الفوضى تدب في فلسطين
بقلم :د. عبد الستار قاسم
يشهد قطاع غزة فوضى تتميز بمسلحين يقتحمون مقار السلطة ويعتدون على مواطنين
ويشتبكون فيما بينهم ويتصارعون مع عائلات. هذا أمر ليس
غريباً أو طارئاً، وسبق أن توقعته في مقالات سابقة.
سمات وصفات القيادة
الفلسطينية على مدى سنوات، وطرق أدائها في مختلف المجالات كانت تنبئ بما يجري، بل
كانت تهدف إلى ما يجري. عانى الشعب الفلسطيني عبر السنين من سياسة الفهلوة والاستزلام وشراء الذمم والتتفيه
إلى أن وصلت الأمور إلى ما يتم عرضه على شاشات التلفاز من اشتباكات لا تلحق بالشعب
الفلسطيني إلا العار.
عمر الفوضى السائدة
حالياً هو من عمر السلطة الفلسطينية. ساد نوع من الفوضى
في عهد الاحتلال المباشر، لكن يبدو أن الحكم الذاتي أكثر مهارة في بث الفرقة
والفساد بين الناس، وفي زرع الأحقاد والكراهية والتطاول على الآخرين. منذ البدء والقيادة الفلسطينية تحرص على التمييز بين الناس
فتفرزهم بين موال وغير موال، بين منافق مخلص ومنافق يمكن أن يتمرد. فتحت الباب
لدخول السلاح "الإسرائيلي" إلى أيدي المنحطين الذين يصفون أنفسهم بأنهم
مطلوبون للاحتلال، وأعطتهم المجال للاعتداء على الحرمات والممتلكات؛ وتعاونت أمنياً
مع الاحتلال، وازداد في عهدها عدد الجواسيس والمتعاونين مع "إسرائيل"،
واستعملت الأموال لشراء الذمم؛ واستعانت بمن تدنى فهمهم وانعدمت لديهم الكفاءة
وتميزوا بأخلاق اللصوصية والحرمنة،
إلخ.
عملت القيادة
الفلسطينية منذ البدء على تمزيق النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني وذلك بهدف
إضعافه وتحويل صفوفه إلى أشلاء ممزقة. لماذا؟ الإجابة
يطول شرحها، وقد كتبتها في كتاب من 300 صفحة، والمقال هذا لا يتسع لها. كنت من
الناس الذين تصدوا لهذا المشروع المرعب، وكان نصيبي الرصاص والاعتقال والتضييق
والاعتداء على الممتلكات. ولم ينج آخرون رأوا في هذه الممارسة خطراً على الشعب
والوطن. كثيرون هم الذين رفضوا التحليل بداية، لكن
المؤسف أن الكثير من الناس لا يتعلمون إلا بعدما تشتعل النار في أفئدتهم.
جيل فلسطيني بأكمله
تعرض للتخريب من خلال نشر ثقافة الاستهتار والفهلوة والمرجلة
الجوفاء، وتم تسريب الأسلحة والذخائر إلى يديه، وتم استخدامه للابتزاز وتصفية
الحسابات. معروف في الشارع الفلسطيني أن فلاناً له زعرانه
الخاصون، وعلاناً له زعران منافسون. أساء هؤلاء للناس
جميعاً، وهم الآن يتبادلون الإساءات.
نجحت القيادة
الفلسطينية في نشر هذه الثقافة المدمرة في مختلف الأوساط. صحيح
أنها لم تنجح تماماً، لكنها استطاعت تحقيق اختراقات هامة جعلت من الأعمال السيئة
عناوين في الأخبار. ما نشاهده على التلفاز هي أخبار
أولئك الذين يسمسرون على الوطن، أو يطلقون النار على الأبرياء، أو يحتلون المقار
ويهددون. أما أولئك الذين يناضلون فلا نسمع أخبارهم إلا
بعدما يستشهدون.
الخلل يتسع ليشمل مختلف قطاعات وأوساط الشعب. هنا
أذكر مثالاً من تجربتي القريبة جداً. كتبت مقالاً حول
ظاهرة انتشار السلاح في جامعة النجاح وحذرت منها وطلبت من الجميع الوقوف في وجهها.
قام زملائي الأساتذة في إطار العاملين القريبين من
السلطة بإصدار بيان ضدي قالوا فيه إنني أريد إشعال نار الفتنة. أما رئيس الحرس
الذي ينتمي إلى "الطخيخة" (الذين يستعملون
السلاح لأغراض غير جهادية) فأرسل لي شفوياً أمام المسؤولين
في الجامعة قائلاً بأنني جاسوس.
المشكلة الكبيرة أن
هناك أناساً كثراً لا يستطيعون البقاء في وظائفهم أو تحقيق دخل مالي جيد إلا بوجود
الفوضى وحماية "الطخيخة". مصير
آلاف الناس مرتبط بوجود الفوضى والانفلات الأمني، ولا يمكن لهؤلاء إلا أن يكونوا
في حماية الظاهرة. أما الفصائل الفلسطينية فقد رأت المأساة
تتبلور عبر السنين واكتفت بإصدار البيانات.
هل سينجح هؤلاء في
نهاية المطاف؟ قناعتي بأن الشعب الفلسطيني سيتمكن من محاصرة الظاهرة. هذا شعب يقاتل على مدى مائة عام، واستطاع أن يفلت من كثير من
الصعاب والمراحل القاسية، وما يزال يتمتع بشباب متدفق ومتجدد. أمريكا أرادت الفساد
والفوضى، وكذلك "إسرائيل" وذلك من منطلق تخريب
الشعب الفلسطيني من الداخل. تعاون معهم فلسطينيون ونجحوا إلى حد ما. وبالرغم من
ذلك، فلسطين مليئة بالمحترمين والمجاهدين والمناضلين والناس الخيرين، وبالتأكيد
سيتمكن هؤلاء من جمع أسباب القوة للانطلاق من جديد. هناك من العرب والمسلمين من
يشعر بالحزن على ما آلت إليه الأمور، لكن لنا في التاريخ عبرة: شعب تعثر مراراً
ونهض، بالتأكيد لن يترك العزة بلا مأوى.