انتخابات مصر.. احترس من "نجلاء اللوكس"!

 

 

 

بقلم : محمد جمال عرفة

 

تحولت انتخابات برلمان مصر لعام 2005 إلى موسم مربح للبلطجية الذين شكلوا ما يشبه الشركات الخاصة التي يديرها رجال وسيدات من العاطلين والعاطلات يقومون بتوريد بلطجية للضرب أو هتيفة للهتاف بالساعة، أو "كومبارس" لحضور المؤتمرات الانتخابية، أو سيدات مسجلات خطرات للتحرش بالسيدات المؤيدات لمرشحين في الانتخابات.

وساهمت ظاهرة بذخ الإنفاق المالي لشراء الأصوات من قبل بعض المرشحين الأثرياء، مع تصاعد نسبة البطالة بين شباب وفتيات مصر، في اتساع حجم ظاهرة البلطجة، على اعتبار أن أرباحها سريعة وكبيرة حيث يصل ما يتقاضاه البلطجي إلى ما بين 300- 500 جنيه في يوم الانتخابات، وهو ما يعادل راتب نسبة كبيرة من الموظفين المصريين في شهر كامل.

ورصدت صحف ومواقع إلكترونية مصرية مثل موقع "حركة المقاومة الإلكترونية" (حماسنا)، تفاصيل طريفة لبعض هذه المجموعات التي تورد البلطجية والهتيفة بغرض إرعاب وتخويف أنصار مرشح معين، أو بغرض عمل الخير مثل تحصيل أموال أو شيكات من أشخاص يرفضون دفع ما عليهم من مستحقات!.

 

"نجلاء اللوكس".. والباشا!

 

ويقول "محمد السيد" رئيس تحرير موقع "حماسنا": إن مجموعة من شباب الإخوان ممن تعرضوا للضرب على يد هؤلاء البلطجية الذين قيل إنه تم استئجارهم لضرب مؤيدي وأنصار الإخوان في الانتخابات، أعطوه تسجيلا صوتيا لبلطجية جرى تسجيله بالصدفة مع أحدهم في محافظة بورسعيد وهو عائد مخمور في نهاية يوم انتخابي بدون أن يشعر، اعترف فيه (البلطجي) بتفاصيل مهمة عن البلطجية الذين يجري استئجارهم، وجرى الحوار التالي:

الشاب: أنتم كام واحد؟

البلطجي: إحنا مجموعة كبيرة ومعانا "نجلاء اللوكس".

الشاب: مين نجلاء اللوكس؟.

البلطجي: يا باشا فيه حد ما يعرفش نجلاء زعيمة أكبر شبكة .....**!.

الشاب: وأنتم أخدتم كام في مقابل اللي عملتوه لأننا سمعنا بأنكم طحنتم الإخوان!.

البلطجي: 200 جنيه كل واحد فينا، بس نجلاء اللوكس أخدت 500، والباشا (يقصد أمين عام الحزب الوطني في الدائرة) هو اللي سلمها الــ 500 جنيه بنفسه، وقال لها إن دورك أكبر دور في الانتخابات!.

الشاب: يعنى نجلاء أخدت أكتر منكم؟!.

البلطجي: أيوا بس إحنا اتبهدلنا والأهالي هجمت علينا وفيه ناس راحت المستشفى مننا.

الشاب: والعلاج على حساب مين؟.

البلطجي: إحنا هددناهم والباشا راح بنفسه دفع مصاريف العلاج في المستشفى (آل سليمان).

ولا يتوقف الأمر عند "نجلاء اللوكس" في محافظة بورسعيد، بل امتد إلى معظم المحافظات المصرية وبين يوم وليلة أصبح البلطجي "عملة نادرة" في موسم الانتخابات.

وينقل "محمد السيد" عن (م.عادل) أحد شباب الإخوان المسلمين بالقاهرة قوله: إنه لم يصدر أي رد فعل من الإخوان تجاه بعض تحرشات البلطجية خلال جولة البداية للمرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية، و"لكن خلال جولة الإعادة قررنا الدفاع عن أنفسنا فشكلنا "فرق ردع بمقرات المرشحين" لمواجهة البلطجية دون استخدام الآلات الحادة حتى لو كانوا هم يستخدمونها.

السيدة شر الطريق!

 

شر الطريق 

 

‏‏وتعتبر السيدة "شر‏ ‏الطريق" -كما يسميها البلطجية-‏ ‏أشهر‏ ‏بلطجية‏ ‏حريمي‏ ‏في‏ ‏منطقة‏ ‏"الجيارة"‏ ‏بمصر‏ ‏القديمة‏ ‏بالقاهرة، و‏اسمها‏ ‏الحقيقي‏ "كيداهم". ولكنها تنفي أنها تمارس البلطجة من أجل الشر، حيث تشرح عملها بالقول‏ :‏"وظيفتنا‏ ‏هي‏ ‏إعادة‏ ‏الحق‏ ‏لأصحابه؛ ‏فالزبون‏ ‏يأتي‏ ‏إلينا‏ ‏لندافع‏ ‏عنه‏ ‏فيكون‏ ‏مثلا‏ ‏أحد‏ ‏النصابين‏ ‏أعطاه‏ ‏شيكا‏ ‏بدون‏ ‏رصيد‏ ‏ولإعادته‏ ‏إليه‏ ‏يستأجرنا‏ ‏نحن، ‏ولذلك‏ ‏فإن‏ ‏دورنا‏ ‏مهم‏ ‏جدا".

‏وعن‏ ‏سبب‏ ‏احترافها‏ ‏لأعمال‏ ‏البلطجة‏،‏ ‏تقول‏ "‏شر‏ ‏الطريق"‏: ‏لقد‏ ‏ظلمني‏ ‏الرجال‏ ‏فما‏ ‏إن‏ ‏يروني‏ ‏حتى‏ ‏يقولوا‏ ‏لي إن‏ ‏شكلي يقطع‏ ‏الخميرة‏ ‏من‏ ‏البيت"، ‏وعندما‏ ‏تزوجت‏ ‏من‏ ‏عاطل‏ ‏طلقني‏ ‏بعد ‏الزفاف‏ ‏بأيام؛ ‏"لأنني‏ ‏قمت‏ ‏بعضه‏ ‏العضة‏ ‏القاضية‏"، ‏ومن‏ ‏وقتها‏ ‏قررت‏ أن أنتقم‏ ‏من‏ ‏"كل‏ ‏جنس‏ ‏الرجال‏"، وتقول إنها وجدت‏ ‏في‏ ‏وظيفة‏ ‏الفتوة‏ نفسها، وهي أيضا "‏مصدر‏ ‏رزقي".

 

محاكم متنقلة!

 

أما‏ ‏"سكسكة‏ المفترية" ‏فالويل‏ ‏كل‏ ‏الويل‏ ‏لمن‏ ‏يقع‏ ‏تحت‏ ‏يديها. ‏و‏تقول: ‏"بنحصر‏ ‏عملنا‏ ‏في‏ ‏تأديب‏ ‏الظالمين‏، ‏أي إننا‏ ‏محكمة‏ ‏تصدر‏ ‏حكمها‏ ‏وتنفذه‏ ‏سريعا‏ ‏بدلا‏ ‏من‏ ‏مماطلة‏ ‏المحاكم‏ ‏العادية‏ ‏التي‏ ‏يتوه‏ ‏فيها‏ ‏المواطنون‏، ‏فمثلا‏ ‏قد‏ ‏يطلب‏ ‏منا‏ ‏شخص‏ ‏تأديب‏ ‏جار‏ ‏له‏ ‏لا يراعي‏ ‏حرمة‏ ‏الجيرة‏ ‏ويؤذيه‏ ‏أو‏ ‏الانتقام‏ ‏من‏ ‏زوج‏ ‏مفتر‏ ‏يتجنى‏ ‏على‏ ‏زوجته‏ ‏ويعذبها‏ ‏دون‏ ‏داع‏".‏

وهناك أيضا‏ -كما يؤكد محمد السيد رئيس تحرير "حماسنا"- "‏مجانص‏ ‏الدهل" ‏التي تقول إنها منذ أن‏ ‏دخلت‏ ‏السجن‏ ‏في‏ ‏قضية‏ ‏مشاجرة‏ ‏أفضت‏ ‏إلى ‏موت‏ ‏وهي‏ ‏تحترف‏ ‏مهنة‏ ‏البلطجة‏ ‏أو ‏الفتونة‏ ‏كما‏ ‏تحب أن‏ ‏نناديها‏ ‏"من‏ ‏أجل‏ ‏الخير"‏ ‏وفعله؛‏ ‏ولذلك‏ ‏فهي‏ ‏تلتزم‏ ‏بالتسعيرة‏ ‏الرسمية‏ ‏التي ‏أعلنتها‏ ‏رابطة‏ ‏البلطجيات‏ ‏الحريمي‏. ‏وتأتي‏ ‏الأسعار‏ ‏كالتالي: ‏"ردح‏ 800 ‏جنيه‏، ‏ردح‏ + ‏قلة‏ ‏أدب 1600 ‏جنيه‏، ‏فضيحة‏ ‏بجلاجل‏ 3000، ‏فضيحة‏ ‏بدون‏ ‏جلاجل‏ 2500 ‏جنيه‏، ‏هتك‏ ‏عرض‏ 5000 ‏جنيه‏".

وأخيرا هناك الأخت "‏مهبولة‏ ‏الشوارع‏" -وهذا‏ هو اسمها‏- وهي من ‏أشهر‏ ‏البلطجيات التي‏ ‏تتميز‏ ‏باستعمال‏ ‏المطواة‏ ‏قرن‏ ‏الغزال‏ ‏وتتقن‏ ‏رياضة‏ ‏الكونغو‏ ‏فو‏ ‏أيضا‏، كما يقول محمد السيد.

 

أصل كلمة "بلطجي"!

 

وتقول المعاجم إن كلمة (بلطجي) التي انتشرت على نطاق واسع في مصر منذ بدء الانتخابات البرلمانية، لها أصل تركي من كلمة "بلطه" أو "حامل البلطة" الذي يكسر الأشجار.

ويقول "سامح فرج" مؤلف معجم (فرج للعامية المصرية والتعبيرات الشعبية للصناع والحرفيين المصريين في النصف الثاني من القرن العشرين): إنه في عهد الدولة العثمانية كان الجنود "البلطجية" -بمعني حاملي البلطة- يتقدمون القوات الغازية يقطعون الأشجار بالبلط ويشقون طريقا أمام القوات المتقدمة.

ويضيف: "ولم تكن كلمة بلطجي تحمل معاني سيئة.. وفي عهد محمد علي والي مصر كانت قوات البلطجية موجودة في الجيش المصري، ولكن في الثلث الأول من القرن العشرين أصبحت كلمة بلطجي صفة سيئة وتعني الشخص المستهتر المعتدي حتى وصل الأمر لصدور قانون مصري في السنوات القليلة الماضية لمكافحة أعمال البلطجة وترويع الآمنين".