رؤيا

 

 

 

بقلم :السفير محمد والي

ِAbouzahraa@maktoob.com

   

عرفت الدكتور/مصطفى الفقي منذ ميعة الصبا، حين التحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1962، وكنت قد سبقته في هذه الكلية بعام. التحق الفقي في ذلك الوقت بالاتحاد الاشتراكي، ثم بعد ذلك بالتنظيم الطليعي ومنظمة الشباب. وكان يتقاضى من التنظيم الطليعي مبلغ عشر جنيهات شهريا – وهو مبلغ لا بأس به في ذلك الزمان – لكي يكتب تقارير عن زملائه وأساتذته. وأذكر من ضحاياه وقتها أستاذنا الدكتور/رياض الشيخ، ففي مناقشة علمية مع بعض الطلبة عن الاشتراكية، أبدى الأستاذ اعتراضه على الاشتراكية، وتحبيذه للحرية الاقتصادية؛ فأبلغ عنه الفقي، وحققوا معه.

     لقد كان التنظيم الطليعي هو المحضن الذي تخرج فيه نفر من الضالين، الذين أفسدوا الحياة السياسية؛ منهم على سبيل المثال الدكتور المبجل صاحب الصفر الشهير.

    كان الفقي منافقا منذ أن عرفته قبل ثلاثة وأربعين عاما، وكان وقتها لا يعدم سببا لتبرير النفاق، فيسميه بالنفاق الاجتماعي، هذا كان كلامه. وبطبيعة الحال كان لابد مع الوقت من أن تتسع البقعة السوداء في القلب حتى تعم القلب كله، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) 

    وكان لنا في ذلك الوقت زميل آخر هو الدكتور/محمد نعمان جلال، وكان أقرب إلى قلبي؛ لأنه كان شابا متدينا مجتهدا وجادا. ثم بعد ذلك بعدة سنوات رأيته في رؤيا، وهو واقف ينتظر الحافلة، ويرتدي ملابس رثة، فنظرت إليه متعجبا من حاله؛ فقال لي، وقد فهم ما دار في نفسي: إنها ظروف اضطرتني إلى ذلك. وفسرت هذه الرؤيا بأنه سيسير في طريق النفاق؛ لأن المنافق يظهر غير ما يبطن؛ فيكون مظهره براقا وباطنه خرابا، والرؤيا كشف، وقد أظهرته في صورة كئيبة فدلت على باطنه. وكان لا يزال صديقي، ولم تكن أمارات النفاق قد ظهرت عليه بعد؛ لكنها بدأت في الظهور واحدة بعد الأخرى؛ فزهدت فيه حين تيقنت من نفاقه.  ورغم ذلك ظل في قلبه شىء يؤرقه، ويذكره بخطئه أي ظلت فيه بقية من ضمير، عكس الفقي الذي استراح إلى النفاق ومات ضميره، وكنت أنا العبد الضعيف قد استرحت إلى الصدق- مهما كلفني من تضحيات، فكان النعمان – في نظري - أبأس الثلاثة، فما أصعب التردد والقلق، وما أشد وطأته على النفس!.

    التحق الفقي – عقب تخرجه بالسلك الدبلوماسي، مع ستة من زملائه في التنظيم الطليعي بقرار جمهوري، بالخلاف للقانون، الذي ينظم دخول السلك باجتياز مسابقة تشمل اختبارات تحريرية وشفوية، ثم يتم التعيين بناء على نتيجة امتحان المسابقة بقرار وزاري. وكنا نحن في الخارجية من الذين سلكوا الطريق من بابه نسمي هؤلاء السبعة، بالسبعة الاشتراكيين. ولم يكن غريبا أن هؤلاء السبعة الذين دخلوا من الأبواب الخلفية، هم الذين يتولون المناصب الهامة في الوزارة بعد ذلك؛ لأنه إذا سيطرت على المجتمع أفكار خبيثة؛ فإن أقدر الناس على الظهور حينئذ هم أشدهم خبثا ونفاقا لا جدارة واستحقاقا، بل يكون الأخيرون حينئذ صوت الضمير الذي يود الأولون خنقه وإخفاءه.

    إذا جار السلطان وفسد الحكم، يكون الخوض مع الجائرين، مع عدم القدرة على الإصلاح من أعظم الهموم. عن ابن عباس  رضي الله عنه رفعه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة، واتباع الشهوات، وكون الأمراء خونة والوزراء فسقة" فوثب سلمان رضي الله عنه وقال: بأبي أنت وأمي إن هذا لكائن يا رسول الله؟ قال: "نعم يا سلمان عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء ولا يستطيع أن يغير" قال: أو يكون ذلك؟ قال: "نعم يا سلمان إن أذل الناس يومئذ المؤمن يمشي بين أظهرهم بالمخافة، إن تكلم أكلوه، وإن سكت مات بغيظه".

     وأما الفقي؛ فقد رأيت له رؤية – منذ خمسة وعشرين عاما – ولم تتحخقق إلا الآن، حتى أني تعجبت من طول هذه الفترة. رأيت أني راكب في حافلة، ولم تكن مزدحمة، وكنت جالسا على مقعد؛ ومع الطريق كان الركاب يصعدون حتى امتلأت الحافلة عن آخرها، وتعلق الركاب بالسلم، ثم أتى الفقي، ولم يجد إلا التشبث بالباب. وأثناء سير الحافلة في إحدى المنحنيات وقع الفقي على الأرض، فنزل الركاب ونزلت معهم، وأخذت أسأل عن هاتف قريب لأطلب الإسعاف، والناس يقولون: دعنك منه؛ فهذا جزاؤه، وأنا أقول لهم واجبنا الآن بغض النظر عن أي شىء أن نطلب له الإسعاف. وفسرت هذه الرؤيا بأن الفقي سيتبث بقطار النفاق، ثم يسقط بعد ذلك سقوطا مدويا.

    يزعم الفقي أنه مثقف مفكر، وقد حصل على الدكتوراة من لندن في موضوع: "الأقباط في السياسة المصرية"، وهو اختيار ذو مغزى لعله يرضي بذلك قوى الاستكبار العالمي التي تلعب بورقة الأقباط. وعلى فرض أنه مثقف مفكر كما يقول، فإن المثقف الحقيقي رائد، والرائد لا يكذب أهله، بل يدور مع الحق أينما دار، أما الفقي فقد اتخذ دور (المبرر) الذي يبرر للسلطة كل شىء، وأي شىء ما دام سيعود عليه ذلك بالنفع.

    وهذا هو الباب الأعظم الذي دخل منه الفساد إلى هذه الأمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "هلاك أمتي رجلان عالم فاجر وعابد جاهل، وخير الخيار خيار العلماء، وشر الأشرار شرار العلماء".  وقوله: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان".  وقوله لكعب بن عُجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء" قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي؛ فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي. ومن لم يصدقهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي. يا كعب بن عجرة الناس عاديان مبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها".

    "ففساد أحد هذين الصنفين (العلماء والأمراء) ملازم في الوجود لفساد الصنف الآخر غالبا، ومن ثم تتضاعف بهما محنة الناس وآفاتهم، فمن كلام أبي مروان بن حيان  في ذلك: ولم تزل آفة الناس مذ خُلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء، قلما تتنافى أشكالهم بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يردون. قال: وقد خص الله سبحانه هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج هذين الصنفين لدينا بما لا كفاء له، ولا مخلص منه؛ فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ذيادا عن الجماعة، وجريا إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم وصُرفوا عما أكده الله عليهم من التبيين لهم. قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ بالتقية في صدقهم. قال: فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها؟! هل هي إلا مشفية على بوارها واستئصالها.

    "قلت: قال الغزالي مشيرا إلى هذا المعنى؛ ولذلك قيل: ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك، ولا فسدت الملوك إلا بفساد العلماء".

    العلماء حرسة الشريعة وهم الذين يبينون للناس حدودها، ويقدمون النصح للحاكمين والمحكومين جميعا. ومهمة العالم بما هو عالم أن يبين الحق وأن يكشف عنه ولا يكتمه: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283/البقرة) فإذا سكت عن ذلك فهو كما جاء في الحديث: "من سُئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار".  ومهمة الأمير بما هو أمير أو الرئيس بما هو رئيس أو السلطان بما هو سلطان أو الإمام بما هو إمام؛ إقامة العدل. وعلى الفريقين معا علماء وأمراء يدور صلاح الناس وفسادهم.

    ولذلك فإن عندنا (السادة الشافعية) لا تجوز التقية لعالم، وإن جازت رخصة في حق آحاد الناس لقوله تعالى: إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (106/النحل) وقوله: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (28/غافر) فإذا سكت الجاهل لجهله وصمت العالم إيثارا للسلامة أو طلبا للمنفعة؛ انطمست معالم الدين، وبطلت أحكام الشريعة؛ ولذلك كان على العالم الانصياع للحق وبيانه للناس أيا كان الأمر؛ حتى لو كان فيه إتلاف نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة ثم رجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه في الله تعالى فقتله على ذلك".

    ولذا كانت مسؤولية العالم أكبر من مسؤولية الجاهل لأنه يسعه ما لا يسع غيره: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا (286/البقرة) بل لقد رأى بعض العلماء أنه لا توبة لعالم؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتـُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا (17/النساء). ويمكن أن نقول هنا إن كل من عمل سوءا فهو جاهل – من وجه معين – وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل؛ فمتى صدر خلافه دل ذلك على غفلة القلب عنه أو ضعف القلب عن مقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم؛ فيصير جهلا بهذا الاعتبار: لقوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (5/الجمعة) ولقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ  هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّـرُونَ (23/الجاثية). وقال صلى الله عليه وسلم: "إن اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"،   وقال: "من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا".

    من بضع سنين، كان الفقي سفيرا في النمسا، وكتب في صحيفة الأهرام القاهرية ردا على الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الجمهورية في ذلك الوقت؛ الذي كان قد أفتى بعدم جواز ولاية المرأة للإمامة (الرئاسة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".  ولينظر القارىء ماذا قال المفكر في رده؟. قال: إن نساء النمسا استاؤوا من هذه الفتوى! وانظر يرحمني ويرحمك الله إلى مبلغه من العلم! وما ذا يعنينا نحن من قول نساء النمسا، هل قولهم حجة شرعية! أليست الأصول عندنا، والتي استند إليها المفتي في فتواه هي: "الكتاب والسنة والإجماع والقياس"؟ أم أضاف إليها الفقي أصلا جديدا لا علم لنا به هو "رأي نساء النمسا؟  لأن القول ما قالت لبيبة!

إذا ظهرت لبيبة فاتبعوها        فلب القول ما قالت لبيبة

    سقوط الفقي إذن لم يكن مفاجأة بالنسبة لي؛ فنفاقه معروف، وهو الذي استفاد من منظمة الشباب والتنظيم الطليعي كان أول من هاجم المنظمة حين تم حلها، وأنا شخصيا كنت أنتظر فضيحته التي لم أشك لحظة في حدوثها. والجديد الآن هو أن الحقيقة التي كانت معروفة للقلة صارت معلومة للكافة. هذا ركن من أركان الفساد، وسقوطه يدعو إلى التفاؤل بتداعي أركان الفساد. إن سقوط الفقي ليس سقوطا له وحده؛ لكنه سقوط لمنظومة كاملة قامت على الاحتيال والتضليل، الاحتيال على الكافة بادعاء العلم، وانتحال ما ليس له، وهذا كله من بركات الاستبداد حين تحتكر الدولة الاستبدادية كل وسائل الشهرة، فتحجب الرجال الأكفاء وتفتح الباب على مصراعيه لكل مدع مارق فيصول ويجول في كل مكان. تراه على جميع الشاشات، وفي جميع المناسبات، وفي جميع المؤتمرات: من مؤتمر للرضاعة الطبيعية إلى مؤتمر لتطوير التعليم الإعدادي إلى مؤتمر لمشاركة المرأة في السياسة، وعلى جميع الموائد. لم يتحقق من شروط المنهج ولا ما قبل المنهج، لم ترسخ في المعارف قدمه، ولا يملك من أدوات الطالب سوى يداه وقلمه. يبدل الألوان والأصباغ بحسب الملابسات؛ فكان اشتراكيا حين كانت للاشتراكية صولة، فلما انطفأ بريقها أصبح كاتبا قوميا؛ ثم الآن يقول إنه يحارب تدخل الدين في السياسة.

    الله أكبر! نعم يحق له أن يحارب تدخل الدين في السياسة؛ لأن السياسة عنده وعند أمثاله هي الخداع والتضليل، فكيف تستند إلى الدين. أما عند المتقين فالسياسة هي: "فن إستصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة". "لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين" هذا شعار الملاحدة والمنافقين جميعا؛ لأن الدين أس، والسلطان حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الرئيس الأول للدولة الإسلامية. ووفاته عليه السلام لا تعني انتهاء رسالة الإسلام لقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144/آل عمران). "ومن المعلوم المتفق عليه أن الآية المباركة نزلت في عتاب وتعليم المسلمين الذين شاركوا في معركة أحد حيث انهزموا من المشركين بعد أن نادى منادي هؤلاء إن محمدا قد قتل على إثر نكسة حلت بالمسلمين في المعركة بسبب مخالفة بعض الجيش لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، وتخليه عن موقعه الذي أمره النبي عليه السلام أن يبقى فيه مهما كانت تطورات المعركة؛ فقد عبر هؤلاء بانهزامهم بعد سماعهم النداء بقتل النبي صلى الله عليه وسلم عن تخليهم عن مبدأ الجهاد، واستسلامهم لسلطة المشركين السياسية. وقد عبر بعضهم بصراحة عن ذلك حيث تجمع أكثر الفارين وقال بعضهم: "ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم".

    وقد سارع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عقب وفاته صلى الله عليه وسلم إلى بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبعد وفاة أبي بكر إلى بيعة عمر، وبعد عمر إلى بيعة عثمان، وبعد عثمان إلى بيعة علي، وهكذا لم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام. وهذا النوع من الإجماع؛ هو ما يسميه العلماء "إجماع الأصول"؛ وهو اتفاق جميع الأمة مجتهديها وغير مجتهديها، خاصها وعامها، على العلم بما أجمعت الأمة عليه؛ لثبوته بالنص المقطوع به الذي ليس محلا للنظر، ولا يسع مسلم أن يجهله؛ كالإجماع على أركان الإسلام، والإجماع على فرضية الصلاة وأن صلاة الظهر أربع ركعات أو بصفة عامة الإجماع على ما علم من الدين بالضرورة.

 

    نعم هذا المنهج الانتقائي في فهم الدين، قرين الإلحاد لقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85/البقرة)؛ فإن الله تعالى قد أنكر على هؤلاء القوم إتباعهم للمنهج الانتقائي في موقفهم من دين الله، وحذرهم من الخزي في الدنيا ومن أشد العذاب في الآخرة إذا أصروا على اتباع هذا المنهج التجزيئي للدين؛ لأنهم بذلك يخرجون عن الدين.

    لقد قال السلف منا: "الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان (وهو القلب)، وعمل بالأركان". لقد كان التشريع ينزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتكامل ليصوغ حياة الإنسان كلها بكل ما لها من أبعاد؛ فينزل القرآن وتنزل السنة وفيهما – في نص واحد – حكم شرعي لما اصطلح عليه باسم العبادة، وحكم شرعي لما اصطلح عليه باسم المعاملة، وحكم تنظيمي أو سياسي، وكلها تتوشج فيما بينها بعلاقات من داخلها، وتتركز متواشجة – على موضوع واحد هو الإنسان المسلم فردا أو جماعة أو أمة.

    ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم أن الله تعالى قرن الإيمان به – وهو التزام قلبي تعبيره المباشر في العبادة المحضة – بالجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وهو التزام سياسي مادي متصل بالمجتمع السياسي ومضمونه العقيدي والثقافي والاقتصادي ودوره الإقليمي والعالمي، وهذا وذاك يتصلان اتصالا عمليا سببيا بالمصير الأخروي للمسلم؛ وهو النجاة في الآخرة والفوز برضوان الله، رزقنا الله إياه.

    فمن ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ٍ(10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون َ(11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (10– 13/الصف).

    وقوله تعالى: وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِين َ(86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون َ(87) لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (86–88/التوبة).

    نعم فليفرح الفقي بما جمع من الحطام، وبما ارتكب في سبيله من أوزار، وليظن في نفسه ما شاء من الذكاء والخداع والتحايل؛ فقد انكشف زوره وظهر بهتانه: "بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (81/البقرة)، والتعبير القرآني معجز؛ فإن السيئة في الحقيقة ليست كسبا، لكن الاستمرار على المعصية يفسد الاستعداد الروحاني، فيبدو له الإثم مغنما، والحق مغرما ويظن أن سلب حق الغير، وادعاء ما ليس له كسبا، وهو لم يكسب في الحقيقة إلا النار.

    إن من رحمة الله بعباده، أن يكشف لهم المبطلين، وأن يسقط المفسدين، مثلما أغرق فرعون، وخسف الأرض بقارون؛ لأن قلة قليلة فقط من الناس هي التي تعرف الباطل مهما اصطبغ من ألوان، وأغلب الناس لما يرون من حال المنافقين، أنهم جمعوا المال والشهرة وتقلبوا في النعيم ينخدعون بهم، وهذه فتنة، ولذلك جاء في محكم التنزيل: "ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين" (33 – 35/الزخرف). والمعنى أن الله تعالى لو فتح على الكافر أبواب النعم، لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الكفر. ولو فعل ذلك بالمسلمين لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الإسلام؛ وعلى هذا التقدير ينتفي الابتلاء ولا يتميز المؤمن من المنافق الذي يدخل الإسلام – حينئذ -  لطلب الدنيا لا لطلب رضوان الله.