الطاعات في ميزان
التناسب بين العمل والأجر والعدل
والمساواة
بقلم :د .يحيى هاشم حسن
فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
في صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال: سمعتُ النبيّ
صلى الله عليه وسلم يقول « من حجّ للّهِ فلمَ يَرفُثْ ولم يَفسُق رَجَع كيومِ
ولدَتْهُ أمّه».
وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه أن رسولَ
اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال « العمرةُ إلى العمرةِ كَفّارةٌ لما بينهما، والحجّ
المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلاّ الجنةُ».
وفي صحيح مسلم بسنده عن
عَائِشَة رضي الله عنها: إِنّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللّهُ فِيهِ عَبْداً مِنَ
النّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَإِنّهُ لَيَدْنُو ثُمّ يُبَاهِي بِهِمُ
الْمَلاَئِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ؟».
وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي
هريرة أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «كلّ أمتي يَدخلونَ الجنة إلا من
أبى. قالوا: يا رسولَ اللّه ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخلَ الجنة، ومن عصاني فقد
أبى ».
وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي سعيدٍ الخُدرِيّ
رضي اللّه عنه قال: «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إن اللّهَ يقولُ لأهل الجنةِ:
يا أهلَ الجنةِ، فيقولون: لبيْك ربنا وسعدَيك، والخير في يَدَيْك، فيقول: هل
رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نَرضَى يا رب وقد أعطيتَنا
ما لم تُعطِ أحداً من خلقِك فيقول ألا أُعطيكُم أفضَلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربّ
وأيّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول:
أُحِلّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ عليكم بعدَهُ أبداً ».
إن رضا الله لهو مخ السعادة التي ينشدها الناس مهما اختلفت ألسنتهم
وألوانهم وأفئدتهم وأهواؤهم ، وهاهي معروضة عليهم أمام أعينهم ، فهلا مدوا إليها أيديهم ؟
وليرجع القارئ لتأمل الأحاديث
، فماذا فعل الإنسان لكي يستحق هذا الجزاء ؟
وماذا عن قضية التناسب بين الأجر
والعمل من ناحية ؟
والعدل والمساواة من ناحية أخرى ؟
أما أن المسلم يجزى يوم القيامة على أعماله اليسيرة بأجور كثيرة فهذا مما لا
جدال فيه بناء على ما جاء من ذلك في القرآن والسنة .
ومن ذلك ما جمعه الدكتور عيادة الكبيسي في كتابه
القيم " الأجور الكبيرة على الأعمال اليسيرة " - نشر دار البحوث
للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2001 م ص 227
- من أحاديث الأجور العظيمة عن أعمال : المشي
إلى المسجد ، وغُسل الجمعة ، والإنصات وقت الخُطبة ، وما يقوله السامع للأذان ،
وصلاة الضحى ، والجلوس في المسجد بعد الصلاة ، والجلوس ثم الصلاة بعد الشروق في
صلاة الفجر ، وصلاة الجنازة ، وصوم تاسوعاء مع عاشوراء
، وقيام ليلة القدر ، و صوم ست من شوال ، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، والذكر بعد
قراءة القرآن ، وقراءة سورة الإخلاص ، وبعض الآيات والسور ، والصلاة على النبي صلى
الله عليه وسلم ، والذكر بعد الصلوات ، وصيغة الاستغفار والحمد ، وإلقاء السلام ،
ودعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب ، والعمل الصالح في عشر ذي الحجة ، والزراعة إلخ
وقد جاء في هذا الكثير من آيات القرآن الكريم والحديث
النبوي الشريف
ومن أظهر ما جاء من ذلك ما جاء في ذكر الله ، فذكر الله – على يسره - يقي
من عذاب النار : { الَّذينَ يَذْكُرونَ اللَّهَ قياماً وَقُعوداً وَعَلى
جُنوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ
هَذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ } 191 آل عمران ، ويحقق الأجر العظيم : { والذّاكِرينَ اللَّهَ
كَثيراً والذّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظيماً } 35
الأحزاب .
ومن الحديث : في صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرةَ رضي اللّه عنه قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: « يقولُ اللّه تعالى: أنا عندَ ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإِن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،
وإن ذكرَني في مَلأٍ ذكرته في مَلأٍ خيرٍ منهم، وإن تَقرّب إليّ شِبراً تقرّبتُ
إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذِراعاً تقرّبتُ إليه باعاً، وإن أتاني يَمشي أتيته
هَرْوَلة».
ومن الملاحظ أن هذه الطاعات قد تتساوى في التكفير عن المعاصي لكن لا تساوي
بينها في الأجور " ودليل ذلك : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي
هريرة، قال: « قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه ، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور» وكان أبو هريرة، يقول: « وحجة مبرورة
تكفر خطايا تلك السنة».
وفي صحيح مسلم بسنده عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي
قَتَادَةَ أَنّهُ سَمِعَهُ يُحَدّثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم
أَنّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ: «أَنّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَالإِيمَانَ بِاللّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللّهِ أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللّهِ تُكَفّرُ عَنّي خَطَايَايَ؟
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ.
إنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللّهِ. وَأَنْتَ
صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ» ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى
الله عليه وسلم: «كَيْفَ قُلتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ
قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَتُكَفّرُ عَنّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ
صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ. وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ
غَيْرُ مُدْبِرٍ. إلاّ الدَّيْنَ. فَإنّ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السّلاَمُ، قَالَ لِي ذَلِكَ».
وفي جامع الترمذي بابُ ما جاءَ في
ذِكْرِ فَضْلِ العُمْرَة بسنده عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ تُكَفّر ما بَيْنَهُما
والحَجّ المَبْرُورُ ليْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاّ الجَنَةَ». قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
فهذه الأحاديث صريحة في التفاضل بين أعمال وهي متساوية في التكفيرعن الذنوب كما يتبين ذلك في الحديثين السابقين في شأن
التكفير الذي يحققه الجهاد كما تحققه العمرة . .
وفي هذه الأمثلة نجد أنه لا تناسب
بين الفعل اليسير وجزائه الكبير ، وهذا
راجع إلى فضل الله لكنه يرجع أيضا إلى
طبيعة الأمور : من حيث إن جزاء المؤمن الخلود في الجنة ، فأي طاعات للعبد مهما
كثرت يمكن أن تغطي أو تكافئ هذا الخلود ؟ فمن البديهي
إذن أن الثواب لا نهاية له
ومن جهة أخرى نلاحظ التميز لبعض الأعمال الكبيرة في الأجر عند مقارنة بعضها
مع بعض – لا في محض التكفيرعن الذنوب .
ولذا كان لابد من التفرقة في سياق الأحاديث الواردة في الموضوع بين مقامين :
الأول : أن يأتي الكلام عن الأجر
العظيم للعمل اليسير بغير مقارنة بينه وبين غيره من الأعمال
والثاني : أن يأتي الكلام عن الأجر العظيم للعمل اليسير مقارنا
بأعمال أخرى من الثابت عظم الشأن فيها ، مما قد يوهم المساواة بينها .
أما النوع الأول وهو أن يأتي الكلام عن الأجر العظيم للعمل اليسير بغير
مقارنة بينه وبين غيره من الأعمال فهذا لا
مشكل فيه ، وإن كان مشروطا بالتوجه لله ،
والقبول منه ، ومن علامة قبوله ألا يصدر من فاعله مخالفة شرعية كما ذكره
بعض شراح صحيح مسلم كالشيخ الأبِّي ، ومن أمثلته :
في سنن ابن ماجة بسنده عن ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: «يَا
عَبّاسُ يَا عَمّاهُ أَلاَ أُعْطِيكَ، أَلاَ أَمْنَحُكَ، أَلاَ أَحْبُوكَ، أَلاَ
افْعَلُ لَكَ عَشْرَ خِصَالٍ. إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ
ذَلِكَ غَفَرَ اللّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوّلَهُ
وَآخِرَهُ، وَقَديمَهُ وَحَدِيثَهُ، وَخَطَأَهُ وَعْمَدَهُ، وَصَغِيرَهُ
وَكَبِيرَهُ، وَسِرّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ. عَشْرُ خِصَالٍ، أَنْ تُصَلّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. تَقْرَأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ
الْكِتَابِ وَسُورَةٍ. فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ
الْقِرَاءَةِ فِي أَوّلِ رَكْعَةٍ قُلْتَ وَأَنْتَ قَائِمٌ. سُبْحَانَ اللّهِ
والْحَمْدُ لِلّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَاللّهُ أَكْبَرُ. خَمْسَ عَشْرَةَ مَرّةً. ثُمّ تَرْكَعُ فَتَقُولُ، وَأَنْتَ
رَاكِعٌ عَشْراً. ثُمّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرّكُوعِ
فَتَقُولُهَا عَشْراً. ثُمّ تَهْوِي سَاجِداً فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْراً. ثُمّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السّجُودِ فَتَقُولُهَا
عَشْراً. ثُمّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْراً. ثُمّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ
السّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْراً. فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلّ رَكْعَةٍ. تَفْعَلُ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ. إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلّيَهَا فِي كُلّ يَوْمٍ مَرّةً
فَافْعَلْ. فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَفِي كُلّ جُمُعَةٍ
مَرّةً. فإن لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلّ شَهْرَ مَرّةً. فَإِنْ
لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرّةً».
وفي صحيح مسلم بسنده عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ. قَالَ: جَاءَ نَاسٌ
مِنَ الأَعْرَابِ إِلَىَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم. عَلَيْهِمُ الصّوفُ. فَرَأَىَ سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ. فَحَثّ
النّاسَ عَلىَ الصّدَقَةِ. فَأَبْطَئوا عَنْهُ. حَتّىَ رُؤِيَ
ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ:
ثُمّ إِنّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرّةٍ مِنْ وَرِقٍ. ثُمّ جَاءَ آخَرُ.
ثُمّ تَتَابَعُوا حَتّىَ عُرِفَ السّرُورُ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنّ فِي الإِسْلاَمِ سُنّةً حَسَنَةً،
فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ
مَنْ عَمِلَ بِهَا. وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ
شَيْءٌ. وَمَنْ سَنّ فِي الإِسْلاَمِ سُنّةً سَيّئَةً،
فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ
وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ
أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».
وما رواه مسلم بسنده عَنْ جُوَيْرِيَةَ – وهي أم
المؤمنين بنت الحارث رضي الله عنها - أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ
مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلّىَ الصّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا. ثُمّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَىَ، وَهِيَ جَالِسَةٌ. فَقَالَ:
«مَا زِلْتِ عَلَىَ الْحَالِ الّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ
أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاَثَ مَرّاتٍ. لَوْ وُزِنَتْ
بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنّ: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ،
عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».ومن
الواضح أن رسول الله يعرض عليها إلإضافة على ما قامت به
بدليل قوله " قلت بعدك "
وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم بسنده عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن
عمرو قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم
أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بالديباج ، فقال : إن
صاحبكم هذا يريد رفع كل راع وابن راع ، ويضع كل فارس وابن فارس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فجلس ،
فقال : إن نوحا لما حضرته الوفاة دعا ابنيه ،
فقال إني قاص عليكما الوصية ، آمركما باثنين وأنهاكما عن اثنين ، أنهاكما
عن الشرك والكبر ، وآمركما بلا إله إلا الله ، فإن السماوات والأرض وما فيهن لو
وضعت في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما ، ولو
أن السماوات والأرض وما فيهما كانت حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما لقصمتهما ،
وآمركما بسبحان الله وبحمده فإنهما صلاة كل شيء ، وبها يرزق كل شيء . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
وفي صحيح مسلم بسنده
عن مُحَمّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَ ابْنُ أَبِي
خَلَفٍ. قَالاَ: حَدّثَنَا رَوْحٌ. حَدّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي
أَبُو الزّبَيْرِ أَنّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم يَقُولُ: «لاَ يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْساً، وَلاَ زَرْعاً، فَيَأْكُلَ
مِنْهُ سَبُعٌ أَوْ طَائِرٌ أَوْ شَيْءٌ، إلاّ كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ» .
وما رواه مسلم بسنده عن سَعِيْدِ بْنِ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم: «إِنّ اللّه لَيَرْضَىَ عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ
فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا. أَوْ يَشْرَبَ الشّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».
وفي سنن ابن ماجة بسنده عن عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللّهُ
لَهُ مِنْ كُلّ هَمَ فَرَجاً، وَمِنْ كُلّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ
حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ».
وفي صحيح مسلم بسنده عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا.
وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتّى تَحَابّوا. أَوَلاَ أَدُلّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا
فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ «أَفْشُوا السّلاَمَ بَينَكُمْ».
هذا النوع كما قلنا سابقا لا مشكل فيه ولا حرج على فضل الله فيه وإن كان
مشروطا بالتوجه لله ،
والقبول منه ، ومن علامات قبوله
ألا يصدر من قائله مخالفة شرعية
أما النوع الثاني : وهو : أن يأتي الكلام عن الأجر العظيم للعمل اليسير مقارنا
بأعمال أخرى من الثابت عظم الشأن فيها ، فهذا مما قد يوهم المساواة بينها ، وعندئذ
لابد من نظر .
ففي صحيح البخاري بسنده عن شُعبةَ عن عمرو بن مُرّةَ عن سالم بن أبي الجَعد «عن أنس بن
مالك أنّ رجلاً سألَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: متى الساعة يا رسولَ الله؟ قال: ما
أعدَدتَ لها؟ قال: ما أعدَدتُ لها من كثير صلاة ولا صَوم
ولا صدَقة، ولكني أُحبّ الله ورسوله. قال: أنتَ معَ من أحبَبْتَ».
وفيه أيضا عن عثمانُ بن أبي شيبةَ حدّثنا جريرٌ عن منصورٍ عن سالم بن أبي الجعدِ حدّثنا أنسُ بن مالك رضيَ اللهُ عنه قال: «بينما أنا
والنبيّ صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلَقِيَنا رجلٌ عند سُدّةِ المسجد
فقال: يا رسولَ الله متى الساعة؟ فقال النبيّ صلى الله
عليه وسلم: ما أعدَدْتَ لها؟ فكأن الرجل استكانَ، ثم قال:
يا رسول الله ما أعدَدتُ لها كبيرَ صيامٍ ولا صلاة ولا صَدَقة لكن أّحبّ اللهَ
ورسوله. قال: أنتَ مَعَ من أحبَبْت»:
وما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة أنّ رجلاً
سأَل النبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاةُ لوقتها، وبرّ
الوالدين، ثم الجهاد في سبيل اللّه»
وما أخرجه الإمام أحمد بمسنده عن ابن مسعود ـ قال :
« قلت : يا رسول الله ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة لوقتها » .
وما أخرجه الإمام أحمد بمسنده بسنده عن أبي ذر قال: خرج
إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله عزّ
وجلّ؟ قال قائل: الصلاة والزكاة وقال قائل: الجهاد. قال:
إن أحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ ، الحب في الله ،
والبغض في الله».
وما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن سلام
قال: «تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله أي الأعمال أحب إلى
الله تعالى؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل إلينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم رجلاً، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة، ـ يعني سورة الصف كلها ـ».
وفي مسنده بسنده عن عائشة قالت: سُئل رسول الله صلى
الله عليه وسلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: «أَدْوَمَهُ
وَإِنْ قَلّ». قال وسمعته ـ يعني: أبا سلمة ـ يحدث عن
عائشة، أو عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «اكْلفَوا
مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ».
(1) وتأويل هذه الأحاديث :: كقاعدة
عامة في مجموعها: أن من وفق لما جاء فيها من العمل مخلصا وجهه لله في عمله فهو جدير بأن يوفقه
الله لتكتمل مسيرته ليضم ما لم يرد في البداية .
(2) وبخصوص بعضها : أنه ما جاء
فيها قد روعي فيه أن اليسير منه مندرج بطبيعته في الكبير ، فمن أتى بالأول كان
لابد أن يأتي بالثاني
ومثاله ما أخرجه مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم: أَيّ الأَعمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: « إِيمَانٌ
بِالله » قَالَ: ثُمّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله» قَالَ: ثُمّ
مَاذَا؟ قَالَ: «حَجّ مَبْرُورٌ». وَفِي رِوَايَةِ مُحمّد بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ». وتأويله أنه قدم الإيمان من
حيث إن الإيمان أصل ، وكل من الجهاد والحج فرع ، ولاشك
في أفضلية الأصل على الفرع ، ولا شك أن من
جاء بالفرع – على حقيقته - كان آتيا بالأصل .
(3) وفي بعضها الآخر : أنه ما جاء فيها قد روعي
فيه شأن السائل على وجه الخصوص ، أخذا بيده وهو يسلك في بعض درجات الطريق
ومثاله ما جاء في صحيح البخاري بسنده عن طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللّهِ يقولُ:
«جاءَ رَجُلٌ إِلى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أهلِ نَجْدٍ ثائرُ
الرأْسِ يُسمعُ دَوِيّ صَوتِه ولا نفْقَهُ ما يقولُ، حتى دَنا، فإِذا هُوَ يَسْألُ
عنِ الإِسلام، فقال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: خَمسُ صَلَواتٍ في الْيَوْمِ
والليلةِ. فقال: هَل عَلَيّ غَيْرُها؟ قال: لا، إِلاّ
أنْ تَطَوّعَ. قال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: وَصِيامُ
رَمَضانَ. قالَ: هلْ عَلَيّ غَيرُهُ؟ قال: لا، إِلاّ أن
تَطَوّعَ. قال وَذَكرَ له رسولُ اللّهِ صلى الله عليه
وسلم الزّكاةَ، قال هلْ عَلَيّ غَيرُها؟ قال: لا، إِلاّ
أن تَطَوّعَ. قال فأدْبرَ الرّجُلُ وَهُوَ يقولُ: وَاللّهِ
لا أزِيدُ عَلَى هذا ولا أنقُصُ. قال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». فهو إن صدق لا بد يأتي بما بقي من الفرائض ، وبما يليها مما يطعم فيه حلاوة الإيمان .
(4) وفي بعضها الآخر يكون المعنى
محتاجا لتأويل أخص
من ذلك ما جاء في قوله صلى
الله عليه وسلم : في جامع الترمذي عن أبي
الدّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ : قالَ النبيّ صلى الله
عليه وسلم: «أَلاَ أُنَبّئُكُمْ بِخَيْرِ أعمَالِكُمْ وأزْكَاها عِنْدَ
مَلِيكِكُمْ وأَرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ
الذّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ فَتَضْرِبُوا
أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ؟ قالُوا : بَلَى، قالَ : ذِكْرُ الله
تَعَالَى » فقالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه : ما شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ
عَذَابِ الله مِنْ ذِكْرِ الله
قال أبو عيسَى: وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا
الْحَدِيثَ عَن عَبْدِ الله بنِ سَعيدٍ مِثْلَ هَذَا بِهَذَا الإسْنَادِ، وَرَوَى
بَعْضُهُمْ عَنْهُ فَأرْسَلَهُ.
وروي مثله كل من الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة
ومن تأويله أن أفضلية العمل فيه لم تأت له وهو في حال إطلاقه كالنوع الأول ، ولا مما يمكن تأويله بالتشجيع على السلوك في أول
الطريق كالنوع الثاني
ولكنه جاء بمقارنة مباشرة مع ما هو الأفضل : ذكر الله خير من الإنفاق ، ذكر
الله خير من القتال «أَلاَ أُنَبّئُكُمْ بِخَيْرِ أعمَالِكُمْ وأزْكَاها عِنْدَ
مَلِيكِكُمْ وأَرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ
الذّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ فَتَضْرِبُوا
أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ؟ قالُوا : بَلَى، قالَ : ذِكْرُ الله
تَعَالَى».
كيف يكون الذكر مجرد الذكر خيرا من الإنفاق والقتال {
في سبيل الله } ؟؟ لا شك أن ذلك يدعو إلى إلحاح بالتأويل
وهنا نلاحظ دقة التعبير النبوي التي تعيننا على
الفهم : فهو عندما فضله على الإنفاق لم يقل : في سبيل الله ، وعندما تحدث عن
القتال لم يقل في سبيل الله ، وإلا كان هناك تناقض داخلي ، وخارجي معا
أما الداخلي - داخل العبارة نفسها – فذلك لأن كلا من الإنفاق والقتال عندما
يكون في سبيل الله فإنه يكون متضمنا بالبداهة ذكر الله ، وإلا ما كان في سبيل الله
، وحينئذ لا يصح أن يقال إن الطاعة بالجزء الذي هو الذكر أفضل من الطاعة بالكل – القتال
في سبيل الله - الذي يتضمن جزأه أي يتضمن الذكر
ومما يدل على ذلك ما جاء في موضع آخر في صحيح مسلم بسنده عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ، حِينَ
يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ ، مِائَةَ مَرّةٍ ، لَمْ
يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَفْضَلَ مِمّا جَاءَ بِهِ.
إِلاّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ
عَلَيْهِ».، وقياسا فإن من أنفق في سبيل الله أو قاتل في سبيل الله " قال مثل
ما قال الذاكر وزاد عليه .
أما التناقض الخارجي – أي مع ما هو من خارج العبارة التي معنا – فلما جاء
من الفضل المطلق للإنفاق في سبيل الله ، ولما جاء من
الفضل المطلق للجهاد في سبيل الله .
وإذن فالمراد في الحديث التحريض على الكف عن الإنفاق أو القتال لأغراض
دنيوية جاء الإسلام ليخفف منها أو ليقضي عليها ، وفتح الباب لما يرقى بالمؤمن إلى
أعلى الدرجات وهو باب الذكر ، كما قال بعض
الزهاد " ليس الذاكر من قال سبحان الله والحمد لله ، لكنه الذي إذا رفع ذؤابة
الميزان علم أن الله يراه فأخذ الحق وأعطاه ".
ومثل هذا الحديث في الحاجة إلى فهم أدق ما رواه ابن ماجة - وغيره - بسنده
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيّامٍ، الْعَمَلُ الصّالِحُ
فِيهَا أَحَبّ إِلَى اللّهِ ، مِنْ هَذِهِ الأَيّامِ» يَعْنِي الْعَشْرَمن
ذي الحجة . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ
قَالَ: «وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ. إِلاّ
رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
ومن الملاحظ في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص العمل
الصالح هنا بمجرد صيام عشر ذي الحجة ، ولكن بالعمل في هذه الأيام ، وإذن
فالمقصود كل عمل صالح إذا أضيف إلى عشر ذي الحجة فهو أفضل منه في غيرها ، ومن هنا
نفهم أنه حتى الجهاد إذا أضيف إلى العشر من ذي الحجة كان أفضل منه في غيرها وكان
هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم " ولا الجهاد في سبيل الله " أي ولا
الجهاد في سبيل الله إذا جاء في غيرها مقارنة به إذا جاء فيها .
وكان من المفهوم أيضا أنه إذا كان الجهاد في غير هذه الأيام العشر منتهيا إلى الرجوع بغير ما كان له من مال ، أو
منتهيا إلى الشهادة فهو الأفضل ، لأنه بلغ المنتهى في غير أيام العشر إذ رجع بغير
مال ،
ولم يبلغ المنتهى في أعمال الأيام العشر على افتراض خلوها من الإنفاق والشهادة
، وكان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم " إِلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ
وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
وأخيرا فقد تعرض لنا في هذا المقام مشكلة ضمان المساواة والعدل بين الناس
في الأجور إذا قاموا بنفس الأعمال ، وهنا تظهر المشكلة على سبيل المثال بالمقارنة
بين من حج أ وجاهد أو استشهد في سبيل الله مع استقامة غالبة عليه في مجرى حياته ،
وبين من حج أو جاهد أو استشهد ، بعد توبة
من كفر أو توبة من ذنوب كبار خالطت مجرى حياته من قبل فكل منهم ختم له بدرجة الشهادة
في سبيل الله لمن استشهد ، أو ثواب الحج لمن حج
، أو ثواب الجهاد لمن جاهد ، فأين ضمان العدل ثم أين ضمان المساواة ؟
ونرى والله أعلم أنه علينا أن نفرق في هذه المشكلة بين أمرين أمر العدل من
ناحية وأمر المساواة من ناحية أخرى ، أما العدل فقد تحقق بحصول كلِّ على ثواب ما
قد فعل ، وهو مشمول بضمان الله إياه في كثير من الآيات والأحاديث ، ومنها :
قوله تعالى :
" وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته " 115 الأنعام
وقوله تعالى :" ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد
" 182 آل عمران، والأنفال 51
وقوله تعالى :
" اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم " 17 غافر
ومنها في الحديث القدسي ، " حرمت الظلم على نفسي ..
" ، وإذن فلكل منهما أجر ما عمل لا ينقص منه شيء ،
ولا ينقض العدلَ فيه أن يزيد الأجر عن أساسه الموعود أو لا يزيد .
أما المساواة فلم تكن مما ضمنه المولى سبحانه ، وهي غير واردة في شأنه سبحانه – وحده - وتعالى : نقلا ، أو عقلا
أما أنها غير واردة نقلا فلأن الله لم يذكر لنا شيئا عن هذا الضمان بل أشار
إلى خلافه فيما هو من فضل الله ورحمته يسبغها على من يشاء بقدرته ، " ، ومن ذلك
قوله تعالى : " تلك الرسل فضلنا بعضهم على
بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات " 253 البقرة
وقوله تعالى : " وتلك حجتنا
آتيناها إبراهيم على قومه ، نرفع درجات من نشاء " 83 الأنعام ،
وقوله تعالى : " وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات
ليبلوكم فيما آتاكم " 165 الأنعام
وقوله تعالى :
" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا ، أنظر
كيف فضلنا بعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " 21 – 22
الإسراء ، "
وقوله تعالى : " أهم يقسمون
رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم
بعضا سخريا ، ورحمة ربك خير مما يجمعون " 32 الزخرف
وقوله تعالى :
" ولهم مثل الذي عليهن بالمعروف ، وللرجال عليهن درجة " 228
البقرة .
وأما العقل فلأن شأن الخالق مع مخلوقاته مبني على عدم المساواة :
وفيها قوله تعالى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ،
فسبحان الله رب العرش عنا يصفون ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " 23 الأنبياء
وفيها أنه لا يَحتج عليه : الكوكب لمَ لم يخلقه نجما ، أو النجم لم لم يخلقه مجرة ، أو النار لم لم
يخلقها ماء ، أو الماء لم لم يخلقها نارا ، أو الجماد
لم لم يخلقه نباتا ، أو النبات لم لم
يخلقه حيوانا ، أو الحيوان الذي يمشي على بطنه
لم لم يخلقه حيوانا يمشي على أربع ، ومن يمشي
على أربع لم لم يخلقه على رجلين ، أو الأنثى لم لم
يخلقها ذكرا ، ولا تحتج الفراشة لم لم يخلقها نسرا ،
ولا يحتج الحصان لم لم
يخلقه إنسانا ، ، أو الإنسان لم لم
يخلقه ملكا ، أو الملك لم لم يخلقه محمدا ، وإلا انغلق
مبدأ التنوع والإبداع الذي بني عليه الكون ، وهذه بعض تجليات الإبداع ، والقدرة ،
والخلق ، وواسع الملك والفضل والرحمة
ولله – وحده - في خلقه شئون ، ولخلقه في أنفسهم
لخالقهم تسليم .
والله أعلم