أردوغان يسترضي الأمريكان من خلال الإسرائيليين
بقلم :ياسر
الزعاترة
لم نكن بحاجة إلى
كثير من الذكاء لندرك أن الهجمة العاتية التي شنها رئيس هيئة الأركان في الجيش
التركي، ومعه عدد من رموز الدولة التركية على أردوغان، هي في جزء منها استغلال من
طرف العسكر للعلاقة المضطربة بينه وبين الولايات المتحدة، إذا لم نذهب أبعد من ذلك
في تفسير الموقف بوصفه قد جاء تبعاً لإشارة من واشنطن للعسكر بضرورة ليّ ذراع
الرجل من أجل تذكيره بأن الحماية الأمريكية هي التي منحته الحصانة أكثر من أي شيء
آخر.
من المؤكد أن العسكر
كانوا بحاجة إلى فرصة من هذا النوع كي يعودوا إلى الساحة التي بدا أن أردوغان قد
عزم على إخراجهم منها بالتدريج، لكن الظروف الموضوعية العامة لم تكن تسمح بنقلة من
هذا النوع فزعيم العدالة والتنمية لا زال يحظى بشعبية واسعة في الشارع التركي لم
يحظ بمثلها أي رئيس وزراء خلال العقود الأخيرة. وهي شعبية جاءت تبعاً لإنجازات
مشهودة؛ تحديداً على الصعيد الاقتصادي، فضلاً عن مسألة الحريات المدنية ومشروع
دخول الاتحاد الأوروبي.
وكان شيخ العسكر
التركي قد ضمن خطابه السنوي هجوماً شرساً على مقولة إن تركيا دولة إسلامية أو حتى
دولة مسلمة، لأنها بحسب رأيه «علمانية فقط، ولا يجوز لأحد إطلاقاً أن يعتبرها
نموذجاً للإسلام الإيجابي»، وهو الهجوم الذي أدرك المراقبون أن أردوغان هو المعني
به أكثر من أي طرف آخر.
ما نريد قوله هو أن
الظرف الموضوعي الجديد من حيث تراجع حماسة الأوروبيين لإدخال تركيا في اتحادهم
والعلاقة المضطربة مع واشنطن بسبب مواقف أردوغان من الملف العراقي والعلاقة مع
سوريا وإيران، ومن ثم العلاقة مع تل أبيب، كل ذلك كان كافياً لكي يوفر للعسكر فرصة
استثنائية للهجوم الجديد عليه بعدما نجح في دفعهم أكثر من خطوة إلى الوراء، لا
سيما بتعيين سكرتير مدني للمرة الأولى في مجلس الأمن القومي الذي يهيمنون عليه،
وإن بقي الرجل خاضعاً لرقابتهم في الملفات الحساسة وذات الصلة بقضية الإسلام
والعلمانية مثل الحجاب والمدارس الدينية ووجود الضباط المتدينين في الجيش.
من الواضح أن أردوغان
قد أدرك حساسية موقفه، ليس مؤخراً فحسب، بل قبل ذلك، بل إن زيارة وزير خارجيته عبد
الله غول إلى تل أبيب قبل ثلاثة اشهر لا يمكن إلا أن تكون جزءاً من حملته
الدبلوماسية لمنح اللعبة بعض التوازن بعد مواقفه المرفوضة أمريكياً في الملف
العراقي وتلك المتعلقة بالاحتلال الإسرائيلي، لكنها في واقع الحال لم تكن كافية
إلا لترميم العلاقة مع شارون الذي بدا مستاءً من تصريحاته التي تكررت أكثر من مرة
عن إرهاب الدولة إثر اغتيال الشيخ ياسين وعبد العزيز الرنتيسي.
مؤخراً، وربما قبل
خطاب حلمي أوزكوك، رئيس هيئة الأركان، أدرك أردوغان أكثر من ذي قبل حساسية موقفه،
فما كان منه، وهو الذي يدرك معادلة القلب الإسرائيلي النابض لأمريكا بوش، لم يكن
منه سوى الاتصال شخصياً بشارون منتصف الشهر الماضي طالباً الزيارة.
جاء أردوغان إلى تل
أبيب ومعه جيش من السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال يتكون من مئتي شخص، على أمل
أن تشكل الزيارة نقلة جديدة في العلاقة مع واشنطن بعد رحلة التأزم الماضية، مع أن
العلاقة الذكورة لم تكن موضع اضطراب إلا في جانبها السياسي، أما في الجانبين
العسكري والتجاري فكانت على خير ما يرام، إذ سجل التبادل التجاري بين البلدين
صعوداً من (1.2) مليار دولار في العام 2003 إلى ملياري دولار في العام 2004.
لا خلاف على أن رمزية
الزيارة، وحيث يحل زعيم إسلامي كبير ذو خلفية أصولية ضيفاً على شارون، فضلاً عن
الصفقات التي رافقتها، ومن أهمها صفقة صيانة تطوير طائرات إف 4، وقيمتها 500 مليون
دولار، وشراء طائرات من دون طيار وقيمتها 200 مليون دولار، ومعها تعريض بنوايا
إيران النووية، لا خلاف على أن ذلك كله سيترك آثاره على العلاقة مع تل أبيب وتبعاً
لذلك مع واشنطن، لكن ذلك لن يكون كافياً فالمساعدة في الملف العراقي تعتبر أساسية
بالنسبة للطرفين الإسرائيلي والأمريكي، وعلى أردوغان أن يقدم الكثير على هذا
الصعيد، معطوفاً على ما قدمه قبل ذلك عبر تجديد اتفاقية استخدام الأمريكان لقاعد «إنجيرليك»
التركية، ومعها صفقة بمليار وخُمس المليار دولار لتحديث 117 طائرة إف -16.
من الصعب الحديث بشكل
حاسم عن الآليات التي سيتبعها أردوغان من أجل إعادة لملمة الموقف بعد هجمة العسكر
التابعة للغضب الأمريكي، لكن زيارته لتل أبيب تؤشر على طبيعة الرؤية التي تحركه،
والتي لا تختلف عن سلوك النظام العربي عندما يهدده الأمريكان بسيف الإصلاح، مع
فارق أن تهديد أردوغان يكون بسيف العسكر!!
تلك هي أمريكا التي
يحسن بعض قومنا الظن بها فيعتقدون أنها جادة في فرض الإصلاح على العالم العربي
والإسلامي. ويتناسون ليبيا وما جرى لها بعد تحولاتها الأخيرة، كما يتناسون
دكتاتورية مشرف في باكستان، وكيف يتصرف الأمريكيون حيالها؟
خلاصة القول هي أن
أردوغان اليوم قد قرر الذهاب في الاتجاه الذي يحميه من سطوة العسكر، ليس داخلياً
من خلال تجنب الصدام معهم في سياق التعامل معهم في الملف الإسلامي فحسب، بل
وخارجياً أيضاً من خلال الملف المتعلق بعلاقات تركيا الخارجية، وتحديداً فيما يتصل
بالعلاقة مع واشنطن وتل أبيب.
لكن الإشكالية التي
تواجهها هذه السياسة هي ما تنطوي عليه من تأثيرات سلبية على مصداقية أردوغان
الداخلية، وتبعاً لذلك تأثيرها على قدرته على مواجهة العسكر، ذلك أن شعبيته
الواسعة في الداخل هي العاصم بعد الله من انقلاب العسكر عليه، وإذا فقدها فلن
يرحموه، لأنهم بكل بساطة لن يحتملوا زعيماً كاريزمياً ذي خلفية إسلامية يسحب
البساط من تحت أرجلهم وهم يتفرجون.