عصر القضاة

وأربعة وجوه مصرية

هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

1 – أربعة وجوه مصرية

في يوم واحد، وهو يوم الجمعة 6 مايو 2005، أطلت علينا أربعة أنواع من الوجوه:

1 – الوجه الأول: هم وجوه أفراد جماعات الإخوان ومختلف التيار الإسلامي والوطني المتظاهرون، والمتأمل لمحياهم يجد صدقهم في سماهم – فهم فتية ورجال وكهول ونساء عفيفات أمنوا بربهم فزادهم الله عز وجل ثباتا وهديَّ – وخرجوا يعبرون عن بعض الآمال ويرفضون ظلما وجورا فاق الاحتمال.

2 – الوجه الثاني: هم وجوه بائسة لثلة من المساكين الأجراء الذين وجدوا رزقا في زمن الفقر والشح والبلاء، عشرون جنيها أو خمسة عشر (أقل من ثلاثة دولارات) للمشاركة ككومبارس في تمثيلية (مبايعة مبارك) بقيادة بعض (قيادات المحليات) الذين عملوا كمقاولي أنفار، وهؤلاء القيادات فاسدين نفعيين بشهادة أسيادهم وأرباب نعمتهم (شهادة زكريا عزمي بأن الفساد في المحليات للركب). ولا يمكن أن نلوم هؤلاء المأجورين لفقرهم وعوزهم .. وندعوا لهم بالهداية، لكن نذكرهم فقط بأن الحرة تموت ولا تأكل من ثدييها.

3 – الوجه الثالث: هم عيون (زجاجية) علي وجوه كالحة سمراء وسمات بائسة عجفاء – أطلق عليهم احد الظرفاء لقب (سلاحف النينجا) !!!! – أنهم رجالات الأمن المركزي – مخالب السلطة وأنيابها – وهم أكثر خلق الله بؤسا وشقاء – فهم من البسطاء واغلبهم من الجهلاء – لا شهادة ولا يحزنون فهكذا يُنتقون - غُسلت عقولهم في معسكرات التجنيد بحيث يقتل المرء أي عزيز بدون تفرقة أو تمييز إن طُُلب منه ذلك.  ثاروا ذات مرة لمرارة العيش وسوء المعاملة (عام 1986) – ولكن (الاحتياطي الإستراتيجي للسلطة) أجهضهم ووأدهم. وهم أيضا لا يُلامون .. فهم عبد المأمور، ونطمئنهم بأنه وبإذن الله سيغور – فمهما طال العسر فحتما سيأتي البسر.

4 – الوجه الرابع: وهم أهل الرواقان وراحة البال، الفئة الضحية من شبابنا (الروش الطحن) أو من العاطلين الضائعين – وهم ضحايا مساكين فمعظمهم من المغيبين، بسبب البانجو والمخدرات أو من سموم الكليبات وهم في ضحالة ثقافية وجهالة سياسية وفقدان تام للهوية -  وهؤلاء تجمعوا بعشرات الآلاف في مبارة كروية للتسلية وكنوع من المخدرات النفسية. فصيحات الغضب والمظاهرات نار وشياط في ميدان التحرير والعديد من المحافظات وهم في غيبوبة من صرخات التشجيع وصيحات الآهات. هؤلاء هم السلبيون الضائعون وللأسف أنهم في كل حال هم المنتفعون (!!!!!).

***************************

2 – ظاهرة أسمها (عادل إمام)

شيء طيب أن يتناول العاملون في مجال التمثيل السينمائي والتليفزيوني القضايا الوطنية والشئون السياسية كمواطنين لهم رؤى وأراء وهموم – ونخص بالذكر منهم الأخ الكريم عبد العزيز مخيون. أما الآفة فهي في اعتقاد البعض منهم أن شهرتهم أو أسماءهم السينمائية تكسبهم المعرفة بالتبعية ومن ثم حق لهم الإفتاء ووجب علينا الإصغاء حتي في السياسة والدين. أما الآفة الكبرى فهي أن يتجرد البعض منهم من جذورهم وأصولهم ويلتحفون بعباءة الطبقة أو الفئة الجديدة التي أتاحها لهم زخم التفاعل السياسي وأثره علي التكوين الاجتماعي.

والسيد عادل إمام هو مواطن مصري جيزاوي ومن جيران شيخ الحرافيش الولد الشقي (محمود السعدني)، والكل يعلم قصة كفاحه العظيمة من الستينات وخروجه من تصنيف الطبقات الكادحة شبة المعدمة إلي طبقة الأثرياء والوجهاء – وتلك الحالة أساسها في المقام الأول هو فضائل ثورة يوليو التي اتاحت التعليم الجامعي وتكافؤ الفرص لجميع طبقات الشعب.

ولكن من الظواهر العامة، والتي لا تخص السيد إمام وحده، هو تملص هؤلاء الصاعدين من قاع المجتمع من الانتماء لطبقاتهم الأصلية التي تشكل السواد الأعظم من شعب المحروسة ونسيان الآمها وهمومها وإعادة بلورة التفكير ليتواءم وطبقة الانتماء الجديدة.

وتحالفات السيد إمام مع السلطة الحاكمة قديمة، ولعل أبرزها هو ذهابه إلي أسيوط في صحبه (فيلق) من الأمن المركزي لتقديم مسرحية كوميدية في تظاهرة حكومية لإعلان التحدي ضد بعض فصائل الجماعات الإسلامية التي طالبت بإغلاق أماكن اللهو والمسخرة وتقنين أعمال التمثيل والتشخيص – وليس التحريم المطلق كما كانوا يدعون.

ولعلنا نتذكر العمل الفني للسيد عادل وهو (فيلم النوم في العسل – حسبما أتذكر) وتمثيله لمشكلة المواطن المصري المطحون الذي بلغت به الإعاقة حد (العجز الجنسي) – وأنهي السيد إمام فيلمه بمشهد مسيرة احتجاجية أما البرلمان يصرخ فيها (أأأأأأأه).

ولذا فقد كان غريبا أن تطل علينا الصحف بتصريحات نارية للسيد إمام وهو يشجب (المظاهرات) الحالية التي تجري في مصر لأنها وعلي حسب تعبيره (معادية للوطن ولا تحمي مصالحه)، ويردف كلامه، وهي أيضا محاولات من البعض (!!) لإظهار وجوده بطريقة غير صحيحة (!!!) وهي تناقض المنفعة الوطنية. ولم ينسي السيد إمام توجيه التحية لناظر الداخلية لسرعته في القبض علي الخلية الإرهابية – علما بأننا حتي الآن لا نعرف إن كانت خلية أم أعمال فردية بدائية أم مؤامرة دولية علي إستقرار حكومتنا السنية.

كما لا نعلم أيضا عن أي منفعة يتكلم السيد المحترم – منفعة طبقته الحالية أم منفعة طبقته الأصلية 0 عموما لا نجد ما نقوله للسيد المحترم سوي .. ليرحم الله والديك !!.

****************************

3 – عصر القضاة

لكل عصر رجاله الذين يتبوءون الصدارة لإدارة شئون البلاد وتحقيق مطالب العباد. ومن يسبح في محيط التاريخ الإنساني يجد أن مصر المحروسة نشأت كما نشأ الخلق أو بعبارة أكثر دقة، منذ حدود التأريخ ومعرفة التاريخ، إلا أنها حادت عن (المدنية الإنسانية) لظروفها الشخصية – والذي يتلخص في أجانب محتلين أو حكام معتلين.

وفي عصر الفراعين كان هناك، بجانب الفرعون،  فئة (الكهنة) وطبقة (الأمراء) الذين يغترفون كل ما يستطيعون أو يقدرون، وكان هناك أيضا فئة (العسكر القياديين) وهم في الأغلب من الأمراء – فإن لم يكن – فكانوا يُستأمرون (!!) لنزعهم من أصولهم ومنابت جذورهم وجعلهم ينتمون لطبقة (المنتفعين).

 

ومنذ سقوط الفرعونية رسميا في عام 334ق.م (والسقوط اصلا بدأ منذ عام 950 ق.م) – والطبقات النفعية المصرية أو المستمصرة تتوالي في كرنفالية سريالية يجمعها كلها صفة العمل في خدمات الاحتلال – فرس وإغريق وبطالمة ورومان وبيزنطيين وحتى عمال الخلافات الإسلامية والترك والفرنسيس والإنجليز .. إلي أخره، ولكن كان هناك ايضا (فئات) متزعمة المقاومة الوطنية، اختلفت طبيعتها باختلاف الزمان

ولكي لا نتوه في المقال – لنبدأ منذ بدايات القرن العشرين – وفيها كان المنتفعون هم العاملين في خدمات الإحتلال البريطاني (بدءا من العاهرات والقوادين المنتمين للمواخير وعلب الليل في الكيت كات وغيرها حتي الإقطاعيين وأصحاب المال والأعمال الذين ربطوا مصالحهم بمصالح الإحتلال)، هذا بالطبع إضافة للمنتمين لأسرة محمد علي من الأمراء والوجهاء – أما (زعماء الوطنيين) فكانوا من أصحاب الحجة والكلام الذين استغلوا (دعاوى الديموقراطية البريطانية المزيفة) في خلق مساحة من المقاومة والاعتراض والمطالبة بالاستقلال – فظهر لنا مصطفي كامل ومحمد فريد وسعد باشا زغلول ثم أخيرا النحاس. والملاحظ أن معظمهم كانوا من (الحقوقيين) النبلاء والقليل الباقي من الشعراء والأدباء،مع بعض الاستثناءات كطلعت باشا حرب.

وجاءت فئة (العسكر) مع ثورة يوليو وكانوا حتي 1967 هم رجالات العصر، ولما لا ؟ - فهم الدرع والسيف ضد الأخطار الإسرائيلية والأمل الوحيد لتحقيق الوحدة العربية.

وسقط (العسكر) مع شرخ يونيو 67 – فلقد قبلت الأمة تبريرات هزيمة 1956 العسكرية بتعويضات نتائجها السياسية – ولكن نكسة يونيو كانت إحباطا لآمالها ومهانة لا تغتفر لشعبها. ورغم هذا تشبث الشعب بقائده - لعلها (الكاريزما) الناصرية، لعلها العاطفة الشعبية، لعلها الاعتقاد بأنه خُدع كما خُدعنا، أو لعلها لعدم وجود البديل أو الزعيم المثيل (!!). وللحق يقال – فقد كان ناصر (رغم أخطاءه العديدة السابقة) محلا للثقة – فأعاد البناء السياسي والعسكري وقام بحرب الاستنزاف (حرب الثلاث سنوات 1967 – 1970).

وجاء السادات علي رأس فئة (العسكر) – رغم أن تاريخه العسكري مشكوك في صحته ومطعونا في نزاهته – فلعب بمطامع (العسكر) وفئة (الأوتوقراطية الحاكمة). فضرب شعراوي بعلي صبري، ثم ضرب الاثنين وخلق اوتوقراطية خاصة به (من أمثلتها السيد الوزير الشاذلي كمثال)، أما مع العسكر فضرب محمد فوزي بالليثي وصادق – ثم أخرج الليثي خارج البلاد حيث أنتحر في لغز كبير، وضرب صادق بالتعينات الموالية الجديدة في صفوف قيادات الجيش وعلي رأسهم الرئيس الحالي (مبارك)، وأخيرا ضرب الشاذلي بإسماعيل ونفيه خارج البلاد كسفير (!!).

وأمام النتائج الكارثية لحرب أكتوبر سقطت فئة (العسكر) وتخلقت فئة (رجالات المال والأعمال) والتي سرعان ما تحولت إلي (طبقة) أرستقراطية حاكمة جذبت نحوها الداعمين من (فئة العسكر) و فئة (الأوتوقراطيين) تحت مظلة الإستفادة والإفادة (!!). فالأولي للحماية والوقاية تحت مسمي (حماية الشرعية) والثانية لتوليف وتكييف قواعد إدارة الدولة وقوانينها بما يتفق ومصلحتها. واستمر الحال علي هذا المنوال إلي اليوم والحين (!!).

وجاءت حرب العراق – 2003 – واحتلاله وسوء مآله – لا لتظهر لنا محاسن الديموقراطية الغربية ولكن لتفضح لنا سوءاتنا السياسية – فالتفويض المطلق للحاكم الأوحد وفئته المختارة أظهر فداحة عواقبه وأثاره – فنحن كشعب هو المُصاب والمُبتلي الأوحد لسوء القرارات وفشل الإدارات – ونحن الذين نتجرع الهوان في بلداننا أما حكامنا فهم في الأمان حيثما كنزوا المال خارج الأوطان (!!!).

ولذا كانت أهم نتائج احتلال العراق هي: إننا نحن الذين نعاني في المقام الأول من عواقب سياسات الولاة والحكام – لذا فمن باب أولي أن ندير شئوننا بأنفسنا لنتحمل نتائج أعمالنا لا أعمال غيرنا. فلا يكون موتا وخراب ديار (!!) – هم يديرون ويستفيدون ونحن نأخذ الفتات (إن بقي الفتات) وإن أخطأوا يهربون ونحن الذين يعانون لأننا الباقون.

وظهرت المطالب الشعبية ولم تجهض بوحشية كسوابقها – خوفا من الرقابة الدولية (!) ودعاوي الديموقراطية.  ارتفعت أصوات الجماهير من حناجر نخبتها الوطنية التي ليس لها انتماءات حزبية (حركة كفاية) ومن أصحاب الخيار الإسلامي (العمل والإخوان) ومن العروبيين القوميين (الناصري) وحتي من الوفد الليبرالي الذي أكتشف أن العصبة الحالية ليست ليبرالية وإنما (دراكولية – نسبة إلي الكونت دراكولا)، ومن المهن النخبوية التي رفضت المهانة والإهانة (أساتذة الجامعات والقضاة الشرفاء) ومن العمال الذين أدركوا أن صروحهم قد تم نهبها ومطالبهم طناش ومصيرهم هو المبكر من المعاش بقروش قليلة لا توفر الأمان في زمن الوحوش والغيلان.

وأمام تعنت السلطة الحاكمة وتشبثها بمكاسبها الغير شرعية – لم يتبق لنا إلا الاحتكام لصرح العدل – صرح القانون الإنساني والأخلاقي – صرح القضاة.

هل سيكون هذا العصر هو عصر العدالة .. عصر القضاء ؟؟؟؟ - بإذن الله سيكون.

****************

4 - شرف الكاكي – الشرف العسكري

الكاكي هو ذلك اللون المميز لملابس الميدان القديمة للعسكر والتي تسمي الاُفارول، من الكلمة الإنجليزية (Overall)، ورغم تطور الزى عبر السنين إلي الزيتي والمموه وكذا بذات (الفُسح) والأجازات بألوانها المتعددة الأسود والكحلي والرمادي والأبيض والكاكي أيضا – إلا أن الكاكي ظل هو اللون المميز الذي يُكني به العسكر في بر مصر سواء أكانوا جيشا (قوات مسلحة) أو شرطة (الداخلية).

ورغم ثقل السنين علي كاهلنا إلا أن كلمات قادتنا ورؤساءنا ومدرسينا ومعلمينا، أثناء تشرفنا بأداء الخدمة العسكرية منذ عقود طويلة مضت، ما زالت تدوي في آذاننا محفورة في وجداننا.... أحترم الكاكي !!. أي إحترم زيّك العسكري الذي يمثل شرف العسكرية.

واحترام الكاكي كان يتمثل في عدم الإتيان بعمل يخل بالمظهر العسكري، والإلتزام بالمبادئ العسكرية ذات طابع الشهامة والشرف والفروسية – تماما كالأخلاقيات العربية القديمة وأخلاقيات الفرسان التي تتناقلها أساطير القرون الوسطي - فلا تجلس علي مقهى وأنت مرتديه ولا تحمل بطيخة وحزمتين جرجير ولا تتشاجر مع من هو اضعف منك قوة ولا تفتري علي من هو أقل منك شئنا وقم للعجوز أو السيدة (الوقور) في الأتوبيس العام بدون كلام ولبي طلب المستغيث وساعد السائل والمحتاج – فأنت (رمز) ومثال للفارس النبيل الحامي وليس للسافل الدنيء الحرامي.

وكم من دماء مصرية طاهرة تخضب بها هذا الكاكي المحظوظ – نذكر بعضها - أمثلة ورمزا وليس سردا وحصرا – في حرب ثمانية وأربعين هناك أبو الفدائيين (البطل أحمد عبد العزيز) وهناك أفراد السرية العسكرية في أبو عجيلة، وهناك قوة (شرطة) الإسماعيلية الذين حاربوا المركبات والمدافع البريطانية ببنادقهم اليدوية (لي- أنفيلد) في عام 1952، وأثروا القتال والاستشهاد علي التسليم المهين، وفي ستة وخمسين وسبعة وستين هناك الآلاف من الجنود البسطاء الذين (تغسلوا) بعرقهم ودمائهم و(تكفنوا) في أفارولتهم وامتصتهم رمال سيناء في جوفها لتحنو عليهم بين أحشائها وليكونوا في أمان واطمئنان بعيدا عن مواخير سيناء المنتشرة الآن – وهناك شهداء سرية الصاعقة الذين أوقفوا الزحف الإسرائيلي في يونيو 1967 في رأس العش – وهناك البطل (عبد المنعم رياض) رئيس الأركان الذي أستشهد في أفاروله القتالي ذي اللون الكاكي في خندق علي جبهة القنال في عام 1968 – وهناك البواسل من صاعقة شدوان الذين أبادوا قوة الإنزال الإسرائيلية أثناء الاستنزاف – وهناك أبطال أكتوبر البواسل الذين سرقت القيادة السياسية دماءهم الطاهرة – وأخيرا وليس أخرا .. هناك الجندي المُجند (سليمان خاطر) الذي أبي شرفه العسكري أن يقف مكتوف الأيدي أمام حفنة قذرة من عاهرات يهوديات جئن للسخرية منه أو من مصريته وجنديته وهو واقف في خدمته علي أحد المواقع السياحية في سيناء.

وسبحان الله مُغير الأحوال – فدوام الحال من المحال – فقد تحول (الكاكي) من رمز الحماية والأمان إلي رمز البطش للسلطان (!!)، فرأينا الكاكي يُستدعي من جبهة القنال لقمع (إنتفاضة) يناير 1977 أيام الفريق (الجمسي) – ذلك الفريق المغوار الذي لم يملك إلا (البكاء) أمام مذبحة تنازلات كامب ديفيد وأدخر شجاعته وبسالته لقمع شعبه المصري الذي أنجبه (!!). خسر الجمسي تاريخه العسكري – ولن يذكر له التاريخ سوي عويله وبكاءه علي تنازلات كامب ديفيد – وقمعه لأهله الذين هبوا وانتفضوا طلبا لرغيف الخبز (في ثورة الجياع 1977).

 ورأينا كاكي الشرطة ينقض علي مظاهرات طلاب الجامعات في مختلف المناسبات ويضرب (أولادنا وبناتنا)  بالهراوة وبالبيادة (بالشلوت) في أماكن حساسة وبالرصاص المطاطي وقنابل الدخان. يضربون بوحشية وقوة عفية لم تكن موجودة يوم أن هربوا كالفئران والجرذان أمام دورية عسكرية إسرائيلية علي الحدود الشرقية (بعد مقتل ثلاث أفراد منهم) !!.

ولعل اللون الكاكي قد ساءه أن يكون مرتديه، ليس كما يقال في الأمثال (أسد عليّ وفي الحروب نعامة) ولكن أن يكونوا (دوبرمانات أنذال علي شعوبهم – فئرانا جرذانا أمام أعدائهم)أو لعلهم دُربوا ولُقنوا علي أن (العدو الإستراتيجي) قد رحل من شرق البلاد وتنكر في شخوص العباد (!!) – فأبي أن يستمر معهم فغيروه بملابس تنكرية يسمونها مدنية وهجموا كقطعان كاسرة علي البيوت الآمنة – يعتقلون من يشاءون ويهينون من يرغبون ويرتكبون (الفاحشة) واللوطية السادية فيمن يشتهون، ومن يجرؤ علي الاعتراض من الرعية فليس له ثمن أو دية في شريعة الحكومة المصرية.

والفضيحة الكبرى تجلت لنا في حادثة احتوت علي أسمين مترادفين في حادثة القتل الأخيرة بمدينة طلخا (دقهلية). قوى الأمن بقيادة مقدم يدعي (جمال اللوزي) تقتل المواطن (طارق طه مهدي غنام) الذي يبلغ من العمر (38 عاما) ويعمل مدرسا للغة الإنجليزية – وشيعت الجنازة من مسجد (الغنام) في صحبة (عشرة الآف مُشيع).

وكانت الفضيحة في الاستخدام المفرط للقوة (قنابل خانقة مسيلة للدموع بكثافة) والرصاص المطاطي والهروات الثقيلة – وفوق هذا كله – احتجاز المتظاهرين في مكان ضيق لا يملكون منه فرارا – ومنع استقدام سيارة إسعاف – أما الفُجر والعهر والوحشية – وهو درجة أدني من الفضيحة – فجاءت في اعتقال احد المواطنين وهو طبيب حاول معالجة الشهيد (طارق غنام) – تمهيدا لتلقينه الشهادة أو قتله هو أيضا بلا شهادة (!!).

مقدم – أي بكباشي – وكم من الشرفاء الأجلاء حملوا تلك الرتبة – فهي بيان لضابط (عظيم) في السلك العسكري – ولكن العظمة أو الشرف العسكري براء من هذا القتل الوحشي المتعمد – قتل الضعيف الأعزل وبدون وجه حق سوي قوله حسبي الله.

اللوزي – طه مهدي الغنام – أسماء جاءت مصادفة ولكن لها عميق الدلالات في قضية المواطنة والهوية المصرية !!!!!!!!!.، وليطمئن هذا (اللوزي)، ولتطمئن روح الشهيد (طارق غنام) – فإن غدا لناظره قريب – وما الغد عنا ببعيد، وإنا لله وإنا إليه لراجعون.

**************************

5 – فخامة الرئيس عصام العريان

تقوم قناة الجزيرة الفضائية بإجراء استطلاع للرأي علي موقعها(1)، في الفترة من 9 مايو إلي 12 مايو، لاختيار رئيس جمهورية مصر العربية – ووضعت أسماء لها مغزاها ودلالاتها وهم السيد حسني مبارك (كممثل للسلطة الحاكمة الحالية) والأخ الكريم عصام العريان (كممثل للخيار الإسلامي) والسيد أيمن نور (كممثل لليبرالية الجديدة والتي تحظي بنوع من الدعم الغربي)، كما وضعت خيارا رابعا لمن لا يريد هؤلاء الثلاث تحت مسمي (أخر).

وأظهرت النتائج إقبالا غير مسبوقا للمصوتين لمثل هذا النوع من الاستطلاعات التي يعتبرها العديد في العادة (فنظازية) أكثر منها عملية ولكن في هذه الحالة أخذوها بجدية – وكانت النتائج حتي ظهر الأربعاء 11 مايو هي كالآتي:

إجمالي المصوتين = 40.672 صوتا (وهو عدد غير مسبوق).

الأول هو فخامة الرئيس (عصام العريان)، بعدد أصوات 19.139 وبنسبة 47.1%

الثاني هو السيد (حسني مبارك)، بعدد أصوات 6.522 وبنسبة 16%

الثالث هو السيد (أيمن نور)، بعدد أصوات 5.099 وبنسبة 12.5%

وجاءت أعداد الأصوات الذين لا يريدون هؤلاء الثلاث 9.912 صوتا بنسبة 24.4%.

وحصول التيار الإسلامي، ممثلا في شخصية عصام العريان، علي النسبة الأولي وبثلاثة أضعاف النسبة التي حصل عليها الرئيس الحالي للبلاد تؤكد العودة المحمودة إلي (المرجعية) الصحيحة – وهو الأمر الطبيعي والتصرف الفطري - تماما كالعودة إلي حضن الأم الحنون.

 

وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية

 (1) http://www.aljazeera.net