قضاء مصر و حسامه القاطع..

 

 

 

بقلم :راشد عمار    

 

فى وسط جلبة الأحداث، و نيران الشوارع المشتعلة، و صدام كسر العظم الحاصل بين نظام يحارب معركته الأخيرة و قوى وطنية مخلصة تحاول إنتزاع حرية الشعب من بين براثن الطغاة.. وسط هذا كله لم تتم التغطية الإعلامية المناسبة لمعركة أخرى تجرى أحداثها فى الظل.. ربما يكون هذا بسبب طبيعة الطرف المحارب الذى يتميز بالوقار و الهدوء و رصانة الكلمة، مما تسبب فى الإيحاء للبعض ببرودة تلك المعركة أو إنخفاض ترتيبها فى الأهمية مقارنة بأحداث القمع و التنكيل الوحشى و سفك الدماء التى تجرى أحداثها فى الشوارع.. و لكن نراها غير ذلك..

معركة قضاة مصر مع النظام معركة فاصلة.. و نستطيع أن نقول أنها تقطع أكثر من نصف المسافة فى سبيل تحقيق أهداف الأحرار فى هذا الوطن ( من غير التهوين من تضحيات الآخرين و سعيهم المخلص).

تعرض قضاء مصر أثناء إنتخابات عام 2000 لخدعة كبرى من النظام.. فقد حكمت المحكمة الدستورية العليا بضرورة إشراف القضاء إشرافا كاملا على الإنتخابات، و إستبشر الشعب خيرا.. فلأول مرة فى تاريخ هذا النظام لن يتم التزوير.. فالقضاء لا يزور و لا يغش. و لكن النظام كان قد أعد عدته، و دبر مؤامرته الدنيئة بالتلاعب فى كشوف الناخبين و إصدار عشرات الآلاف من بطاقات الإنتخاب المزورة لعملائه الذين ذهبوا يصوتون فى عشرات اللجان.. و حاصر الأمن اللجان من الخارج و منع وصول الناخبين.. و قيل للقضاة أنتم أسياد لجانكم الإنتخابية فافعلوا ما شئتم داخل جدرانها و لكن ليس لكم شأن بما هو خارجها.. و تم التزوير و جاءت النتائج كما يشتهى النظام الذى خرج ليعلن أمام العالم كله فوزه فى الإنتخابات التى أشرف عليها القضاء إشرافا كاملا..

منهى الخسة و النذالة و السقوط فى مستنقع الكذب و الغش.. كانت القصة تدور بين رجل عربيد فاجر كذاب غادر جبان و بين رجل صالح طاهر يجهل الاعيب الشياطين و حيلهم القذرة..

و ها هى الكرة تعود مرة أخرة.. و بينما نسى النظام- بسبب عمى البصر و البصيرة و إحتقاره الشديد للناس- ما كان منه ، و ظن أن الأمور سوف تسير كما كانت دائما.. كان رجال قضاء مصر الشرفاء يقسمون أن لا يحدث هذا مرة أخرى ، و أن لا ينسب إليهم تزوير إرادة الأمة مهما كان..

قدم القضاة مشروع قانون إستقلال القضاء الذى يرفضه النظام منذ عشرة سنوات و طالبوا بإشراف كامل على الإنتخابات بدءا من إعداد جداول الناخبين و حتى الإشراف على خارج اللجان بواسطة شرطة قضائية تأتمر بأمرهم..

راوغ النظام و سوف و أجل محاولا شق صفوف القضاة، و كان الرد حاسما .. إذا إستمر التسويف و الـتأجيل فسوف نمتنع عن الإشراف على الإنتخابات.. و لأن النظام لا يجيد إلا اللعب القذر و لا يفهم سوى لغة الرشوة و الإبتزاز فقد أرسل أحد أساطين النفاق و كبار حملة المباخر ليفاوض فى السر طيب الذكر رئيس نادة قضاة الأسكندرية المستشار محمود الخضيرى، و يطلب منه – بئس الوقاحة- أن لا يصروا على موضوع الإشراف الكامل حتى لا تصل قوى متطرفة كالإخوان المسلمين إلى الحكم.. أى يطلب منه صراحة المساعدة فى تزوير الإنتخابات القادمة.. و كان أن تلقى حكما فوريا واجب النفاذ بطرده فورا فانصرف يعدوا إلى سيده يعوى و يولول..

عند هذه النقطة، لا يتبقى سوى إحتمالين إثنين لا ثالث لهما :

الإحتمال الأول .. أن يرضخ النظام لمطالب القضاة المشروعة و يقر لهم مشروعهم للاستقلال و يوافق على طلبهم بالإشراف الكامل على الإنتخابات الرئاسية و التشريعية.. و فى هذه الحالة فقد ينجح رأس النظام فى الإنتخابات الرئاسية خاصة و انه بعد تعديلات المادة 76 لم يعد هناك مرشحا غيره .. أما الإنتخابات التشريعية فتظل مرشحة لقلب الامور راسا على عقب.. و أقل ما يمكن تصوره هو فقدان حزب السلطة لأغلبية الثلثين التى تمكنه من تمرير ما يشاء من قوانين.. إن لم يكن فقدان الأغلبية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة تنتهى فيها هيمنة النظام الفاسد و تبدأ فيها عملية تداول السلطة..

الإحتمال الثانى.. و هو الأرجح.. أن يرفض النظام بغبائه المعهود و سيطرة قوى الأمن على مفاصل صنع القرار فيه، مطالب القضاة جملة و تفصيلا و يبدأ فى محاولة الإلتفاف لشق صفوفهم .. ليرد القضاة بمحاولة التكتل و إتخاذ قرار نهائى بعدم الإشراف على الإنتخابات فى ظل غياب ضمانات النزاهة.. و بحماقة العناد-الصلب أمام أبناء الوطن، المنعدم أمام الأعداء- يرد النظام بإجراء الإنتخابات بإشراف منقوص..

إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد فإن البلاد تكون على أعتاب مرحلة خطيرة، تكون فيها عورة النظام قد إنكشفت أمام العالم كله، و تستطيع أى جهة فى الخارج أو الداخل الطعن فى شرعية النظام القادم بالتزوير ، لتدخل البلاد فى متاهة واسعة من الإحتمالات المفتوحة.. و لا يدر أحد فى ذاك الوقت على أى شاطئ سوف ترسو سفينة الوطن الجانحة..

 

كثيرة هى تلك الطعنات التى تنهال على هذا الجسد المتهالك الذى ينهشه المرض.. و لكن ضربة قضاء مصر بحسامه على رأسه.. نحسبها القاضية...