قراءة فى المشهد الانتخابى المصرى

 

 

 

 

بقلم : طلعت باشا

          جامعة يوتا- الولايات المتحدة

 

أبرزت نتائج المرحلتين الأولى و الثانية من الانتخابات البرلمانية المصرية عدة علامات فارقة فى الحياة السياسية المصرية. أولى هذه العلامات هى أن الخاسرالأكبر حتى الآن هو الحزب الوطنى الحاكم، و عندما أقول الخاسر أعنى الخاسر سياسيا و شعبياً و ليس بحساب عدد المقاعد التى حققها ( خاصة بعد سعيه لضم من فاز من المستقلين) وفى الاتجاه المقابل فإن الفائز الأكبر سياسيا و شعبيا أيضاً هو جماعة "الاخوان المسلمون".

 

فعدد المقاعد التى كسبها الوطنى حتى الان( قبل المرحلة الثالثة) ودون حساب المستقلين الذين يسعى الوطنى لضمهم هو( 67 المرحلة الأولى و 6 الرحلة الثانية)  مقابل ( 47المرحلة الأولى و 29 الرحلة الثانية)  لـ"الاخوان المسلمون". ناهيك عن عمليات التزوير و البلطجة التى أدت الى إنجاح مرشح الوطنى على حساب مرشح "الاخوان المسلمون" ( راجع ما نشر عن دوائر مدينة نصر/ مصر الجديدة، الدقى و بندر دمنهور/ زاوية غزال) والتى لولاها لتضاعفت مقاعد "الاخوان المسلمون" و تضاءلت مكاسب الوطنى، و الدلالة الأولى هنا هى أن الحزب الوطنى قائم فى الحياة السياسية المصرية المعاصرة فقط لأنه "حزب الحكومة" و معه قوات الأمن و المخابرات و الاعلام وأكثر من هذا انه حزب الرئيس الحالى لمصر وغالب ظنى أنه لو تخلى الرئيس مبارك عن ولاءه و انتماءه للوطنى لما كسب هذا الحزب أية مقاعد، أى اننا أمام حزب من ورق قائم على مبدأ السلطة الغاشمة المغتصبة للسلطة المستخدمة لكل ماهو غير قانونى و غير أخلاقى للبقاء فى السلطة. ان الوطنى ليس له اى برنامج عملى فعلى قادر على أن يكسب ولاء الجماهير المتعطشة لنسيم الحرية بل المتشوقة " للإحساس بالآدمية" ودعونا من الشعارات الكاذبة و التصريحات الجوفاء عن الاصلاح ، تلك التصريحات التى يعلم ناطقوها قبل سامعيها أنها "سراب" و ماهى الا للاستهلاك المحلى و الاعلامى و قد خبر الناخب المصرى هذا حقاً فلم يخدع هذه المرة و عندما أعطيت له جزء من فرصة للتعبير عن رأيه نفض عن ثيابه تراب الحزب الوطنى. فليس لدى الوطنى أية برامج للاصلاح الحقيقى الذى يمكنه من اكتساب ثقة الناخب المصرى.

 

ثانى العلامات فى المشهد هى أداء الأحزاب المسماه بالمعارضة و نتائجها الهزيلة (مقعدين فقط للتجمع فى المرحلة الاولى و سقوط جميع مرشحيه المخضرمين فى المرحلة الثانية)  بل المثيرة للتساؤل عما اذا كانت هذه الاحزاب موجودة فعلا فى الحياة السياسية أم هى أسماء على ورق لاعطاء شكل وردى للحكومة المصرية التى طالما صدعت رؤوسنا بالكلام عن التعددية الحزبية، أى ان هذه الأحزاب  " للديكور فقط". إن نتائج الانتخابات حتى الآن تؤكد هذا التساؤل و الدلالة الوحيدة المهمة هنا هى أن " الحياة الساسية الحقيقية فى مصر فى حالة " موت دماغى" مند أمد بعيد".

 

و السقوط الهائل للمعارضة له دلالتين مهمتين: الأولى وهى ملخص ماقلت آنفاً  أن هذه الأحزاب ليس لهل وجود حقيقى فعلى فى الشارع المصرى ( انظر الى سقوط رئيس حزب التجمع فى دائرة كفر شكر، مسقط رأسه) و ليس لها ، مثل الحزب الوطنى، برنامج وطنى للاصلاح سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى  يمكن ان يكسب ثقة الناخب، والدلالة الثانية هى أن الحزب الحاكم قد " قتل مع سبق الاصرار" الحياة السياسية النظيفة القائمة على " الرأى و الرأى الاخر" فلم يعد هناك وجود سياسى شكلى الا للحزب الوطنى وبقية الأحزاب ك " الأطرش فى الزفة".

 

المثير فى الأمر فعلا أن هذه الأحزاب التى ليس لديها برنامج عملى للاصلاح ( المعارضة) أو تلك التى لها برامج أدت الى خراب داخلى و خارجى ( الوطنى) ، أقول هذه الأحزاب ما تفتأ تتنكر لجماعة مثل "الاخوان المسلمون" و تتهمها بأنها ليس لديها برنامج عملى، و قد ظهر صفوت الشريف على أحدى الفضائيات ساخراً و مستهزأ    بالفوز الحقيقى و ليس المزور الذى حققته جماعة "الاخوان المسلمون"  بأنهم " لن يستطيعوا أن يديروا البلد" و لسان حاله يقول " ماأرى لكم ياأهل مصر من مصلح أو حاكم غيرى".

 

ننتهى اذن الى أن احزاب المعارضة اما أحزاب تعيش على أطلال الماضى " الوفد" أو على أطلال الشخصيات التاريخية " التجمع" أو حزب جديد " الغد" الدى هو وليد الأمس و مدعوم غربيأ أو أمريكيا على الأقل و هو يعدنا بغد أكثر ليبرالية.

 

العلامة الثالثة هى أن أصوات الناخبين المصريين توزعت أساساً بين المستقلين و "الاخوان المسلمون" {المحظورة حكومياً}، أما من فازوا من الوطنى فهم اما لأنهم كأشخاص محبوبون و لهم شعبية فى دوائرهم و هذه الشعبية ليست قائمة على انتمائهم الحزبى أساسا أو أن التدخل الأمنى السافر و التزوير الفج الذى أثبتته شهادة الشهود ( المستشارة الدكتورة نهى الزينى و ما يربو على 100 قاض آخرين) قد آل الى فوزهم بـ " كرسى" فى المجلس القادم.( راجع ما نشر عن نتائج دوائر الدقى و مدينة نصر و مصر الجديدة و بندر دمنهور وزاوية غزال)

 

العلامة الرابعة و هى مغزى سقوط الرموز الحزبية و الكبيرة حكوميا واعلاميا ( و ليس شعبياً) و سوف أتحدث هنا عن " رمزين" فقط وهما خالد محى الدين( رئيس حزب التجمع و عضو مجلس قيادة الثورة وأحد الضباط الأحرار) و يوسف والى ( الوزير السابق و نائب رئيس الحزب الوطنى). إن سقوط مرشحين بحجم والى و محى الدين هو رسوب حقيقى ( و أقول حقيقى وأعنى أن المرشح قد حصل عل أصوات أقل بكثير من منافسه فى كلا الجولتين) لاسباب منها: الأول أن السقوط جاء أمام شباب يدخل الانتخابات لأول مرة وأغلب ظنى أن جمهرة الناخبين فى الدوائر المعنية  لم يكونوا يسمعوا بهم قبل الدعاية الانتخابية فمحى الدين سقط أمام تيمور عبد الغنى و هو محاسب بنقابة الأطباء و لا اعرف ان له عمل سياسى عام ووالى سقط أمام الدكتور / حسن يوسف. ثانياً، إن السقوط أمام هذه الأسماء المغمورة اعلاميا يعنى أن الناس قد نفضوا أيديهم من الحزب الوطنى و التجمع على المستوى الشخصى و الحزبى وأعطوا أصواتهم لاتجاه جديد نسبيأ فى الشارع المصرى ( وأنا أقول جديد  وأعنى بالنسبة لعوام جمهور الناخبين والا فتاريخ الاخوان فى العمل السياسى النقابى و غيره لا ينكره أحد). و معنى هذا أن فوز "الاخوان المسلمون" ارتكز بالأساس على مبادئ وتوجهات وليس على أشخاص و هذا فى حد ذاته ذو دلالة مهمة جداً وهى أن "الاخوان المسلمون" من التنظيم و التخطيط و الذكاء السياسى بمكان أتاح لهم كسب ثقة  رجل الشارع قبل المثقف.

 

و المتابع لأخبار الانتخابات فى الصحف الرسمية يعجب من كيفية الاشارة الى نجاح "الاخوان المسلمون" فى جريدة مثل الأهرام حيث دأبت على الاشارة اليهم ب " التيار الدينى" او المستقلين و لم تذكر الاسم الذى دخل هؤلاء المرشحون تحته وهو "الاخوان المسلمون" ، ولعل أحدهم يسارع بالقول بأن هذه جماعة محظورة وهذا هو الموقف الحكومى الرسمى الى الان . ان الفوز الكبير " الغير متوقع" للاخوان يملى بل يحتم على الحكومة ان كانت حكيمة و رشيدة فعلا ألا تواصل دس رأسها فى التراب كى لاترى القوى الحقيقية فى الشارع المصرى.

 

وهذا الموقف الحكومى من الاخوان يطرح سؤالاً مثيراً و مهما طرحه فعلا الاستاذ فهمى هويدى ( الأهرام 22-11) حيث قال " ... وإذا صح هذا التحليل فإنه يثير أكثر من سؤال وجيه حول مصدر الشرعية ومعاييرها في الخريطة السياسية المصرية‏,‏ وما إذا كانت تلك الشرعية تكتسب من رضي السلطة أم من قبول الجماهير ورضاها‏.‏"  هذا سؤال جدير بأهل الخبرة أن يقدموا لنا اجابة وافية عنه: هل الاخوان أصحاب شرعية لأنهم كسبوا صوت الشارع؟ أم ان التجمع ( مقعدين فقط)  هو صاحب الشرعية لأن الحكومة تقرّه؟