كوبونات الـ"سي أي إيه" الكاش والصحافة "الحرة"

 

 

 

بقلم :ناصر السهلي

 

قبل سنوات ، ليست بالقليلة ، راجت فكرة  قيل بشأنها الكثير عن العلاقة بين خطة أمريكية دعائية مرافقة للمشروع الامريكي المعلن في المنطقة. البعض عزاها تارة لفكرة مسبقة عن "نظرية المؤامرة" والبعض الآخر نسبها إلى ضآلة الحجم العربي "الذي لا يستحق كل هذا العناء الامريكي"، وبين هذه وتلك لا يمكن  القفز عما حملته الأيام الأخيرة من شراء الاحتلال الامريكي في بغداد لأقلام وربما صحف لاستخدامها كأدوات دعائية لتجميل الوجه القبيح للاحتلال...

دعونا نقول بأن بعض الصحف والمواقع التي تنشر لنا ربما لا يعجبها وصف " القبيح "، وهذا عائد لهؤلاء، لكن الحقيقة لا تملك إلا ذاتها مهما إدعى معارضوها... إذ أن هؤلاء الذين يعيشون في حماية ترسانة إعلامية نفسية مرافقة لحماية عسكرية بالترغيب والترهيب تحت بند مكافحة "الارهاب" والتحريض عليه لا يمكنهم نفي بعض الحقائق التي تم تداولها على مدى سنوات ...

فكما يمكنك شراء بلطجية سياسية إنتخابية يمكنك في عالمنا العربي شراء ما تحتاج بما فيه "مواقع" وصحف تهز وسطها في سهرات أنس خاصة جدا تستثني وبخبث ولؤم ما لا يتوافق وقراءة مشايخ الاعلام لما يجب أن يكون عليه...

لقد أثبت برنامج البحث عن المتنبي مدى حاجتنا للتحرر من هذا القرف الذي يهز وسطه تحت مسميات مختلفة، فتجري عملية منظمة ومدفوعة الاجر ليكون لدينا مخلوقا عربيا مسخا منقطع حتى عن واقعه.. ولست هنا في وارد الحديث عن مظاهر هز الوسط الاعلامي لذي تمارسه هذه العاصمة وتلك بقدر الحديث عن الهز الذي وصل حد الكذب الجمعي في إدعاءات الحرية التي يدعيها إعلامنا الذي لم يواكب ما يجري في ضواحي عواصمنا تلك فما بالك بما يجري في أطراف ما يسموه "القرية الكونية"..

 

المثل الساطع على محاولات خلق هذا الكائن المسخ يكمن في تلك الاموال المرصودة منذ مدة لكي تتظافر الجهود الفكرية والاعلامية في قمع الصوت المختلف، فقصة "كوبونات النفط" التي ظل يكذب بشأنها جوقة من مدعي السياسة من أمثال الجلبي وعلاوي وغيرهما بالمئات أخفت حقيقة أخرى وهي تلك التي لا يمكن نفيها طالما أن الوقائع والدلائل تتحدث عن وقوعها وباعتراف أمريكي وليس على طريقة التهم التي مارسها من يدور في الفلك الاعلامي "العولمي" الأمريكي...

 

كوبونات أمريكية "كاش موني"

 

بعد أن وصلت فكرة خلق صحافة "حرة" في زمن "الحرية الامريكية" في عواصمنا إلى حالة نمت فيها مثل الفطر تلك الجرائد التي يكون لعين السياسي دورا ثاقبا في مراقبة كل حرف تأتي عليه ، فإن إنكشاف أن يكون مستر نيغروبونتي أو زلماي "عبد الحسين كاظم" أو " رمح صدفة" حتى يبدو الاسم "عربيا" فلا نشك بأن تلك المقالات والدراسات إلا عربية صادرة عن عقل عربي.... ولنصدق ولو لمرة واحدة بأن المسألة ليست تجري فقط في بغداد... بل هي تتسع على الصعيد المرئي والمسموع والمكتوب لتشمل إقناع الناس عنوة بصحة السياسة الامريكية..

وكما فاحت رائحة الكوبونات من أوسلو شمالا مرورا ببياريس ولندن وبيروت وليس إنتهاءا ببغداد فإن كوبونات الأمريكي ليست جديدة...

 

إن مجمع راندون الذي يعرفه تمام المعرفة "جيش الكذابين" حصل قبل سنوات على أكثر من 23 مليون دولار لتعاقده مع السي اي ايه لمدة عام من أجل إيجاد اسم يتم من خلاله تعيين تحالف 19 منظمة عراقية وكردية حيث وعلى ذمة آي بي سي كان مكلفا" بجمع المعلومات ونشر الدعاية وتجنيد المنشقين عن النظام العراقي"...

تلك الدفوعات "الكاش" لم تأتي من شخصية مجهولة بل من جيمس وولسي الذي إتفق مع أحمد الجلبي لصرف تلك النقود مناصفة مع البرزاني لبث دعاية ونشر معلومات كاذبة تجذب المنشقين إلى الشمال العراقي...

ففي مؤتمر فيينا في يونيو 1992 ترأس الجلبي اللجنة التنفيذية بمباركة مكتب يديره فرانسيس بروك ممثل مجمع راندون...

بل إن إياد علاوي إتفق مع أم أي 6 على إنشاء فيدرالية تسمى "الاتفاق الوطني العراقي...

لقد تم تخصيص 97 مليون دولار في زمن كلينتون لما كان يسمى "المجلس الوطني العراقي" لكي يتم شراء البعض باسم "المعارضة" وتقديم جملة من الشواهد الكاذبة إعلاميا وسياسيا لتبرير الغزو الامريكي اللاحق..

 

المشاهد الاعلامية التي تعج بها أرصفة بغداد حملت لنا ما يشبه اليقين بأن هؤلاء الذين إرتضوا لأنفسهم كل هذا الذل والهوان في ظل إحتلال أمريكي يُطلقون عليه "قوات التحالف" أو "القوات المتعددة الجنسيات" غصبا عن الحقيقة إنما هم من النوع الذي يبحث له عن صناعة زمن آخر يكون فيه الكذب والتزوير أداة والنتيجة تشويها كليا للعقل... فماذا يعني غير ذلك اذا كانت ترضى لنفسها أدوات إعلامية، تقول بأنها لا تشبه أدوات إعلام النظم العربية ، التحول إلى أدوات تجميلية لزمن مُتخيل في عقل من أتى بالاحتلال؟

 

إن قصة "الكوبونات" التي إخترعتها العقول الحالمة بتشويه العقول والحقيقة ترتضي لنفسها وباعتراف السي اي ايه والبنتاغون أن تكون أدوات رخيصة يدفع فيها الامريكي لكل من يتجند في بث فكره التدميري وتصوير الواقع عكس ما هو عليه... ولا نشك إطلاقا بأن هذا العصر الذي نعيشه هو بالفعل عصر الفضيحة للعقل الجمعي الذي يقبل كل تلك الممارسات بصمت وقبول...

 

هاهي "الكوبونات" الأمريكية تهطل كالمطر على هؤلاء الذين إدعوا بأنهم مجرد أتقياء في خدمة شعبهم فنجدهم يعتاشون على موائد لي ذراع الحقيقة والاستمرار في درس العار الذي يسطرونه كلاما وصوتا وصورة في ظلال المارينز والسي اي ايه التي تقرر لهم ما يكقولون وما يفكرون على طريقة "يس سير" التي نتذكرها في القبل الحميمة من بحر العلوم وسخافة إهداء الحكيم لكولن باول نسخة من القرآن الكريم... والواقع يكذب كل ما ذهبوا إليه من محاولات تجميل فاشلة فشلا ذريعا...

فإذا كانت حرية الاعلام تعني بث على الهواء لتعزيز الطائفية والمذهبية وكيل التهم لكل العرب لأنهم لم يصدقوا كذبهم فبئس حرية تلك... ولمن دواعي الشفقة رؤيتك لذلك المذيع الذي يستنطق أحدهم ليزيد من اللعن والسباب والشتائم لكل من لا ينتمي للمذهب... والمديح لكل فعل يأتي عليه الاحتلال وزباينته الذين يختبئون وراء متاريس المنطقة الخضراء... نعم لمن دواعي الشفقة أن ترى "كاتبا" و"إعلاميا" لا يجيد في كل مقابلة إلا الصراخ واطلاق بوق لوحة بكائية وكل أنواع البصاق الذي يصيب كل المشاهدين الذين يلعنون الساعة التي قلبوا فيها إبرة التلفاز على تلك المحطة...

 

لقد فهم إخواننا بأن حرية الإعلام هي في صورة عراك الديوك والحط من قيمة المقابل ... بل فهموها على أنها تبيح كل خروج عن أدب وأخلاقيات المهنة فلا هم كسبوا مهنة ولا هم أظهروا أخلاقا، بل كسبوا مثل غيرهم من المدعيين للبطولة والثورية المزيد من تأصيل الضياع والتشتت الممارس من أوسلو وهولندا ولندن مرورا بكوبنهاغن وبرلين ووصولا إلى بغداد حيث كل جاء ولم يجد له عملا صار محللا وإعلاميا ومثقفا من الدرجة الأولى ينتظر آخر الشهر ليتلقى راتبه وإلا فينظم له مظاهرة للحصول على راتبه على أعتاب ذيول الاحتلال وهكذا تجد المشهد يعج بالكثير من الفضائيات العنترية والطائفية والكثير من الصحف التي تبث سمومها فيتلوث البصر والعقل ... واللسان... وتنحدر الكلمة إلى مستوى دعائي بروباغاندي يشبه إلى حد بعيد دعائية المهزوم والخاسر الذي يريد أن يقنع نفسه زورا بأنه على وشك الانتصار... إنهم هم الذين يتحزمون ليل نهار ليهزوا وسطهم طربا على دك مدنهم وقتل إنسانهم وإذلاله في المعتقلات تحت مبرر واحد ووحيد: صدام فعلها أيضا!

 

ولا أريد أن أصل إلى نتيجة لأقول بأن بعض الاعلام العربي الشبيه بذاك المصطنع في بغداد، مستثنى منه المهني والحقيقي الذي يدفع ثمن رفضه للمذهبية والمناطقية والحجر على الرأي الآخر، بات يمارس ستربتيزا إعلاميا يجيد الكشف عن قبح التلاعب بالالفاظ والتعابير والابحار حسب ما تشتهي رياح البنتاغون وأولياء النعمة الذين يجلسون فوق خوازيق تسمى "إمبراطوريات إعلامية" لا يتعدى تأثيرها حدود المدينة التي تصنع فيها بدليل أنك لن تجد لها مصداقية عند أكثر المتابعين العرب فما بالنا بالمتابعين غير العرب الذين يضحكون من كم التخلف والجبن الذي تمارسه في ستربتيزها الاعلامي المرتجف مع كل خبر يزعج البيت الابيض... لكن الحقيقة تقول بأننا نكاد نصل إلى هذا المستوى الرخيص من العرض البائس والمأساوي الذي أوصلتنا إليه عقليات مشوهة تعتاش على كوبونات "كاش موني" الأمريكية.... وهزي يا "حرية"..هزي...