أزمة الحزب الوطني الحاكم في مصر وانتفاضة القضاة

 

 

 

بقلم : منتصر الزيات *

 

ثمة شئ يجرى في مصر  , وثمة حراك حقيقي ينساب شيئا فشيئا , ومصر هي أكبر دولة عربية  ومهد الحضارات كان من اللافت ألا تتأثر بما يجرى من حولها  , وأن يتراجع حجم الدور الذي تلعبه دولة بحجم مصر عربيا وأفريقيا ودوليا ورياضيا واقتصاديا بحيث غابت عن قضايا ومناطق وملفات ما كان لها أن تغيب عنها وأبرز ما يتداعى للذهن أن مصر غابت عن حل القضية الفلسطينية بالشكل اللائق الذي يتناسب مع أهمية الموضوع وأهمية أطرافه , وغابت عن أزمات السودان في الجنوب ودار فور , وقلت سابقا أن الصفر الذي حصلت على مصر في تنظيم مونديال كأس العالم عام 2010 وتراجعها بعد جنوب أفريقيا التي فازت بحق التنظيم والمغرب التي نافست إنما يعكس خلل الإدارة في مصر

ووسط حالة فوار تتجاذب  أطراف المعمورة من الشرق إلى الغرب حتى لم تعد تستثن أحدا فدول أوربية شرقية وأفريقية وأسيوية تتفاعل مع حقائق الكون والتطور , كان من الطبيعي أن تصل لمصر , وتعاظم الحديث عن الإصلاح السياسي وأصبح مثل كرة الثلج التي تكبر يوما بعد يوم فلم يعد من المناسب إغفال رؤيتها أو كيفية التعاطي معها

لكن الاعتقاد لدى كثيرين راسخا بأن حالة التعاطي الرسمي مع ملف الإصلاح في مصر لم  تبلغ حد سقف  أماني ورغبات المصريين  في صنع حياة سياسية وديمقراطية سليمة , لذلك قلت أن الأمر يتعلق بضرورة تعديل ثقافة النظام السياسي في شأن العمل السياسي والتنوع والتعددية , فالثقافة القائمة منذ يوليه 52 هي ثقافة الاستبداد والاحتكار والإقصاء لم تتغير ,  لأن بنية التعليم داخل آليات المؤسسات التي تمد النظام بأعمدته تقوم على تلقين الاستبداد , وعندما غير السادات في هذه التركيبة بتقنين المنابر السياسية التي تحولت إلى أحزاب فعل هذا بروح المستبد الذي مكن حزبه الذي أسسه من السلطة وكان امتدادا للاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي وجعل لشركاء النظام داخل تنظيمه الواحد من تأسيس منابر تحولت لأحزاب ترضى بما قسم لها . فولادة التنظيمات السياسية داخل منظومة العمل الحزبي كانت قيصرية ولم تكن طبيعية نتيجة تفاعل شعبي يفرز حجم الأحزاب ويعكس قدرتها الحقيقية على الامتداد الجماهيري , بينما كان هناك حرص بالغ على إقصاء التيار الإسلامي عن حلبة اللعبة السياسية

وعندما بدأ الحزب الوطني يتخذ خطوات في طريق الإصلاح اتخذها بذات الثقافة ثقافة الاستبداد والاحتكار والإقصاء

كانت إجراءات إلغاء محاكم أمن الدولة العليا صورية تخدم تابعين للنظام أكثر من كونها خطوة حقيقية في سبيل إنهاء المحاكم الاستثنائية , فبقيت محاكم أمن الدولة طوارئ التى يقدم إليها خصوم الحزب السياسيون وبقى حق رئيس الجمهورية في إحالة مواطنون مدنيون إلى المجالس العسكرية باتهامات سياسية ؟ بينما استفاد من إلغاء محاكم أمن الدولة العليا العادية الوزراء السابقون الذين يتهمون بجرائم الرشوة والفساد ونواب القروض الذين استلبوا المال العام

ثم كانت خطوة تعديل المادة 76 من الدستور بحيث تفتح المجال أمام تنافس في الترشح لمنصب الرئاسة وانتهت المناقشات والمداولات إلى تكريس حق مرشح الحزب الحاكم وحده دون غيره في الفوز  , ولم تكن النوايا خالصة في إحداث تعديل دستوري حقيقي وشغلونا شهورا في ترقب الضوابط التي تحكم عملية الترشح , ومنحونا فرصة أن نحلم طوال هذه الشهور الثلاثة من أجل تصور شكل المعركة في الانتخابات الرئاسية فتمخض الجبل على ضرورة حصول المرشح لمنصب الرئاسة على 250 عضوا من المجالس التشريعية والبلدية الخاضعة حتى النخاع لسيطرة الحزب الحاكم !! أي استخفاف بعقولنا ؟  وأي عبث بمقدرات الشعب . لقد استدرجونا في جدل عقيم وقضية خاسرة وأبعدونا عن القضية التي ينبغي أن نهتم بها فما قيمة تلك التعديلات في المادة 76 مع غياب الضمانات عن عملية الانتخابات التشريعية , المهم هو كسر احتكار الحزب الحاكم للسلطة عبر تحرير العملية الانتخابية  للبرلمان من الزيف والتزوير وتدخل الإدارة , لذلك كانت معركة نادى القضاة من أجل تعديل تشريعي وقانوني يحقق الضوابط اللازمة لكفالة إشراف قضائي حقيقي وكامل على الانتخابات البرلمانية والاستفتاءات الشعبية , وتلك معركة تقض مضجع النظام المصري

وما أرصن تلك التحركات الواعية لنادى القضاة  تلك تعكس نضجا طبيعيا في التصدي لعلاج قضية الوطن , كان استشعار القضاة بخطوات الإصلاح وتعديل المادة 76 قد خالطه هواجس كما أفضى نادى القضاة في بيانهم  " فقد بات على القضاة أن يتركوا محاربهم ويجلسوا بين الناس في القرى والنجوع ليشرفوا على ثلاث انتخابات مقبلة وهو اختبار شديد الوطأة لأمانة القضاء وكفاءته وثقة الناس في القضاء ورجاله هى قوام وحدة القضاء وقبول الناس الاحتكام إليه , ففى كل مرة يثار لغط حول نزاهة الانتخابات وسلامة إجراءاتها وصدق تعاملها , ولم يسلم القضاة من اللمز , إما اتهاما بالعجز أو طعنا في الحيدة فبعض اللجان تحاصر , فلا يصوت فيها أحد وغيرها يدخلها آلاف الناخبين بغير تدقيق  , ولأن الناس يعتقدون وبتأثير أجهزة الإعلام أن كل رؤساء اللجان قضاة , ولأنهم يسمعون أن كل قاض مستقل , مطمئن على كرسيه , آمن على مصيره , غير قادر على ردع أي انحراف يراه .

ولا يتصور أحد أن بعض رؤساء اللجان ليسوا من القضاة , كما لا يتصورون أن للقضاة رئاسات تختار لهذه اللجنة شخصا بذاته وتختار لتلك شخصية مغايرة وتفرض على أحدهم ألا يغادر مقر لجنته مهما شاهد خارجها وتطلب من أخر أن يتجاوز في التحقق من شخصية الناخب ويكتفى بتعرف رجال الإدارة عليه !! وغاية ما يستطيع شباب القضاة أن يحرروا محاضر لو أخذت بها محكمة النقض فلن يأبه لها مجلس الشعب ويسخط الناس ويصبون جام غضبهم على القضاة  " 

لذلك كانت معركة الإصلاح التي يخوضها نادة القضاة هي الفارقة في شأن مدى إمكانية تحقيق إصلاح حقيقيي في العملية الانتخابية في ثلاث انتخابات مهمة ستجرى في غضون الشهور المقبلة وهذه الضوابط هي التي تحقق إصلاحا حقيقيا يحمى مصر من الفتن ويزيد من ثقة المواطنين في الانتخابات

لكن كيف تعامل الحزب الوطني مع التجمعات الشعبية التي تخرج للمناداة بالإصلاح ؟ احتلت تجمعات للحزب والأجهزة الجامع الأزهر على مدى جمعتين سابقتين وربما الثالثة أمس أثناء كتابة هذا المقال ورفعوا صور الرئيس مبارد في صحن الجامع الأزهر  ومنعوا أنصار حزب العمل وغيرهم من التواجد وارتفعت الهتافات بالتمديد للرئيس مبارك , وحينما دعت حركة كفاية إلى مؤتمر صحفي عالمي في نقابة الصحفيين بوسط القاهرة احتلت جموع الحزب الوطني والأجهزة مداخل النقابة وسلمها الخارجي ورفعوا صور الرئيس مبارك وارتفعت الهتافات المطالبة بالتمديد  , أصبح الحزب الحاكم في أزمة حقيقية لكنه يعالجها بالهزل في موضع الجد

وتلك هي بداية النهاية 

 

-------------------------------

* عضو مجلس نقابة المحامين بمصر