صراع عربي – صهيوني أم نزاع فلسطيني –
اسرائيلي
في
الخامس عشر من آيار / مايو سنة 1948 اجتازت وحدات محدودة من جيوش ست دول عربية
حدود فلسطين الانتدابية . وذلك تنفيذا لقرار اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية
الذي كان قد اتخذ بعد تمنع قبل نحو شهر من ذلك التاريخ . والثابت تاريخيا ان تلك
القوات لم تكن تعاني خللا فادحا لصالح التجمع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني من
حيث عدد الجنود والضباط المشاركين في القتال ومستوى تدريبهم وتسليحهم فحسب وإنما
أيضا افتقاد وحدة القيادة العسكرية والتوجيه السياسي . والثابت كذلك أن بعض قادة
القوات العربية كانوا قد تلقوا تعليمات مشددة بعدم تجاوز حدود التقسيم . وان بعضهم
الآخر كان اسير توجيهات سياسية وثيقة الصلة بعمق المداخلات البريطانية والامريكية
في صناعة القرار العربي .
وعلى الرغم من أن النكبة كانت نتاجا طبيعيا
لواقع التجزئة والتخلف والتبعية العربي إلا أنه وجد بين المفكرين القوميين العرب ،
ولا يزال ، من نظروا لذلك التحرك على قصوره باعتباره التعبير العملي عن إيمان نخب
وجماهير شعوب الأمة العربية بأنها تخوض صراع وجود ولا وجود مع التحالف الاستعماري –
الصهيوني الذي يستهدفها في وحدتها القومية وتحررها السياسي والاقتصادي وتقدمها
الاجتماعي والمعرفي ، ليؤصل استغلاله الوطن العربي موقعا وموارد واسواقا وقدرات
بشرية . وعليه نظرت نخب الامة وجماهيرها بما يشبه الاجماع لنكبة فلسطين باعتبارها
نكبة قومية المسؤولة عنها بالدرجة الاولى النخب العربية القائدة جمعاء ، وليست
الفلسطينية منها فحسب ، فيما الشعب العربي الفلسطيني ضحية التآمر الاستعماري
والقصور القيادي العربي .
واليوم ، وبعد سبعة وخمسين عاما من النكبة
لم يعد خافيا افتقاد شبه الاجماع العربي على تشخيص واقع الصراع . إذ هناك قطاع غير
يسير من النخب الفكرية والسياسية على قناعة يقينية بأن الذي يجري على ارض فلسطين
المحتلة لما يزل صراعا قوميا في دوافعه وغاياته وله تداعياته الخطرة للغاية على
حاضر ومستقبل الشعوب العربية كافة ، ومسؤولية تقديم الاستجابة الفاعلة ما برحت
قومية عربية وليست وطنية فلسطينية ، برغم كل المتغيرات والمستجدات الدولية
والاقليمية والعربية والصهيونية التي توالت منذ الخامس عشر من آيار / مايو 1948 .
وبالمقابل هناك شبه اجماع لدى صناع القرار
العربي العام ، والفلسطيني منه الخاص ، وقطاع غير يسير من النخب الفكرية ، على
قناعة تامة بأن المستجدات والمتغيرات منذ النكبة غيرت من طبيعة اسرائيل ودورها
بحيث غدا من غير الواقعية في شيء النظر في الصراع الذي فجرته اقامة التجمع
الاستعماري الاستيطاني العنصري على التراب العربي في فلسطين بما يتعدى صيرورته
نزاعا فلسطينيا – اسرائيليا ، قابل للتسوية على اساس التنازلات المتبادلة ،
والمسؤول تاريخيا عن تقديم الاستجابة الفاعلة فيه شعب فلسطين ، وبالذات نخبه
القائدة ، باعتباره صاحب الحق المشروع في تقرير مصيره واتخاذ قراراته . وبالتبعية
فان المسؤولية القومية ، الرسمية والشعبية على السواء ، لم تعد تتجاوز تقديم الدعم
الممكن لشعب شقيق يبدي حرصه الواضح على استقلال قراره .
والسؤال المحوري الذي يفرضه هذا التباين
الواضح في وجهات النظر عربيا وفلسطينيا هل فعلا بدلت المتغيرات والمستجدات من
طبيعة اسرائيل ودورها ؟ وهل حقا باتت لا تشكل خطرا مصيريا إلا على الشعب العربي
الفلسطيني فحسب ؟ وبالتالي فالمسؤولية الاولى والاهم باتت فلسطينية خالصة ،
وبالتبعية غدت النخب الفلسطينية القائدة هي المخولة باتخاذ القرارات المصيرية على
قاعدة . "أهل مكة أدرى بشعابها " ولا يجوز لأحد أن يكون فلسطينيا أكثر
من الفلسطينيين انفسهم . كما صار يقول العديد من المسؤولين ومستشاريهم ، وبخاصة
الضالعين في تسويق مبادرات التسوية الصهيو- امريكية ؟
وفضلا عن ذلك هناك من يقولون بأن الدولة
القطرية العربية اكتسبت مشروعية دولية ، وأن التعايش مع واقع التجزئة افرز مشاعر
قطرية عربية ، وأن الوطن العربي يفتقر للكتلة التاريخية ذات المصلحة بالوحدة
العربية والقادرة على تحقيق الطموح الوحدوي المتجذر في فكر النخبة ووجدان الجماهير
العربية . وأن محصلة التفاعل الجدلي فيما بين العوامل الثلاثة باتت العامل الاول
في إعاقة إقامة الوحدة أو الاتحاد العربي . وبالتالي لم يعد وجود الحاجز البشري الغريب
ما بين جناحي الوطن العربي ، المتمثل في التجمع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني ، هو
المعوق الاول والاساسي لتنفيذ الطموح الوحدوي العربي الذي لا ينكر .
ولست انكر ان ما يقوله هؤلاء واؤلئك يعكس بعض
ظواهر الواقع العربي المعاصر ، ولكن الوقوف عندها يفتقر تفتقر للنظرة الشمولية .
فالدولة القطرية ، وان اكتسبت مشروعية دولية وقبولا شعبيا ، والتعايش في ظلها أفرز
شعورا اقليميا يتقدم عند قطاع واسع من نخبها وجمهورها مشاعرهم القومية ، بل
وتزايدت بين نخبها فئة المستفيدين من واقع التجزئة ، والذين هم الاشد تأثيرا في
صناعة القرارات السياسية والاقتصادية بصفة خاصة . غير أن الدولة القطرية باتت اشد
معاناة لقصورها البنيوي ، إذ هي بحكم محدودية امكانياتها والقدرة على تطويرها لم
تعد قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها المتزايدة ، فضلا عن قصورها التاريخي عن
مواكبة العصر ، وبالتالي لما تزل دواعي التكامل القومي العربي قائمة ، بل وتزداد
الحاحا .
ثم إن طموح التوسع الجغرافي الصهيوني في
الارض العربية هو اليوم أبعد منه في أي يوم مضى . ولم تعد اسطورة اسرائيل الكبرى ما
بين النيل والفرات لها من يعتقد بامكانية تحقيقها حتى بين غلاة الصهاينة . وقد بات
أقصى الطموح الصهيوني فيما يتصل بالجغرافيا السياسية محصورا في الحفاظ على يهودية
الدولة ، والحيلولة دون مخاطر التزايد السكاني "الديمغرافي" العربي ،
والبحث عن الحل الذي يتقبله المجتمع الدولي بعد أن لم تعد مقبولة عملية التهجير
القسري العنصري "الترانسفير" . ولكن اسرائيل برغم ما تواجه من تحديات
بفعل المقاومة العربية لم تفقد اهميتها الاستراتيجية في نظر صناع قرار الدول
الصناعية الكبرى ، خاصة في مواجهة مخاطر تداعيات الواقع العربي المأزوم
واحتمالاتها المستقبلية . وهي لم تعد ترى فيها حارسة التجزئة العربية وانما اداة
تنفيذ مخطط اعادة تشكيل المنطقة الذي اقرته قمة الثمانية في منتجع سي ايلاند صيف
2004 .
وكثيرة هي الكتابات هذه الايام التي تتحدث عن
التقاء ارادات ومصالح صناع القرار الامريكي والصهيوني على اعادة تشكيل المنطقة من
خلال عملية تفكيك وحداتها القائمة ، وطمس هويتها العربية ، واعادة تركيبها في نظام
اقليمي جغرافي على اسس عرقية وطائفية ، والخطر بالتالي بات يتهدد في الصميم كل قطر
ومجتمع عربي . وبالتبعية صار دور اسرائيل اشد خطورة فيما قومية الصراع غدت اكثر
وضوحا . وأن تكون هذه معطيات الواقع فالشيء المؤكد ان الامة لما تزل تواجه صراعا
عربيا - صهيونيا ، وأن المقاومة في فلسطين أنما تخوض المعركة كطليعة لأمتها وليس
معركة قطرية ، وإن وقفت وحيدة في الميدان إلا أنها لا تمتلك متطلبات إتخاذ أي قرار
مصيري في صراع قومي وإن اكتوت أكثر من غيرها بناره .