العرب بين بقاء شارون وغيابه

 

 

 

بقلم:عمار علي حسن

 

 

من الأفضل ألا يشغل العرب بالهم طويلا بمن سيحكم في إسرائيل بعد شارون، وينصرفون إلى تحصين ذاتهم، وتعزيز قدراتهم في سبيل أن يحسموا «الصراع التاريخي» لصالحهم، بحل سلمي ناجع، يعيد إليهم أرضهم السليبة، ويضمن لهم العيش الآمن.

 

 أما تعليق الآمال العربية جميعا على من سيدفع به الإسرائيليون إلى سدة الحكم فهو هروب من المواجهة الحقيقية، وتعبير عن إحساس جارف بالفراغ والضعف، وتسليم تام بانعدام الثقة في النفس، وتضييع للوقت والجهد فيما لا يفيد أبدا، وتضخيم من قدرة إسرائيل على الفعل والتدبير.

 

ومن أسف شديد عادت الحكومات وقطاع عريض من الشعوب العربية إلى طرح السؤال التقليدي عقب الإعلان عن تردي الحالة الصحية لرئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون عما إذا كان من المفيد للعرب غيابه الأبدي أم بقاؤه على قيد الحياة السياسية. وتنوعت الآراء والتحليلات ما بين محبذ لبقاء شارون باعتباره الرجل القادر على أن يفرض «الحلول» على الإسرائيليين.

 

والدليل على ذلك تنفيذه لقرار الانسحاب من غزة، وما بين راغب في رحيله لأنه الشخص الذي اغتال العملية السلمية وحولها إلى «إملاءات» من يد باطشة، و«هبات» من طرف واحد غارق في أنانيته وغروره، ولأنه الشخص الذي كان يسعى إلى تعيين حدود أبدية لإسرائيل تخرق كل الاتفاقيات التي أبرمتها مع السلطة الفلسطينية، وكل قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولأنه الشخص الذي بنى الجدار العنصري العازل، ليعيد العالم بأسره إلى حقبة تاريخية ممقوتة، كان الجميع يظن أنها ولت إلى الأبد، بانهيار النظام العنصري الأبيض في جنوب أفريقيا.

 

وما يجري مع شارون الآن هو سلوك عربي معتاد، فكلما كانت إسرائيل بصدد انتخابات تشريعية أو باغت الموت أحد قادتها مثل ما حدث لإسحق رابين، ينغمس العرب من أخمص أقدامهم حتى النواصي في الإجابة على تساؤل حول من الأفضل «العمل» أو «الليكود». وفي جميع الأحوال كانت الأنظمة الرسمية العربية تميل إلى فوز العمل، مع أن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد الدول العربية كانت أيام حكم هذا الحزب، ومع أن قادته لم يقدموا لعملية السلام الكثير، منذ انطلاقها في مؤتمر مدريد عام 1991 وحتى الوقت الراهن.

 

 

وليس من المتصور أن هذه الأنظمة لا تدرك تلك الحقيقة جيدا، لكنها ترى أن «العمل» وإن كان لا يفيد السلام كثيرا فإنه يتصرف بنعومة وذكاء ودهاء، لا يحرج حكومات العرب مع شعوبها، ويظهرها في مظهر الضعيف أو العاجز عن فعل شيء، مثلما يفعل الليكود في تجبره وصلفه، وإتيانه من الأفعال ما يثير حفيظة الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، ويدفعها إلى الضغط على حكوماتها كي تتصدى لإسرائيل، وتنتصر للفلسطينيين.

 

وعلى النقيض من موقف الحكومات فإن قطاعات من الشعوب العربية، وأفراد من النخب، يروق لها حكم الليكود، لأنه يكشف للعالم عن الوجه الحقيقي للسياسة الإسرائيلية، بدون مواربة ولا مساحيق تجميل زائفة، ويثبت أن السلام بلا قوة ليس سوى استسلام، وأن المقاومة، بكل وسائلها، هي الطريق المثلي لاسترداد ما ضاع، وأن إسرائيل لا تترك أرضا محتلة إلا إذا دفعت ثمنا باهظا، والدليل القاطع على هذا انسحابها الذليل من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة، وخروجها من غزة بعد أن تحولت إلى مستنقع، كان من الصعب على أي جندي إسرائيلي أن يبقى فيه يوماً واحداً بدون أن يتمرغ في وحله.

 

اليوم سيدخل حزب «كاديما» الذي أسسه شارون في أيامه الأخيرة إلى لعبة الانتظار والمراهنات العربية على من يحكم في تل أبيب، ومن سيعطي العرب بعض حقوقهم أكثر من الآخر، أو من يعتدي عليهم أقل من الآخر، وكأن مصير المنطقة معلق بإرادة إسرائيل وحدها، أو أن الساسة الإسرائيليين هم فقط القادرون على اتخاذ القرارات، وإدارة دفة الأمور، صغيرها وكبيرها، وأن العرب ليس بوسعهم سوى التفاعل مع ما تجود به إسرائيل، أو ما يصدر عنها من سلوك، مثلما اعتقدوا من قبل أن مصيرهم معلق بمن يحكم في واشنطن، الديمقراطيون أم الجمهوريون، وان عليهم أن ينتظروا في مقاعد المتفرجين ما تسفر عنه إرادة الناخب الأميركي أو الناخب الإسرائيلي، ليحددوا مواضع أقدامهم، ويقدروا حجم ما سيحصلون عليه من مكاسب، أو ما مقدار ما سيتفادونه من أضرار.

 

وفي كل الأحوال لا يجني العرب نفعاً، ولا ينجون من ضرر، ومع ذلك يستمرئون هذه اللعبة السخيفة، ويتركون أنفسهم يلدغون من الجحر عشرات المرات.