عود على بدء مع فقه الحرمات أو فقه كرامة الانسان

 

 

 

 

 بقلم :الهادي بريك

         ألمانيا

 

أسوق هذا الحديث لنفسي ولكل قارئ كريم بمناسبة دخول أكبر مواسم قدسية كرامة الانسان في الاسلام إمتدادا في الزمان وذلك على مدى ثلاثة أشهر كاملة : ذي القعدة الذي هل هلاله منذ يومين ثم ذي الحجة الذي يختم كل سنة من حياتنا فوق الارض بالحرمة فلا يغادر حتى يسلم راية قدسية تكريم الانسان إلى أول شهر من كل سنة قابلة جديدة أي المحرم الذي لم يرض لنفسه سوى بإرتداء تلك القدسية مبنى فسمي محرما ومعنى فكان شهرا حراما من الاشهر الحرم الاربعة التي أشار إليها أول وأقدم دستور في البشرية يعلن قدسية كرامة الانسان وهو القرآن الكريم في قوله في سورة التوبة " إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ".

 

 

تذكير بمعالم فقه الحرمات أو فقه قدسية كرامة الانسان في الاسلام :

 

كتبت في هذا بحمده سبحانه في مواقع إلكترونية متعددة منذ سنوات منها " نهضة نت وتونس نيوز " وغيرهما ولا بأس من التذكير بذلك بأسرع ما يكون الايجاز والاختصار ومؤداه أن الله سبحانه الذي أنزل الاديان مشفوعة بالرسل والكتب من آدم حتى محمد عليهم السلام جميعا بنى شريعته على دعامتين عظيمتين لا منجأ للناس من العذاب ـ في الدنيا ـ بإنتهاكمها وهما :

 

ــ إخلاص التوحيد للمالك الصانع الخالق المدبر سبحانه وليس ذلك خاصا بالاسلام آخر الديانات بل هو عام " ولقد أرسلنا في كل أمة رسولا : أن أعبدوا الله وإجتنبوا الطاغوت " كما أن ذلك ماض مع رسالة الاسلام الخالدة الناسخة لغيرها المهيمنة على ما سواها بحكم جلبها للبنة الناقصة التي ملأها رسوله عليه السلام وهي لبنة الشريعة المنادية للناس أجمعين " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ".

 

التوحيد الخالص إذن هو الدعامة الاولى التي تجلب للانسان سعادته النفسية وتوازنه العاطفي وتقوم حياته على أساس الاعتدال والوسطية والعمارة والخلافة والعبادة الملبية لحاجة فطرية أصيلة يظل غيابها يعبر عن نفسه بشتى ضروب العنف والارهاب والشذوذ والانتحار البطئ.

 

ــ كرامة الانسان بحكم إحتوائه على نفخة من روح الله سبحانه تكريما لا يمت بصلة إلى لونه ودينه وجنسه ولا إلى سائر الموروثات والمكتسبات فلا يفسر ذلك التكريم سوى بتلك النفخة الرحمانية التي تحرم حتى الظالم أن يقتص منه بأغلظ مما جنى أي تصون كرامته وهو في قفص الاتهام أو في السجن أو يقتل قصاصا من أن ينكل به " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " وقوله " فأعتدوا عليهم بمثل ما إعتدوا عليكم " .

 

لب الاسلام إذن أمران لا ثالث لهما : إخلاص التوحيد لولي نعمة الخلق والرزق وتكريم الانسان مطلقا تكريما يليق بالنفخة الرحمانية التي سرت فيه بعد التسوية من طين لازب . ثابتان عقديان لا يهدمهما سوى منهدم كائنا ما كانت تقواه المزعومة .

 

سعيا من التشريع الاسلامي على حشد عناصر القوة لذينك الثابتين العقديين : التوحيد لله والتكريم للانسان حرم سبحانه الزمان كما حرم المكان . حرم ثلث الزمان أي أربعة أشهر من أصل إثني عشر شهرا تحريما كليا ثم أحاط ما دون ذلك بحواجز تمنع الظلم منها رمضان المعظم وحرم المكان سيما مكان العبادة من مثل مكة والمدينة والاقصى وكل دور العبادة للمسلمين ولغير المسلمين كما ورد ذلك في سورة الحج ومن المكان المحرم كذلك الشؤون الخاصة للانسان من مثل بيته ومسكنه وما يفعله مستترا غير متبرج ولا مريدا لبث فتنة أو تجرؤا على مقدس .

 

فالخلاصة هي إذن أن الاسلام حرم الانسان ـ كل إنسان ـ مطلقا وبالكلية حتى إن الظالم لا يقتص منه سوى بقدر ظلمه وحرم الزمان والمكان من أجل الامعان في تعزيز قدسية حرمة الانسان الذي يتحرك في الزمان وفي المكان لاداء رسالته فوق الارض .

 

كل شئ إذن محرم لاجل ا لانسان ومسخر له لتتعزز قدسية كرامته فلا ينالها إلا مجرم لا يؤود الناس في العادة حجزه ومنعه .

 

تلك هي خلاصة مختصرة لفقه الحرمات في الاسلام وهو الفقه المؤسس لفقه كرامة الانسان أو فقه حقوق الانسان باللغة المعاصرة على أساس أن ذلك ثابت إسلامي مثبت ومفروض وليس منة من ثورة فرنسية ولا من إعلان أمريكي ولا من تقدم للبشرية .

 

 

فلا تظلموا فيهن أنفسكم :

 

إذا كان الظلم ممنوع ممقوت من لدن الاسلام في كل آن وأوان حتى لو توجه لهرة أو كلب أو حشرة بل حتى لو كان في حق مرفق إنساني أصم من مثل ماء أو شجرة أو جبل ... فإن ذلك الظلم يكون أشد ظلما وسوادا وقتامة وأدعى إلى تنزل الانتقام والعذاب ـ في الدنيا ـ لو وقع في الاشهر الحرم الاربعة والتي تأتي ثلاثة أرباع منها متتالية منذ أمس الاول على مدى تسعين يوما كاملة تقريبا .

 

لذلك كان قوله " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " يعني في الاشهر الحرم خاصة . فكيف يكون ذلك ؟

 

لحسن وصحة جواب على ذلك لابد لنا من فقه رسالة الحرمة وليست هي سوى تذكير الناس بقدسية كرامتهم عند ربهم على إختلاف أديانهم ما لم يتورطوا في الظلم إذ أن من شأن الانسان النسيان بحكم الالف والعادة أو جموح أغلب من حوله إلى صنيع ما فكان لابد لذلك التشريع الاسلامي من ذلك التذكير تماما كمن يخط له فسطاطا ثم يصون بعضه بأسلاك شائكة أو يحرسه بكلب حراسة أو ينصب من حوله عسسا وحرسا وشرطا أو يكتب لافتة على بابه تعلن للناس بأن ولوج ذلك الجزء من الفسطاط ممنوع أو أن ذلك يتطلب إذنا أو إلتزاما بشروط محددة . ذلك هو أبدع مثل لمسألة تحريم التشريع الاسلامي لثلث الزمان فرسالة الله هي إذن : ذلك الجزء من الزمان محرم ومصون ومحروس من لدني لا يجوز فيه الاعتداء على الثابت الثاني من الثوابت التي وضعتها لكم وهو ثابت قدسية كرامة الانسان بحال من الاحوال . وهو ما عبر عنه في الحديث الاخر بقوله " ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه " . كما يتخذ الملوك في الدنيا حمى لهم تحرس قصورهم وتصون وجودهم وتحفظه من المتسللين والمشاغبين فإنه سبحانه وله المثل الاعلى إتخذ له وهو ملك الملوك حمى يحمي أكرم وأحسن وأفضل ما ومن خلق وهو الانسان فحرم العدوان عليه مطلقا وكان ذلك التحريم أشد منه تغليظا في الاشهر الحرم ليتفرغ الناس للعبادة سيما أن عبادة الحج التي بسببها كانت تلك المدة تستغرق ثلاثة أشهر كاملة عبادة تتطلب إستعدادا وتأهلا ووقتا وفراغا وتعاونا من لدن كثير من الناس ثم بحكم كون تلك الشعيرة محط ملحظ كل الناس وليست خاصة بالمسلمين مثلا من مثل عبادة الصلاة أو الصيام لذلك قال فيها " ولله على الناس حج البيت " .

 

ظلم الانسان في تلك الاشهر الحرم إذن هو ظلم للنفس وهو معنى آخر يضاف هنا يؤكد على كون البشرية قاطبة من نفس واحدة أي يؤذي كل واحد منها ما يؤذي ا لاخر من عدوان عليه أو على غيره كما يسرها كل فعل خير وصنيع حب لها أو لغيرها .

 

ظلم الانسان في تلك الاشهر الحرم إذن يكون بالعدوان على الانسان المكرم المعلم المسجود له المستخلف ا لمستأمن المسؤول المنفوخ فيه من روح الرحمان سبحانه .

 

 

من أروع مظاهر قدسية كرامة الانسان في الاسلام :

 

ربما أطنبت في ذلك في كراس لي بعنوان " الانسان ذلك المكرم " منشور في بعض المواقع الالكترونية منها الحوار نت والوحدة ولكن بقي مظهر كثيرا ما يغفل عنه الناس وهو أن الله سبحانه لا يتدخل بالمغفرة أو العقاب في المظالم التي تنشأ بين الناس حتى إن الشهيد وهو من هو كبر نفس وعلو  همة لا يغفر له دينه مع الناس حتى يغفر له الناس ذلك ومن ذلك أنه سبحانه ينصب يوم القيامة ميزانين للناس ميزان لحساب الاعمال بين العبد وبين ربه ومظنة الرحمة الربانية هنا كلما غلبت كلما كان العبد بها أولى وأجدر من اليائس القانط وميزان يسمى ميزان المظالم بين الناس يوم القيامة حتى ليقاد ـ لفرط شمول الميزان وعدل ميزانه القسطاس ـ من النعجة القرناء لاختها .

 

ومن أجل ذلك جاء التحذير من الافلاس القيمي يوم القيامة وهو إفلاس يذهب برساميل الايمان والعبادة كلها لو إستغرقت الديون ذلك وليست الديون هنا سوى المظالم التي يطالب بها أصحابها يوم القيامة لتغطية سوآتهم وكسب حسنات .

 

إن ذلك ليعد حقا وصدقا مفخرة من مفاخر التشريع الاسلامي في قدسية كرامة الانسان فلا يغفر سبحانه وهو من هو عز و جل قدرة وعظمة لظالم حتى يغفر له مظلومه .

 

هل ثمة ما هو أرقى من ذلك التكريم وما هو أشد من ذلك الانصاف . لذلك حذر التشريع تحذيرا قاسيا مغلظا من ديون الناس ومظالمهم سواء كانت معنوية ينتمي إليها ما دق من الظنون التي لا تغادر الباطن فلا يعلم بها أحد من الناس أو كانت قولية يتفوه بها اللسان أو كانت جارحة تبطش بها الايدي والارجل ولذلك أيضا جاءت آخر وصية منه عليه السلام قبل موته ذلك الاعلان العالمي الاسلامي لحقوق الانسان بحضرة إثني عشر ألف إنسان مكلف كل واحد منهم بتبليغ تلك الرسالة المدمدمة " أيها الناس إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم وأنفسكم عليكم حرام ...".

 

 

هل تجمد الاشهر الحرم المقاومة المشروعة المفروضة ؟

 

لا حاجة لنا هنا سوى بإعادة التذكير بذات الجواب الذي أجاب به القرآن الكريم في سورة البقرة لما لمز المشركون وغيرهم المسلمين لكونهم تورطوا بزعمهم في قتال من ظلمهم في الاشهر الحرم " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ؟ قل : قتال فيه كبير . وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ".

 

التشديد على قدسية كرامة الانسان في الاشهر الحرم لا يعني سوى أن المعتدي في ذات تلك الاشهر الحرم على الانسان ـ أي إنسان ـ ما يجب تأخير الاقتصاص منه يوما واحدا وليس ذلك سوى لان الانسان أشد كرامة من الزمان المحرم ومن المكان المحرم بل من البيت المحرم ذاته ولابد لنا من إعادة تثقيف أنفسنا مجددا على كون ثابت قدسية كرامة الانسان ـ كل إنسان ـ ثابت يأتي مباشرة بعد ثابت التوحيد الخالص .

 

حق الله هو التوحيد الخالص بحرية لا إكراه فيها لانه هو ولي نعمة الخلق والرزق والمحيا والممات وحق الانسان هو التكريم الخالص لانه هو من حوى النفخة الرحمانية الربانية وهو المستخلف المستأمن المعلم المسخر له كل شئ المسؤول على العمارة والعبادة .

 

 

هلا جعلنا من أطول مدة للزمان المحرم مناسبة لقطع دابر إمتهان كرامة الانسان ؟

 

ثلاثة أشهر كاملة زمن طويل كاف لو تدربنا فيها ثقافة قولة وعملية فردية وجماعية على قدسية كرامة الانسان من المحضن الاسري العائلي الدافئ إلى محضن البلاد الواحدة بكل إختلافاتها وتنوعاتها الدينية والعرقية واللغوية والاجتماعية والسياسية مرورا بمحاضن المهنة والشأن اليومي الذي يجمع الرفيق برفيقه .

 

حري بأهل الوطن الواحد والامة الواحدة والاصل البشري الواحد أن يتذكروا قدسية كرامة الانسان في هذه المدة الزمانية الطويلة نسبيا لعلهم يفيؤون إلى هدى العقل فتنساب عرى الاخوة بينهم تطوي جراحات قديمة غائرة .

 

 

كلمة أخيرة :

 

فقه الحرمات عماد فقه كرامة الانسان وحقوق الانسان في الاسلام دين الانسان موضوع جدير بمزيد من الدرس والنشر الثقافي والتمثل السلوكي وتزيين واجهات الدعوة الاسلامية المعاصرة به فهو سفينة نجاة الحركة الاسلامية المعاصرة من أمواج متلاطمة سوداء من سوء ثقافة لا ترحب بالمسلم الجديد ولا تغري المجاهد العتيد . موضوع جدير بأن يكون لبنة خطاب جديد لحركة إسلامية واعدة مأمول منها أن تملأ الارض عدلا وقسطا وحرية وكرامة . موضوع يجعل حركة الاسلام هي الاعلى وحركة غيره هي السفلى . فهل من ممتشق قلما يبحث ولسانا يهدي وقدوة تعظ وعملا يرحم ويجمع ؟

 

مما يزيد من أولوية مرجعية قدسية كرامة الانسان وثيقة عقدية للحركة الاسلامية المعاصرة بداية أفول ما أسميناه زورا وبهتانا " بالحضارة"  الغربية التي تورطت عبر سجن إبي غريب في العراق وسجون أفغانستان وقوانتناموا بكوبا في إمتهان كرامة الانسان والحديث اليوم يجري في أروبا بغضب وعنف عن سجون أمريكية سرية .

 

طبيعتنا تأبى الفراغ فلا يملأ شوق البشرية إلى العدل والكرامة والحرية بعد تمرغ تلك " الحضارة " في الحضيض سوى نداء " ولقد كرمنا بني آدم " و " الناس سواسية كأسنان المشط".