انقلاب الاخوان في مصر

 

 

 

بقلم :عبد الباري عطوان

 

بعد زيارة الرئيس الراحل انور السادات الي القدس المحتلة، وتوقيعه اتفاقات كامب ديفيد، اجريت حوارا صحافيا مع الشيخ عمر التلمساني زعيم حركة الاخوان المسلمين بالنيابة، اثناء حضوره الي العاصمة البريطانية للمشاركة في احدي الندوات الاسلامية.

حاولت في الحوار ان استدرج الشيخ التلمساني لادانة الرئيس السادات بالعبارات التي يستحق، بحكم الصدمة التي احدثها في الوجدان العربي، بعد اختراقه كل الخطوط الحمراء، بل القانية الاحمرار، ولكن الشيخ التلمساني، رحمه الله، تجنب الاجابة علي اسئلتي المستفزة، ولم يوجه كلمة نقد للنظام المصري بحجة انه لا ينتقد النظام من خارج مصر.

الشيخ التلمساني ادرك حجم احباطي، وتعاطف مع موقفي الرافض بعنف لكل سياسات السادات في ذلك الوقت وما أزال، وقال لي: اغلق جهاز التسجيل يا ابني.. اريد ان اقول لك شيئا خارج النص.. نحن في حركة الاخوان قررنا ان لا نصطدم بالنظام في الوقت الراهن، لان هذا الصدام ليس في مصلحتنا، لانه الاقوي، والحفاظ علي الحركة هدف استراتيجي، وسنركز علي الدعوة وتربية الشارع تربية اسلامية حقة، وعندما نشعر ان الحركة قادرة علي المواجهة لن نتردد في ذلك لحظة، وستري ذلك في عمرك وليس في عمري.

تذكرت هذا الحوار مع الشيخ التلمساني عندما شاهدت حركة الاخوان تخرج عن سياسة ضبط النفس التي تحلت بها علي مدي الاربعين عاما الماضية، وتنزل الي الشارع في مظاهرات صاخبة انطلقت في اكثر من عشر محافظات مصرية. وظل السؤال الذي يلح في ذهني هو حول اسباب هذا التحول الاستثنائي. فهل اصبحت الحركة في موقع قوة يؤهلها للصدام مع النظام، وهل الشارع المصري نضج للثورة والتغيير، وهل النظام بات علي درجة من الضعف بحيث ينهار في حال حدوث مثل هذه المواجهة؟

لا يختلف اثنان علي ان حركة الاخوان المسلمين هي الاقوي والاكثر تنظيما وتغلغلا في الشارع المصري، بل في اي شارع عربي آخر، لانها كانت الاذكي، والاطول نفسا، والابعد بصرا ورؤية بالمقارنة مع معظم الحركات السياسية الاخري، وخاصة حركة القوميين العرب التي تحالفت، او حسبت، او استغلت من قبل انظمة ثورية في دول المركز العربية، وبعض الاطراف، وهي انظمة بزت الجميع في دكتاتوريتها وفشلها السياسي والاقتصادي، وانتهاكاتها لحقوق الانسان. وتعمل حاليا علي توريث هذا التراث القمعي الفاسد لابنائها.

ولكن ما يختلف عليه وحوله الكثيرون هو مواقف الحركة المستعصية علي الفهم قبل الانقلاب الاخير في موقفها. فقد ابتعدت الحركة عن الاحزاب المصرية الاخري، ورفضت التنسيق مع معظمها، وانحازت الي النظام في رفضه اجراء اي تعديل للدستور، بل وايدت الاستفتاء علي ولاية خامسة للرئيس مبارك، ولم تعارض عملية توريث نجله جمال بالقوة المتوقعة منها؟!

الارجح ان هناك عدة اسباب تقف خلف هذا التغيير المفاجئ والسريع في سياسة حركة الاخوان، نوجزها في النقاط التالية:

اولا: وجود جناح شاب في الحركة بدأ يتمرد علي الحرس القديم، ويفرض وجهة نظره، وهذا الجناح يحبذ نزول الحركة الي الشارع والخروج من شرنقتها، والا ستفقد الكثير من قواعدها.

ثانيا: ظهور حركة كفاية ونزولها الي الشارع، واكتسابها تأييدا كبيرا في اوساط المواطنين، واستقطابها مجموعة من السياسيين الكبار من مختلف التيارات، وخاصة الاخوان، مثل ابو العلا ماضي، زعيم حزب الوسط. وحمدين صباحي عضو مجلس الشعب عن حزب الكرامة الناصري. فالحركة كانت الوحيدة تقريبا التي طالبت بسقوط النظام وعارضت التوريث بقوة.

ثالثا: سحب الغطاء الامريكي، ولو جزئيا عن النظام، بعد استنفاد اغراضه وانتهاء دوره، وليس لاسباب وطنية، فاللافت ان الرئيس مبارك لم يدع هذا العام لواشنطن مثلما جرت العادة. كما ان كوندوليسا رايس ألغت زيارتها للقاهرة بسبب اعتقال ايمن نور زعيم حزب الغد، فواشنطن باتت تدرك ان النظام بات يشكل عبئا امنيا واستراتيجيا عليها لفساده وجموده، ولانه يقود مصر الي الانفجار، ويهيئ المناخ، دون قصد لاتساع دائرة التطرف.

رابعا: ادركت حركة الاخوان ان النظام بات ضعيفا للغاية، وان انهياره بات مسألة وقت وتوقيت، ولذلك قررت ان تنزل الي الشارع، وتبدأ المواجهة، وطرح نفسها كبديل، خاصة ان واشنطن لم تعد تخشي التعامل مع الجماعات الاسلامية المعتدلة مثلما كان عليه الحال في السابق.

خامسا: الشارع المصري بات يدفع باتجاه التغيير، ووصل الي درجة من الاحتقان بحيث بات الانفجار ينتظر عود الثقاب. فالفقر في ازدياد والغالبية الساحقة من المصريين تعيش علي ما قيمته اقل من دولار في اليوم. والانفتاح الاقتصادي صب في مصلحة فئة محدودة جدا من المصريين يعيشون في جزر منعزلة عن بقية الشعب.

الحكومة المصرية، وازاء هذه التطورات المتسارعة في الشارع والاوساط السياسية المعارضة، قررت اللجوء الي الحلول الامنية، اي الاعتقالات والتعذيب، وهي حلول ستؤدي الي تفاقم الاوضاع وتسريع الانفجار. فما كان يصلح في الثمانينات من ممارسات قمعية لن يكون صالحا في القرن الواحد والعشرين.

فعندما يصل الامر بافراد عاديين الي تفجير انفسهم في تجمعات للسياح، مثلما حدث في خان الخليلي، والمتحف المصري، فهذا يعني ان هناك خطرا قادما لا يمكن التقليل من شأنه واعتباره احداثا فردية، مثلما يشيع الاعلام الرسمي.

مشكلة النظام المصري تنحصر في لجوئه الي خيار الصفر في العمل السياسي اي عدم الاقدام علي اي خطوات كبيرة لتجنب الوقوع في الاخطاء، وعلي اساس ان الامور مستقرة فلا داعي لأي تغيير. وهذه النظرية خاطئة تماما لانها تعني الجمود، والجمود تراجع في زمن يتطور بسرعة مذهلة وتسوده ثورة للمعلومات بادوات عصرية متاحة، من خلال الفضائيات وشبكة الانترنت.

كانت هناك فرصة ذهبية امام النظام لبدء عملية التغيير في التسعينات علي وجه التحديد، اي بعد نجاح حلوله الامنية، بتواطؤ عربي ودولي، في انهاء التيار الجهادي الاسلامي، من خلال ادخال اصلاحات سياسية شاملة، والقضاء علي الفساد، واستخدام المكافآت المالية التي حصل عليها نظير دوره في حرب تحرير الكويت (حوالي ثلاثين مليار دولار) في خلق فرص عمل للشباب من خلال مشاريع انتاجية مجدية. ولكنه وزع هذه الاموال علي البطانة الفاسدة المحيطة به.

ولعل السقطة الاخيرة للنظام التي تمثلت في اقرار التعديلات الدستورية التي تسمح بالتعددية الانتخابية للرئيس، وهي تعديلات تتضمن شروطا تعجيزية، ومفصلة علي مقاس الرئيس، وتجعل من فوزه امرا محتما، وتجعل من الانتخابات استفتاء مقنعا. فالبطانة المحيطة بالرئيس مبارك تسرع في عملية اسقاطه، وتكريه الشعب به، سواء من خلال المقابلة التلفزيونية المطولة التي جاءت بنتائج عكسية تماما، او من خلال هذه التعديلات الفضيحة.

نزول حركة الاخوان الي الشارع، وتضامن حركة كفاية مع معتقليها، واخطاء البطانة القاتلة، وتصاعد الغليان في الشارع، ولجوء بعض الجماعات للتفجيرات الانتحارية مجددا، كلها عناصر وصفة سياسية تؤكد ان التغيير قادم، والانفجار مؤكد.