيش ، وتظرفات النكت الجريئة ، وتناول السحور الضاحك في خلطة بين الرجال والنساء على نواصي المطاعم العامة  وخيمات رمضان توأما لخيمات علي بابا ، قبيل صلاة الفجر ، ثم الانصراف إلى النوم دون انتظار لأداء صلاة الفجر أو هربا من انتظار الفجر ، حرصا على قسط من النوم قبل الذهاب صباحا إلى المدارس والإدارات والمتاجر‍‍ ‍‍‍‍ !!. .

 

ومن أهم ما نجده من غرق العامة في أعماق هذه العلمانية  الانطفائية ممارسة بعض رجال التربية - لا يستثنى منها بعض رجال التربية الإسلامية " أو بعض المحجبات بل المنقبات – ممارستهم للغش والتأسيس له في موسم الامتحانات تغطية لقصورهم أو تقصيرهم في موسم التدريس ، أو تعميدا لنشاطهم في موسم الدروس الخاصة ، أواستجابة لتعاطف مغلوط مؤثم مسموم مع التلاميذ والطلاب والطالبات ، والإشراف على الغش  وإزاحة العراقيل من طريقه وتبكيت من يحاول منعه ، والتأسيس من ثم لإنتاج أجيال تستبيح الغش والتزوير في العلاقات الشخصية والبيع والشراء والتجارة والزراعة والصناعة والسياسة ، دون أن تهتز لأحدهم شعرة كأنهم يمارسون قربة من القربات إلى الله ‍‍‍‍.

ومن أهم ما نجده من غرق العامة في أعماق هذه العلمانية الانطفائية  استحلال بعض المدرسين " تطفيش " التلاميذ من المدارس وصولا بهم إلى الدروس الخصوصية ، واستحلال بعض كبار الموظفين وبعض صغارهم للمكافآت الحرام عن ساعات من العمل تربو على أضعاف ساعات النهار الطبيعي أو السنة الطبيعية وجمعها من كل طريق دون أن يؤدوا لها عملا ، ثم هم يذهبون لقبض أجورهم فيها ، بعد أن يفرغوا من أداء الصلوات ساعة كل يوم وأداء التسابيح والذكر والورد ، خصما من ساعات العمل ، – ناهيك عن تناول الرشوة باسم الإكرامية ، والسمسرة باسم البزنس ، والاختلاس باسم العمولة ، دون أدنى شعور يراودهم حول حرمتها ثم الذهاب آخر النهار للصلاة في مساجد الأولياء ‍‍‍‍‍.

 

ومن أهم ما نجده من غرق العوام في أعماق هذه العلمانية  ما وجدناه منذ وقت قريب من إقامة  إحدى المحافظات   حفلا منذ وقت قصير لعقد عشرات الزيجات – وفي هذا مطلب شرعي – حسن ، ولكن تحت شعار مؤتمر بيكين عن " الصحة الإنجابية " وما أدراك ما الصحة الإنجابية في مفهوم مؤتمر بيكين وهو يعني ما يعني عن تحديد النسل ، والإجهاض إلخ ، ناهيك عما جرى في هذا الحفل من عري واختلاط ورقص الرجال مع النساء والنساء مع الرجال ورقص العروس نيابة عن محترفات الرقص وأمثالهن من العاهرات ، تحت إيقاع الموسيقى وتوزيع الأضواء وأحدث الأزياء مكشوفة الظهر والصدر وما إليه

إلخ

ومن أهم ما نجده من غرق العامة في أعماق هذه العلمانية  الانطفائية تقاصر جهد الموظف فيما لا يزيد في المتوسط عن عشرين دقيقة في اليوم بمنطق تبريري كاذب :" على قد فلوسهم " .

و تقاصر جهد العامل عن الأداء المتفق عليه مع صاحب العمل مع استعمال أقصى ما أنتجه الذكاء المصري من المراوغة والتفلت والاحتيال . و صورة حركة المرور المزفت ، فوق  الطرقات المزفتة بأخلاقيات مشتقة من الزفت .و السكوت على انتهاك أعراض الرجال والنساء في معتقلات الأمن ، وسجون العدو ، وقتل أطفالهم ونسائهم وتهديم بيوتهم ومنشآتهم والتفرج على مناظرهم في حالهم ونحن نأكل الحلوى ونتسلى بما ترسله القنوات و موائد الرحمن التي تقيمها الراقصات محترفات العري والإغراء بدعوى أن هذا لا يتعارض ، ومن مأثوراتهن  قولهن : " قلبي عامر بربنا ‍" وأداء العمرة كل عام غسلا موهوما لعري سابق !! ، واستئنافا محموما لعري لاحق ،  وما دروا أو درين أن أداء العمرة على هذا النحو فاقد لشرط القبول أولا وآخرا إذ يكون مصحوبا بالإصرار على الذنوب والاستمرار في الكبائر .

 

في كل ذلك ما كان للأنظمة  أن تنتج شيئا من هذه التجليات الشيطانية بل المدمرة لولا مسة خطيرة من إبليس العلمانية النفاقية الانطفائية ، فصلتهم عن موقع المراقبة لله بزعم استقلالهم عنه في تدبير شئون هذه الحياة الدنيا والتي هي من خلقه سبحانه ؟؟ !! .

أليس هذا من باب التناقض ؟

وأليس هذا التناقض من باب شر البلية ؟!

وأليس شرها معروفا في ضحك لعين من  إبليس اللعين؟

بالرغم من كونه "منكرا" في شرع الله ؟!

 

&&&

وإن منها العلمانية اللاواعية التي تدرك وتعلن أنها – أي العلمانية الانطفائية – مناقضة للإسلام ولكن أصحابها لا يدركون أنهم واقعون في أسرها في بعض أقوالهم أو نصائحهم أو  فتاواهم وأنه يصبون في خانة العلمانية في بعض توجهاتهم :

 

ومن مظاهرها  فتاوى تجميلية ، ومؤتمرات " تجميلية " تعقد تحت عناوين إسلامية براقة " للترويج للإسلام " !!  ولكنها تصب أولا وأخيرا في خانة العلمانية الغازية من الخارج والقابلة من الداخل !

أما الفتاوى التجميلية فقد أفردنا لها مقالا سابقا بالشعب بتاريخ 26\11\2004 ، وأما المؤتمرات فقد وصفها  لنا الكاتب الإسلامي الكبير فهمي هويدي في أسلوبه الفريد  - أهرام الثلاثاء 18\11\2004 -   قال: ( شاركت خلال الأشهر الأخيرة في أربعة مؤتمرات إسلامية، ولاحظت أن محاور المناقشات فيها متشابهة، وأن الكلام فيها قد يكون متطابقا، ففي كل مؤتمر كان بند سماحة الإسلام عنواناً رئيسياً وكان موضوع الإسلام والغرب محوراً ثانياً، وتجديد الخطاب الديني عنواناً ثالثاً، وموقف الإسلام من التطرف والغلو قاسماً مشركاً أعظم، وحقيقة الجهاد المفتري عليه عنواناً آخر ورعاية الإسلام لحقوق الإنسان وللأقليات وللمرأة. هذه بدورها كانت عناوين مقررة، كل الكلام الذي قيل كنت مقتنعا به ومؤيداً له تماماً، - والكلام للأستاذ فهمي هويدي -  لكنني لم أكن سعيداً به علي الإطلاق. إذ فضلاً عن أني ظللت طول الوقت أرثي لحال المتحدثين فإن مشاعري إزاء ما سمعته منهم كانت خليطاً من الحنق والمهانة.. لماذا؟! أما رثائي لحال المتحدثين فناشئ عن اقتناعي بأنهم مسوقون لكي يقولوا نفس الكلام في كل مناسبة ، وأنهم مدركون أن هذا هو موسم الحديث في تلك الموضوعات بالذات، وان خطابهم هذا ليس موجهاً إلي الجمهور الجالس أمامهم ، فجميعهم لا يحتاجون مثلاً لمن يقنعهم بسماحة الإسلام (ناهيك عن غرابة الدعوة في الظروف الراهنة التي يتعرض فيها المسلمون للعدوان والسحق والإذلال، الأمر الذي يثير التساؤل عن الطرف المطالب بالتسامح : المجني عليهم أم الجناة) إنما الخطاب موجه إلي آذان أخري وخارج القاعات وخارج حدود البلاد .

 

ومن مظاهر هذه العلمانية اللاواعية :  فتاوى جهلانية يطلقها مفتون جاهلون يسترون جهلهم باختيار أقصى الآراء تشددا ، أو بالاحتماء بقاعدة الأحوط ، وما دروا أن لهذه القاعدة شروطا ، يصح العمل بها دون منازع عندما يكون الأخذ بها يسير الكلفة كاشتراط النية في الوضوء ، ولكنها تصبح موضع النزاع عندما تكون تكلفتها باهظة كالفتوى بالتطليق في واقعة مختلف فيها في بعض المذاهب المعتبرة

ومن ذلك مفتون متنطعون يقول الواحد منهم ليس المهم عندي هو المذهب ولكن الحديث النبوي الشريف  ، كأنما أصحاب المذاهب المعتمدة لم يكونوا قد سبقوه إلى  فقهها والأخذ بها والاعتماد عليها ، كما سبقوه في الإحاطة بالأدلة والتبحر في الأصول والانقطاع للعلم والاستغناء بالله ، والحصول من الأمة على القبول ، ومع ذلك فحقل الرماية ما يزال مفتوحا للمتسابقين ، لكن أنى بشيء من ذلك للمتكلفين وأني بشيء من ذلك للمتخطفين ، وأنى بشيء من ذلك لأسرى لقمة العيش، وأنى بشيء من ذلك لأسرى القبول من السلطان .

ومن ذلك ما رأيناه  على شاشة فضائية مستحدثة بتاريخ 16\11\2004 من فتوى قدمتها من انتسبت بالدكتوراه إلى الفقه ، عندما زعمت أن الزواج العرفي يعني الزنا ، وعندما قيل لها إن الزواج العرفي كان هو السائد في المجتمعات الإسلامية طوال القرون الفائتة إلى ما يقرب من مائة عام مضى ، قالت : إنها تقصد الزواج بغير ولي ، فلما قيل لها إن الأحناف يجيزونه للبالغ الراشد ، زعمت أن أبا حنيفة رجع عن رأيه هذا فيما بعد ، وهو جهل فاضح في جميع مراحله ، ما أشد جذل العلمانية به في نزع الثقة عن فقهاء الإسلام .

ومن ذلك ما رأيناه أخيرا على شاشة فضائية أخرى بتاريخ 7\12\2004 من تشنيع على الشريعة الإسلامية في إيقاعها الطلاق لمجرد تلفظ الرجل به ولو لم تعلم به الزوجة ، وما دروا أن ذلك لا يضر الزوجة في شيء وذلك لأن النظام القضائي في الإسلام يجري على نسق قانوني دقيق ، ولو لم يدركه السطحيون من المشاكسين في الندوات التليفزيونية التي لا تستهدف جلاء الحقيقة بقدر ما تستهدف الإثارة ، ويشترك فيها كل من هب ودب من محترفي الصراخ والتهويش ،  حيث تفرق الشريعة بين وقوع الحكم ديانة ووقوعه قضاء ، فالرجل حين يطلق دون الإفصاح عما قام به وقع طلاقه ديانة بمعنى أنه محاسب عليه أمام الله أدق الحساب ، ولكنه على مستوى التعامل الدنيوي لم يلحق بالزوجة ولا بالأسرة شئ في حكم الشرع ، دون حاجة إلى الخلط بين مذهب الشيعة في عدم وقوع الطلاق بمجرد التلفظ به إذ الطلاق عندهم معلق في الهواء ما لم يشهد به الشهود ، في حين أنهم لا يشترطون الشهود في الزواج   وبين اتفاق المذاهب الأربعة من أهل السنة على أن الطلاق ملك للرجل يقع بإيقاعه  ،. ولكل مذهبه واجتهاده الذي يحاسب عليه يوم القيامة بقدر ما أفرغ الوسع في الاجتهاد.

 

ومفتون يقومون بتوزيع صكوك الغفران بغير حساب أو يطلقون شعار : التيسير أو  حيثما توجد المصلحة توجد الشريعة ، أو تغير الفتوى بتغير الأعراف ، أو الوسطية المتطرفة ، أو الفقه الجديد ، أو الفقه الأوربي ، أو الفقه البريطاني ، أو الفقه الفرنسي أوالفقه الأسيوي !! أو سماحة الإسلام … بإطلاقات ما أحوجها إلى المبادرة إلى التقييد .

وهذا شيخ الأزهر قد روج للعلمانية ضمنا في موقفه من فرنسا وهي تمنع الحجاب ، ثم في ترويجه لمصطلح ( فحيثما تكون المصلحة يكون حكمها – أي الشريعة -  وحيثما تنتفي المصلحة ينتفي حكمها…)  وقد ناقشنا ما تفوه به في مقالين سابقين لنا بالشعب : أحدهما  بعنوان " الشيخ يبارك العلمانية بتاريخ 9\1\2004 ، وثانيهما بعنوان " المصلحة والشريعة " بتاريخ 4\6\2004

كما أن بعض شيوخ الأوقاف قد أجاز العلمانية صراحة بمنطق أنها بكسر العين تعني العلم ، وبفتحها تعني العالـَم وكلاهما مقبول إسلاميا !! ( في حديث بتليفزيون القاهرة بتاريخ 3\3 \ 2004)

 

وهذا علماني متسلح بأنواع العلمانية كلها يدخل بجرأته إلى حمى الفقه المستباح  فيروج لمصطلح " المصلحة " ناسبا إياه خطأ إلى الإمام البوصيري ، جاهلا نسبته إلى الطوفي ( من رجال القرن السابع الهجري ) الذي شبع من جرائه- ولخروجه على الإجماع -  نقدا وتجريحا من كبار العلماء والأئمة الكبار وصغارهم على السواء ، كما بينا في مقال سابق  بجريدة الشعب بتاريخ 4\6\2004     عن " المصلحة والشريعة بين شيخ الأزهر وجون بنتام " ، وفيما كتبناه في المقال السابق بعنوان " الحكم الشرعي ومشكلة تغير الأعراف والتقاليد " ، ولو رجعنا في إشارة سريعة إلى فقه حديث تأبير النخل لأدركنا أن لا دور لما يسمى المصلحة بالتغيير فيما يتصل بمقاصد الشريعة في حفظ الدين والعقل والنفس والعرض والمال ، أو فيما يتصل بقيمها وأحكامها الشرعية في المعاملات المتعلقة بالملكية وإحياء الأرض الموات مثلا ، ولها أن تقوم بدورها الإبداعي المشروط فيما يتصل بوسائل تطبيق هذه القيم والأحكام  حصرا ، وفقا لأحدث ما وصلت إليه التجربة فيما يتصل بأسلوب زراعة القمح أو الشعير ، وأسلوب الري بالغمر أو الري بالتنقيط ، أو اسلوب تنظيم المرور على يمين الشارع أو يساره مثلا . إلخ

وهذا فقيه يتورط بعلمانية لاواعية في تغطية مواقف الحكام أيا كانت بمقولة " لعل فيها مصلحة شرعية " لا نعرفها أو " درءا لمفسدة " لا نحس بها : هكذا بدون تحديد لشروط المصلحة الشرعية ، وبتعميم مطلق يحوم من بعيد فوق تصرفات هؤلاء الحكام  من شأنه أن يمنع من نقدها أو معارضتها أيا كانت  ، ويحول " العلماء المفتين التجميليين " إلى بوق لتبرير هذه التصرفات أيا كانت

وما ذا تريد العلمانية الصريحة أو النفاقية من مفتي الإسلام غير ذلك من أجل مصادرة حق الاجتهاد والرأي الآخر ، والنصح لله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكلمة حق تقال عند سلطان جائر؟  ثم تنهال المعاول على الفكر الإسلامي باعتباره حليفا للاستبداد ، وتكسب العلمانية في الحالين  ؟

أليست العلمانية بظاهرها وخباياها هي أم المشاكل وبيت الداء ؟

 

وهاهم جماعة من الباحثين  في السنة النبوية الشريفة برزت في العقود الأخيرة ترى أن منها ما هو للتشريع فيؤخذ به ، ومنها ما هو لغير التشريع فلا يؤخذ به ، وهذه مقولة بالغة الحساسية  ، لما لها من آثار وتداعيات  .

خصوصا وأن القضية بدأت أولا : بإخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب  من التشريع ، ثم انتهت إلى إخراج كل ما يتعلق بالمعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم وهذا ما ذهب إليه الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه " السنة والتشريع ص 46  .

ثم انتهت في كتابات بعض العلمانيين إلى الاكتفاء من السنة والقرآن جميعا بالمبادئ والقيم والأخلاق المتفق عليها كشأن الأديان الأخرى من مثل ما يقوله بعض الذين  أشرنا إليهم في بداية المقال، وقد ناقشنا هذه التوجهات في مقالنا السابق بعنوان " السنة كلها تشريع " بتاريخ 7\11\2003

 

وإنه لمن مظاهر هذه العلمانية اللاواعية  سكوت جامعة الأزهر على سفور طالباتها ، وأخيرا ما بدر منها  من دراسة اللغة العبرية والفارسية في كليات الشريعة بالأزهر باعتبار أن ( معظم تراثنا باللغة العبرية والفارسية ) كما جاء بجريدة آفاق عربية  بتاريخ 30\9\2004 في تصرح لمدير الجامعة ، وأغلب الظن أن الفارسية إنما جاءت للتغطية على شذوذ العبرية ، ولست أدرى ما الذي يحتاج إليه طلاب كليات الشريعة في تراثهم من العبرية قليلا كان أو كثيرا ، اللهم إلا أن نكون قد اكتشفنا في آخر الزمن أن الأئمة الأربعة كانوا من رواد التطبيع مع إسرائيل في رؤية مستقبلية كاشفة قبل عشرة قرون ، ولكنهم خبئوها خشية " الإرهاب " ، وقد آن الأوان في عصر " الحرية الأمريكية "  للتعرف عليها !.

 

ومن تجليات هذه العلمانية اللاواعية ما وجدناه من اجتهاد بعضهم بتحريم الجهاد بدعوى عدم جدواه مع عدو بالغ التفوق ، وأنها حرب غير متكافئة محرمة بقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فماذا عند هؤلاء في قوله تعالى ( هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بايدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) 52 التوبة . وقد رددنا على هؤلاء بمقالنا بجريدة الشعب بعنوان (الفتاوى التجميلية في مقاومة المقاومة ) بتاريخ (26\11\2004) وبموقع شهود http://www.shohood.net/main.aspبعنوان ( لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة في فتوى الشيخ العبيكان ) بتاريخ ( 16\12\2004 )

وماذا عند هؤلاء في  أن الآية إنما جاءت في سياق الكلام عن القتال والإنفاق في سبيله وبما يفيد أن التهلكة هي ما تأتي نتيجة ترك الإنفاق في  الجهاد والقتال ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) 195 البقرة كما فهمها الصحابة والتابعون والسلف الصالح والأئمة الذين تلقتهم الأمة بالقبول بغير شذوذ من جهة إسلامية أو فقهية ذات اعتبار .

ويتمسح بعض هؤلاء بلا جدوى المقاومة العراقية أمام القوة الجبارة لجيوش الاحتلال متجاهلين إنجازات هذه المقاومة في سحب عدد من دول التحالف بالفعل قواتها ، ( أسبانيا ) وتقرير عدد آخر عدد التمهيد لقواتها في العام القادم ، كبولندا والمجر وسنغافورة وأو كرانيا  وهاهي اليابان تتعرض لضغط شعبي لسحب قواتها وكانت الحكومة الهولندية ، التي تنشر قوات في منطقة السماوة ، قد قررت سحب قواتها من العراق بحلول مارس المقبل 2005 ، وهو ما يعقد من مهمة القوات اليابانية ، حيث كان الهولنديون يتولون حفظ الامن في المنطقة ، وهي المهمة التي سيتولاها جنود أمريكيون ، ما يهدد بتفجر الوضع ( المصدر موقع شهود.بتاريخ 24\11\2004 )

ألم يكن من المتوقع - لو حسنت النيات - بالنسبة للجدوى التي  أثمرتها هذه المقاومة وهي ما زالت في البداية  - - أن نذيع بكل ما لدينا من إمكانات ما أعلنته المقاومة العراقية من إنجازات ، لا أن نعتم عليها بكل ما لدينا من إمكانات ، وما هو البديل لبيانات المقاومة أليست هي الأكاذيب التاريخية لما يذيعه العدو من بيانات ؟

 

وبعد : ألم تكن الصورة  لتختلف في كل ما تقدم اختلافا جذريا لولا مسة من شيطان العلمانية الانطفائية – وكل العلمانية كذلك - وقد لبس فوق جلده رقاعا ممزقة  من ثوب الإنسانية  ؟

 

ألم تكن الصورة  لتختلف لو أن الإنسان المسلم قد تم شحنه بطاقة الإسلام – التي حرَّمها بعض العلمانيين الانطفائيين تظاهرا بالخوف  من إساءة الاستعمال – وقد كان قمينا به أن يصنع ما يشبه المعجزات التي صنعها أسلافه من قبل

منكم لله يا أولاد .. الشياطين .

هكذا بجهودكم المشئومة : طردتنا العلمانية الانطفائية من رحمة الله بدءا بتدبير من شيطان الجن

وهاهي تطردنا انتهاء بتدبير من شياطين الإنس

على مستوى الإنسان في الجنة

على مستوى الإنسان في الكون

على مستوى المسلم في الدولة

إنه لا خلاص  بغير التخلص من المشكلة ، ( وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ، وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ) الفرقان 30

ولا تخلص منها بغير يبان وتوعية وتفهيم وإقناع  وإن استغرق ذلك ما يستغرق من وقت ، تحت قاعدة ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) الكهف 29 ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فعميت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) 28 هود

أفحكم العلمانية يبغون ؟ ومن يملك أن يكره قلوبهم على الإسلام ؟ فلهم ما يشاءون : علمانية ذات ماء كالمهل يشوي الوجوه في الدنيا كما يشويها في الآخرة  ،  ولعنة ثم جحيما توعد الله به الكفار في الدنيا ثم في يوم القيامة ، ( وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة )  60 هود ( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ) 39 هود  ( إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ) الكهف 29  ،( ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ) 57 هود ، ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ، وارتقبوا إني معكم رقيب ) 93 هود ،( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ) 121-122 هود ، ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) 21 يوسف  ، وإنا لمنتظرون ، ، ولكن بعد بيان

أم حكم الله يريدون وبه يعملون ؟ ومن يملك أن يكره قلوبهم على العلمانية ؟ فلهم ماأرادوا ، خلاصا في الدنيا وخلاصا في يوم القيامة ، إن ربي قريب مجيب ، وإنا لمنتظرون ولكن بعد بيان .

هذا هو المنهج .

لابد من تصحيح نقطة البداية : المشكلة هي العلمانية ، وفي المقابل : الحل هو الإسلام بالضرورة .

ومن المنطق ألا يطرح الإسلام كحل إلا بعد التعريف بالمشكلة التي يأتي كحل لها ، وهو ما لم يتحقق بما فيه الكفاية بعد ، إذ المطلوب التعريف بها في جوهرها لا في تجلياتها الشيطانية في مزقها المتناثرة وإن جاءت المتناثرات كعلامات ، ذلك أن التوجه إلى المتناثرات من شأنه التشتيت في حركة الحل المطروح ، وما جاء الإسلام في بدايته إلا والمشكلة التي جاء للقضاء عليها مسورة في مشكلة جوهرية هي" الشرك بالله "  . تصدى للشرك بأنواعه : الظاهر والخفي المستعلن والمنافق ، ولكن من حيث كونه بأنواعه شركا ، وهنا لابد من المنهج نفسه بالنسبة للعلمانية ، العلمانية بأنواعها ومستوياتها وخفاياها وتجلياتها الممسوسة بمس الشيطان الرجيم ،   نجتهد في وصفها والتمثيل لها  ، ولكن من حيث كون الجميع علمانية

هذا هو المنهج .

لابد من الرجوع إلى الله في البدايات وهذا ما حالت العلمانية دونه باعتبارها نقطة البداية في مشروع النهضة الحديثة منذ ولاية محمد علي مرورا بخديوية إسماعيل ، وتنويرية لطفي السيد ، وزعامة سعد ، واستبدادية العسكر ، وسياسات أحزاب الزيف والتضليل ، وبدلا من استبعاد الدين في المشروع العلماني  وجب استبعاد العلمانية  في المشروع  الإسلامي ، هذه نقطة البداية كشرط للنجاح في النهاية  وإلا فهو الفشل الذي نستحقه والذي نتخبط في قاعه كسمكة محصورة مع الماء في إناء ، لا تقوت ولا تموت ، منذ أكثر من قرن ونصف على الأقل وهيهات ، هيهات الخروج – ما لم نغير منطلق المشروع -  مهما تخبطنا في مضايق الدعوة ، أو دهاليز الفتاوى ، أو مصاعب الاجتهاد أو مطالبة التيار الإسلامي بالبرامج

وكما يقول ابن عطاء الله السكندري ( من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات)

أما نحن فقد تخاصمنا مع الله في البدايات فلم يكن لنا غير السقوط في مهاوي الفشل في النهايات وإن طالت بنا السنون .

ويقول الشيخ أحمد زروق : ( والرجوع إلى الله يكون بثلاثة :

أولها : القيام بأوامر الله وينتج سلامة القلب من الندم والحسرة في الجميع ، وذلك من اعظم الفوائد

الثاني : التوكل على الله وينتج انجماع الحقيقة بين يدي الله فإن حصل عين المقصود كان زائدا على هذه الفوائد وإلا حصلت جوامع الخيرات ، والله أكرم من أن يقصده القاصدون ثم يخيبون

الثالث : التفويض إلى الله

وينتج في النهايات بالرضا عن الله سواء أعطى أو منع وهو رأس الفلاح:)

ولا ننسى أن القيام بأوامر الله لا يكون بغير الأخذ بالأسباب في البدايات ، وان الأخذ بالأسباب لا يكون بغير التفويض في النتائج .

قال في التنوير " وما أدخلك الله فيه تولى إعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه : " وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) الإسراء 80

قال ابن عطاء ( من أشرقت بدايته أشرقت نهايته )

ونقول : من أظلمت بدايته في البعد عن الله فهيهات هيهات أن تنير نهايته في القرب من الشيطان وهو هو العلمانية .

وهذا هو مصيرنا مع العلمانية تلك التي ذهبت في بلادها إلى مقبرة النظريات الفاشلة ، كما يقول " جون فول " أستاذ التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم في جامعة جورج تاون بواشنطن

ولذلك مقال قادم بإذن الله

والله أعلم