فاروق جويدة وهوامشه الحرة

 

 

 

بقلم :دكتور جابر قميحة

komeha@menanet.net

 

      لا يختلف اثنان في أن صحيفة «الأهرام» هي كبري الصحف وأشهرها في مصر, والشرق العربي, ولكنها -للأسف- بسطت صفحاتها لكثير من الغثاء والعبثيات التي يفرزها الحاملون بضراوة علي «الإخوان المسلمين», ضاربين عرض الحائط بالموضوعية والعدل والعقل, في سبيل إرضاء «الكبار», ورجال الحكم, وعتاولة الحزب الوطني (حزب الأغلبية المزيفة المدَّعاة), وقد يجدون في ضراوتهم هذه تنفيسا عن الاحتقان المهيمن عليهم, والحقد والنقمة علي جماعة الإخوان, ويتعاملون معهم بأقلامهم كأنهم فئة من «الهنود الحمر» أو طائفة «المنبوذين» في الهند أو «سكان أستراليا الأصليين».

      ولا نملك إلا أن نقول: غفر الله لهؤلاء, وأزال الغشاوة عن أبصارهم وبصائرهم, وخصوصا السادة: أسامة سرايا, وعبدالمنعم سعيد (داعية التطبيع المصري الإسرائيلي) ومكرم محمد أحمد وعمرو عبدالسميع «ملك» برنامج «حالة حوار» أو «حالة خوار» -بالخاء- كما يسميه كثير من المشاهدين.

جويدة.. قلم نظيف

ومن قبيل الإنصاف أري من حقنا أن نفخر, ومن حق صحيفة الأهرام أن تفخر, بكتًّاب أجلاء, يعرفون الرجال بالحق, لا الحق بالرجال, ويؤثرون الموضوعية المنصفة علي كل اعتبار. ومن هؤلاء الأساتذة: أحمد سلامة, وفهمي هويدي, وفاروق جويدة في مقاله الأسبوعي «هوامش حرة» في أهرام كل جمعة, وجاء مقاله الأخير الجمعة 30/12/2005 «لكمة مسددة» إلي وجوه الذين زعموا أن الإخوان «خطفوا» مقاعد مجلس الشعب الثمانية والثمانين ممن يستحقونها, وذلك بخداع الجماهير بالشعارات الدينية, والاتجار بالدين, واحتكاره في دعاياتهم.. و.. و.. كما وصفوا نوابهم بأنهم جميعا من المشايخ وخطباء المساجد.

      يقول فاروق جويدة: «لم تكن مفاجأة لي ولكثيرين غيري أن يحقق الإخوان المسلمون هذا الإنجاز الكبير في الانتخابات البرلمانية... كان وجودهم في الشارع المصري طوال السنوات الماضية, وإصرارهم علي أن يكون لهم دور ومكان فيه شيئا واضحا, وكان تواصلهم مع المواطنين -خاصة البسطاء منهم- قضية لا مجال للشك فيها, وكانت هناك خدمات كثيرة يقدمونها للناس بأثمان زهيدة, وفي أحيان كثيرة يقدمونها بلا ثمن, وكان تأثيرهم واضحا في أوساط النخب المميزة من الأطباء, وأساتذة الجامعات, والمحامين, وطلاب الجامعات والنقابيين, بل والقضاة والصحفيين والمدرسين وربما ظهر ذلك واضحا في انتخابات النقابات المهنية, وقد سيطر الإخوان المسلمون علي معظمها منذ بداية التسعينيات وحتي الآن».

      «....وقد اختار الإخوان المسلمون أسلوب الإقناع والحركة الهادئة والمنظمة بحيث إذا وصلوا إلي هدف ما وضعوا برنامجا لما سيجيء بعده من أهدافه. وكان من الخطأ أن يتصور البعض -خاصة الأحزاب السياسية- أن الإخوان المسلمين مجموعة من المشايخ المتواكلين السذج الذين يعملون بلا تخطيط أو دراسة....».

     ويمضي فاروق جويدة متحدثا عن الثمن الفادح الذي دفعه الإخوان في سبيل الانتصار لدعوتهم, فمنهم من سُجن ومن شُرد ومن شُنق, أي أنهم واجهوا أعتي المحن وأشدها وأضراها في تاريخ الشعب المصري, ومع ذلك لم يعرفوا اليأس, وأثبتوا تفوقهم في المواجهة فكانوا محل تقدير كل عاقل في سلوكهم الإنساني, وسلوكهم الاجتماعي.. ومن الناحية التنظيمية -كما يقول جويدة- «....نجحوا في الشارع المصري نجاحا كبيرا بينما فشل جهابذة الأحزاب الأخري بمن فيهم حزب الأغلبية..».

قضايا مختَلف عليها

وما سبق يمثل قطوفا من مقال الأستاذ جويدة تطرح أهم المحاور في مقاله, وبعدها نري الرجل -في أدب جم- يذكر أن «هناك قضايا كثيرة وحولها خلاف كبير».. ونعرض لها في إيجاز شديد جدا:

1 - ينكر الكاتب الربط بين الدين والسياسة, ويري أن الدين يجب ألا ينزل إلي مستوي السياسة.. «لأن قضايا الأخلاق في الدين واضحة وصريحة, ولكن السياسة عمل بلا أخلاق» .  وأراني أخالف الأستاذ جويدة في رؤيته, وبين يديّ عشرات من الكتب لأساتذة كبار من الإخوان وغيرهم يبرزون فيها -بالعقل والاستقراء- الصلة الوثيقة بين الدين والسياسة, ويرسمون الطريق للإفادة من ذلك علي مستوي الوطن والأمة, وأعتقد أن الأستاذ جويدة معي في أن السياسة «إذا أصبحت بلا أخلاق» انتصرت لـ«مكيافيللي» وأصبحت مبررا مقننا لدكتاتورية الحكام, واستباحة الغدر والظلم والنهب والعدوان وتناقض ديننا, وتقود إلي تدمير الأوطان والشعوب.

      ومن عجب أن السادات الذي كان يردد في خطبه السياسية عبارة «لا سياسة في الدين, ولا دين في السياسة» كان يختم هذه الخطب بقوله تعالي «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا, وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» [آل عمران: 8].

وأخيرا.. أعتقد أن سر تخلفنا وسقوطنا وإفلاسنا في العهد المباركي -بل العهود المباركية- أننا نُحكم بسياسة لا مكان للأخلاق فيها.

عن الفنون والإبداع

ويري الأستاذ جويدة أن الربط بين الإبداع والدين جناية كبري» لأن الإبداع ساحة خيال وشطط وتمرد, والدين ساحة عبادة وخضوع وسكينة, وللدين قواعد تحكمه.. ولكن الإبداع بلا قواعد إلا ما يقرره ضمير الإنسان نفسه».

      لقد ذكّرني الأخ فاروق بنوع من الإبداع المتهتك, وكان مفرزوه يدّعون أن هذا هو «الأدب الواقعي» الحقيقي . فكان العقاد يقول: هو أدبى واقع -أي ساقط- لا واقعي» . وأي إبداع هذا الذي يتسم «بالشطط»? والشطط هو خروج علي حدود العقل والخلق والنفس السوية? وكيف يكون الإبداع بلا «ضوابط»? إن أي مُعطَي من معطيات الفكر والوجدان إذا خلا من الضوابط «المعقولة» تحول إلي فوضوية وتهتك وسقوط. ومازلنا نذكر مقال الأستاذ جويدة الذي «نسف» به «رواية» و«ليمة لأعشاب البحر» - للسوري حيدر حيدر -  بسبب ما فيها من شطط وتمرد علي قواعد الخلق والدين, وقد نشر فاروق مقاله في الأهرام بتاريخ 7/5/2000 تحت عنوان «الثقافة الجادة», ومما جاء فيه بالحرف الواحد:

- «....إن هذه الكتابات تعتمد تماما علي حديث الغرائز, حيث لا أسلوب, ولا فكر, ولا هدف, ولا قيمة, وهي أبعد ما تكون عن جماليات الفن والإبداع».

- «لو خرج رجل مجنون إلي الشارع, ووقف عاريا في ميدان التحرير فإن الشرطة سوف تلقي القبض عليه, ويعاقبه القانون.. فماذا عن هؤلاء الذين يمارسون العري في الكتابة, ويجدون من ينشر لهم, ويدافع عنهم?!».

- «إننا لا يمكن أن نكون ضد حرية الإبداع.. ولكن لا توجد حرية بدون مسئولية, وهناك فرق كبير بين إبداع جاد ومترفع ومسئول, وبين إبداع مبتذل ورخيص ومسموم».

- «إن الإبداع الحقيقي لا يمكن أن يكون خصما لمقدسات الناس وعقائدهم, كما أنه لا ينبغي أن يكون دعوة للتحلل والتسيب والفساد».

- «....إن كل من يروج هذه النماذج المريضة يهدد أمن مصر واستقرارها, ويهدد أيضا دورها ورصيدها وريادتها, ويهدد -قبل كل ذلك- أجيالا لا ينبغي أبدا أن نقدم لها هذا الزاد المسموم».

      فهنا نجد فاروق جويدة يدعو إلي الفن الراقي الذي تحكمه ضوابط العقل والدين والنظام, وهذا هو الوجه الحقيقي للأخ الصديق فاروق جويدة.. وهو الوجه الذي يرفض ما كتبه فاروق عن الإبداع في أهرام 30/12/2005.

قضايا أخري

ولا يتسع المقام لمناقشة ما طرحه الأستاذ جويدة عن موقف الإخوان من المرأة والرأي الآخر, والطاعة العمياء في النطاق التنظيمي, وكل أولئك تناوله الإخوان -عرضا وبسطا ومناقشة - في كتبهم ومقالاتهم. ولكني أقول هنا -علي سبيل الإلماع- إن الإسلام لا يعرف ولا يدعو إلا للطاعة المبصرة, وبها يأخذ الإخوان أنفسهم في نظامهم الشوري وتنظيمهم الهرمي ابتداء من القاعدة ووصولا إلي «المرشد العام» الذي لا يُنصّب إلا بالانتخاب, وقد فصّلت ذلك في كتابي المتواضع «حسن البنا بين السهام السوداء, وعطاء الرسائل».