نعم للقنبلة النووية الإسرائيلية، ولا للإسلامية

 

 

 

بقلم :د. فايز صلاح أبو شمالة

 

مات العرب، أو هكذا تتعامل معهم إسرائيل، بعد أن دفنت جثثهم في تراب الاتفاقيات، والمواثيق، وهالت على نخوتهم وعزتهم رمل الخوف والفزع، مات العرب واطمأنت الدولة العبرية على عدم حراكهم في القبور،  فلا داعي لأن تخشى إسرائيل بعد اليوم منهم أحداً؛ لا من دول المشرق العربي ولا دول المغرب، لا دول النفط ولا دول القحط، لا دول المواجهة ولا دول الانفتاح والسياحة، لا دول الصمود والتصدي ولا دول الاستكانة والتردي، لقد حسمت الدولة العبرية معركتها مع أمة العرب في كافة المجالات، وفق المخطط الإسرائيلي المنظم والدقيق، الذي لم يبق أمة العرب ضمن مجال الاهتمام الإسرائيلي العسكري، والتحسب المستقبلي لأمنها ـ رغم ما تروج له في الفترة الأخيرة عن وجود صواريخ في سوريا بعيدة المدى ـ  لقد تجلى ذلك الاطمئنان الإسرائيلي للعرب من خلال تركهم وشأنهم العسكري، وعدم الالتفات لما يجري عندهم، والمتابعة والملاحقة الإسرائيلية  للملف النووي الإيراني، ومن قبله الملف النووي الباكستاني.

إن حالة الاطمئنان من أمة العرب هي التي دفعت إسرائيل إلى  توسيع مداها الحيوي، وتطلعها يميناً شمالاً للبحث عن أعداء محتملين، أو منافسين يمكن أن يكونوا قادرين على تشكيل حجر عثرة أمام تواصل توسع مشروعها الاستيطاني الذي يتجاوز مساحة الأرض المقامة عليها الدولة العبرية، إلى مساحة في عقول الشرق ونفوس سكانه، وإلى حصة الأسد في موارده وثرواته، لقد نجحت اليد الإسرائيلية في الوصول إلى كل مكان من بلاد العرب، والعبث في الجيوب دون عناء، وهي تبات مطمئنة من طرف دول الطوق العربي، وتنام ليلها الطويل دون خشية دول المواجهة العربية مع إسرائيل، وتسترخي بدلالها بعد أن تبعثرت دول الصمود والتصدي، ورسخت إسرائيل مشروعها الاستيطاني، وتقف عزيزة مهابة قوية بعد فشل تحقيق مشروع الأمة العربية الواحدة، ولو شعرت إسرائيل للحظة واحدة بأن العرب يشكلون بعض خطرٍ عليها لما تجرأت على فتح جبهة جديدة من الأعداء المحتملين، الأبعد مدى، والأشد خطراً عليها.

بعد نجاح الدبلوماسية الإسرائيلية، والعسكرية الأمريكية في تكبيل يد القنبلة النووية الإسلامية في الباكستان، وتفكيك فاعليتها، وإنهاء خدماتها، وقدرتها، وتأثيرها على أحداث الشرق، لم يبق أمام إسرائيل غير مشروع القنبلة النووية الإسلامية في إيران، بل العمل على عدم تواجدها مهما كلف الأمر، وذلك لسببين، الأول: أن إيران دولة شرق أوسطية، يمكن أن تقف في وجه التوسع، والتمدد الإسرائيلي الذي أزاح كل عتلة عربية، والسبب الثاني وهو الأهم: أن إيران دولة إسلامية، لها أيديولوجيتها، وعقيدتها، التي تختلف عن عقيدة وأيديولوجية الدولة العبرية، بل وتتعارض معها في كثير من القضايا المصيرية إلى أبعد حد، وهذا ما لا تغفل عنه السياسة الإسرائيلية، وما لا تنساه.

 لقد تكشف هذا العداء الكامن بالحملة الدولية المسعورة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على المفاعل النووي الإيراني، متجاهلين عن قصد القدرة النووية الإسرائيلية، بل مستجيبين لرغبة الدولة العبرية التي لعبت دور المحرك لهذه الحملة دون حياء، وما زالت تعلن عن موقفها هذا، وتعرب عن استعدادها لأن تقوم بالدور ذاته، وأكثر، على الطريقة الإسرائيلية، تحسباً لخطر قادم يهدد كيانها، وهذا ما عكسته جملة من التصريحات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة، وكأن تصريحات قادة إسرائيل تواكب الأحداث، وتصنعها في الحين ذاته، إن لم تعمل على تسخينها، وتحريك الجمر في مواقدها، لذا لا يبدو غريباً تصريح رئيس وزراء إسرائيل (أرئيل شارون) عندما قال بوضوح يوم 4/12/2005: "لا يمكن لإسرائيل أن تسلم بوجود دولة إيران نووية"  ولكن الغريب في الأمر أن يتلوه في نفس اليوم تصريح رئيس وزراء إسرائيل السابق (بنيامين نتانياهو) الذي أكد على ضرورة أن تقوم إسرائيل بخطوات جريئة وشجاعة، والعمل ضد مفاعل إيران النووي مثلما فعل (مناحيم بيجن) سنة 1980 ضد مفاعل العراق النووي، إن التهديد النووي الإيراني هو تهديد للوجود الإسرائيلي برمته، وأعلن أنه يصطف خلف رئيس الوزراء شارون، متناسياً ما بينهما من خلاف حزبي، وثم يجيء تصريح رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي (دان حالوتس) في نفس اليوم ليؤكد أن الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى إقناع إيران بتفكيك مفاعلها النووي غير مجدية، والمجدي هو العمل الميداني، ولكنه لم يحدد متى وكيف، وهو يضيف: أن الإيرانيين مصممون على تطوير قدراتهم النووية،  وكان قد سبق الجميع (أهارون زئيفي فركش) رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية الذي حدد شهر مارس 2006 كموعد نهائي للجهود الدبلوماسية لإقناع إيران بتدمير مفاعلها النووي، وإلا بعد ذلك التاريخ لن تجدي الجهود الدبلوماسية، إذ ستبدأ إيران مرحلة التخصيب النووي.

وبغض النظر عن اللقاء الذي تم قبل أسبوع بين ممثلين أمريكيين وإسرائيليين على مستوى عالٍ لمناقشة الوسائل الدبلوماسية الفاعلة لإحباط المخطط  النووي الإيراني، فإن ما تعكسه تصريحات  ثلاثة من كبار المسئولين السياسيين والعسكريين في دولة إسرائيل في يوم واحد، لا يمكن النظر إليها من الزاوية الدعائية، أو الإعلامية، أو الدبلوماسية المحركة فقط، أو تعكس أزمة داخل الحكومة الإسرائيلية كما وصف ذلك ( حميد رزا أسفي) المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بل إنها تصريحات إسرائيلية مسئولة تعكس حقيقة قلق الدولة مما يحدث من تطور عسكري على أرض إيران، ولا تكتفي فيه إسرائيل بالوقوف عند حد المراقبة والاهتمام بما يدور هناك، وإنما النية الجدية الإسرائيلية للعمل دون تطور المشروع الإيراني النووي، والسعي إلى تدميره، أي بمعنى آخر؛ إلحاق إيران بالمنظومة العربية الإسلامية التي بايعت دولة إسرائيل على أنها القوة العسكرية الوحيدة في المنطقة، ومن ثم مبايعتها على أنها القوة السياسية والاقتصادية الأولى، وبعد ذلك التسليم لها بكل مناحي الحياة العلمية، والثقافية والفكرية، قبل أن تؤثر اجتماعياً على كل شاردة وواردة في المشرق.

ما يتميز به اليهود عن غيرهم هو حفظهم للتاريخ اليهودي، وتناوله عبر الأجيال بالدرس والموعظة، والتاريخ اليهودي يؤكد أن الخطر الذي هدد دولتهم، ودمرها، وأزالها عن الوجود مرتين لم يأت من دول الجوار المتناثرة، ولم يكن نتيجة لصراع محلي، إنما قد جاء من البعيد، عندما اصطدمت مصالح اليهود مع إمبراطورية الشرق الممثلة في دولة بابل مرة، وعندما اصطدمت مصالح اليهود مع إمبراطورية الغرب الممثلة في دولة روما مرة ثانية.