صدام.. والقرآن الكريم!

 

 

بقلم :د. عمر ظاهر

 

لا يختلف اثنان، إلا إذا كان في قلب أحدهما مرض، على عدم شرعية المحاكمة التي يجريها الاحتلال الامريكي الغاشم للرئيس الشرعي للعراق، صدام حسين. وهذا امر يدلي بدلوه فيه المختصون في القانون في العالم كله، مؤكدين عدم الشرعية هذه، ناهيك عن ان كون الاحتلال هو من يجري المحاكمة ينسف الشرعية أصلاً. لا يختلف اثنان في ذلك، بل ان المتابع لجلسات المحاكمة يرى بوضوح ان رئيس المحكمة نفسه، يكاد يعبر بالارتباك، الذي يرتسم على وجهه وهو يجلس قبالة صدام، عما يجول في نفسه من شك وما تعتريه من مشاعر الصغر والضآلة، خاصة عندما يأمره صدام بهيبة الرئيس بأن يأمر الأمريكان لأنه عراقي في بلده بينما هم غرباء ومحتلون وغزاة. يكاد المشاهد يجزم ان رئيس المحكمة هذا سيبلغ في لحظة ما حدود الكفاية من الإهانة بين صدام من جهة وبين المحتلين الذين كلفوه بهذه المهمة القذرة من جهة اخرى، فيلملم اوراقه او يبعثرها ويترك القاعة غاضباً ليسترجع بعضاً من كرامته المهدورة.

 

لكن الشرعية والضعف القضائي مجرد جانب واحد من هذه المحاكمة التي يبدو جلياً ان خطط المخططين لها تصطدم بصلابة صدام وبصخرة افتقار المحاكـِمين للعدالة والقيم الاخلاقية. وكما يرى الكثيرون فإن المحاكمة تنقلب ما ان تبدأ الى محاكمة للاحتلال وعملائه الاذلاء. فبينما يقصد الاحتلال الدعاية وكسب ود بعض العراقيين الناقمين على صدام، وفي الوقت نفسه توجيه الإهانة الى ملايين العراقيين والعرب والمسلمين الذين لا يعترفون للمحتل بأي حق في ازاحة او محاكمة او اذلال رئيس اي دولة كائناً من كان، يرى الناس ان المحاكمة تؤدي الى نتائج معكوسة، فقليلون من العراقيين هم من لا يزال حقده الأعمى اكبر من مشاعره الوطنية، وقليلون في العالم من لا يزالون سذجاً فتنطلي عليهم مسرحيات الامريكان الرخيصة، خاصة بعد ان اصبح بوش وبلير وعصابتهما مضرب المثل في الفضائح والانحطاط. وكثيرون هم من صاروا يشعرون بالفخر والاعتزاز بصلابة صدام في هذه المحاكمة المهزلة بدل الشعور بالمذلة، بصرف النظر عما كان بينهم وبين صدام على مدى عقود.

 

إن من لم يستطع تصور الجحيم الذي يدخله بغزو العراق لا يستطيع ان يعرف ان محاكمة صدام تضيف الى فشل الاحتلال فشلاً وتقرب يوم هزيمته النهائية المحتومة. هؤلاء الذين غزوا العراق بعد 13 عاماً من تجويع شعبه وقتل مليوني عراقي كانوا يتوقعون ان يستقبلهم العراقيون بالورود! فليتصور الناس اية عقلية يحملها هؤلاء. وهم لم يأخذوا عبرة مما جرى لهم بعد الغزو فصاروا عند اقتراب كل استفتاء او مسرحية انتخابية يستعرضون ما يعانيه رئيس عربي في اسره ولا يبالون بأنهم بذلك يستعرضون حقدهم على المسلمين واحتقارهم لهم، وهم يظنون انهم بهذا يسخرون منهم ويكسبون رضاهم في الوقت نفسه. فالعقلية هي نفسها وراء الاحتلال ووراء المحاكمة، العقلية الغبيةالتي تبني كل شيء على الاستعراض، استعراض القوة وقياس النصر بعدد الجثث المحروقة والآليات المدمرة والمنشآت المخربة أو بعدد المرات التي يُظهرون فيها رئيساً عربياً بأيدي مقيدة على شاشات التلفزيون امام قضاة اقزام. إنهم غير قادرين على ان يروا وراء ذلك اي شيء. ولو انهم توقفوا لحظة واحدة وفكروا وحللوا عبارة صدام في جلسة الاثنين الثامن والعشرين من تشرين الثاني "ارتقيت السلالم ويداي مقيدتان احمل بهما القرآن" لأدركوا ان الاستعراض قد انقلب الى ضده، تماما كما انقلب اسقاط صدام الى سقوط اخلاقي لبوش وبلير، فقد اصاب صدام بذكره حمله القرآن في يديه المقيدتين بالاصفاد قلوب الملايين في العالم بمن فيهم القاضي الذي لا بد ان مشاعر الخوف والرهبة قد انتابته وستلاحقه طالما هو في موقعه الذي لا يحسد عليه. فصدام يعرف جيداً مكانه في هذه المنازلة الجديدة ويفصح عن ذلك ببلاغة، فتدنيس القرآن الكريم في غوانتانامو وغيرها من الأماكن وقتل الناس في المساجد وحرق الناس بالفسفور الأبيض وتقييد اليدين اللتين تحملان القرآن الكريم، كلها فصول من قصة واحدة، قصة الحرب القائمة على هلوسة بوش ووسوسة شياطينه في تل ابيب.

 

إنهم لا يفهمون نفسية وعقلية هذه الأمة، فالعبارات القليلة ولكن البليغة التي تتاح لصدام قولها في هذه المحاكمة لها في نفوس المسلمين اثر دونه فعل الزلزال. إنهم لم يتمكنوا من كسر ارادته وهو في الأسر، فكيف لهم ان يكسروا ارادة شعبه وهو يقاتل وينتصر؟

 

إنهم لا يدركون مطلقاً ان هذه المهزلة الحاقدة تجري بين ظهراني امة تقدس كتابها المنزّل ولن تغفر لمن يحاول ان يهينه. ولا يدركون الغضب الذي استثاره صدام في نفوس الملايين بما استعرضه من عدم احترام المحتلين الأوباش لليدين اللتين تحملانه. إنهم ربما لا يبالون بذلك او يعتبرونه جزءً من استعراض اهانة العرب والمسلمين، وهذا احد اسرار هزيمتهم لو كانوا يعلمون.

 

إنهم لا يدركون بعد ان صدام قد هزمهم، مرة بمنازلتهم في حرب غير متكافئة ويخسرونها مع ذلك، ومرة اخرى بالظهور في قيودهم ليس كشخص يمثل نظاماً اسقطه الاحتلال وحسب بل كرجل يمثل روح العصر الرافض للهيمنة الامبريالية وكجزء من القطب الاممي الجديد المقابل والمقاوم للامبريالية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. فهل سيفقهون ويتعظون؟