قطع الزيتون حطبا.. من أجل التدفئة

 

 

 

 

بقلم :علي حتر

 

لم ينجح أحد كما نجحت الحكومة السابقة في مسيرة إفقار هذا الشعب..

حتى الذين رفعوا سعر الخبز قبلها.. لم يصلوا بنا إلى حد تحويل شجر الزيتون إلى حطب للتدفئة!!

هذا الخبر نشرته فعلا إحدى الصحف اليومية في اليوم الأول من هذا الشهر، فلاحون غرب الزرقاء يقطعون شجر الزيتون حطبا يتدفؤون به في مواقدهم.. من برد الشتاء..

 

الصحيفة قالت تحت عنوان (زيتون غريسا يستخدم وقودا والفقراء يقبلون على مدافئ الحطب)، إن أكثر من 500 شجرةزيتون مثمرة في قرية غريسا (20 كم غرب الزرقاء) تعرضت للقطع خلال شهر رمضان الماضي، لاستخدامها وقودا للمدافئ». وقالت الصحيفة «إن بائع مدافئ أكد ازدياد الطلب على مدافئ الحطب في الفترة الاخيرة، لما تشكله بالنسبة للكثيرين من الفقراء مصدرا للدفء زهيد التكلفة».

 

حتى ملابس البالة ارتفعت أسعارها، ولم يعد المساكين قادرين على شرائها ليدثروا بها أطفالهم في ليالي الشتاء بدل قطع الزيتون!!

 

أي نجاح أكثر من هذا في مسيرة إفقار وتجويع هذا الشعب الطويلة.. أن يدفع الإنسان إلى وضع يجعله يحرق مصدر رزقه ليتدفأ.. وأي مصدر رزق.. إنه الزيتون الذي يؤمن هذا الإنسان أنه مبارك.. إنه الثروة الوطنية التي تشكل في وعينا حجر زاوية، فنقسم بها ونلجأ إليها أيام الجوع، ونعتبر زيتها علاجا في كثير من الحالات.. إنه باختصار «نحن وارتباطنا بالأرض»..

 

وأي نجاح أكثر من أن يخسر الوطن عنصرا من عناصر أمنه، لأن ولاته الأغنياء في الشميساني وديرغبار وتلال خربة الدير.. قرروا أن يرفعوا سعر الكاز الذي يتدفأ به الفقراء من أبنائه..

 

كم حذر المخلصون من أبناء هذا الوطن هذه الحكومة من أخطار رفع أسعار وقود الفقراء، التي ستبدأ بالظهور عندما يصل برد الشتاء..

 

ومتى يحدث ذلك؟؟ في زمن ترتفع فيه الأبراج في عمان، وتصل أسعار العقارات فيها إلى حد غير مسبوق.. وتشق الطرق وتزفت ألف مرة أمام بيوت المتنفذين لتحمي عجلات سياراتهم الفارهة المصروفة من مخصصات خزينة الفقراء، وتصرف الملايين على فنادق استضافة عشرات المؤتمرات الاقتصادية وعلى الطرق المؤدية لها، وتمنح زيادات على رواتب العاملين في المدن الصناعية من خزينة الفقراء الذين قطعوا شجر الزيتون، لحماية مستثمريها الذين يرتبطون بعلاقات مع سارق جبل الزيتون والطور!!

 

حكومة عدنان بدران والمعشر كانت تعتقد أنها من الذكاء بحيث إنها إذا رفعت هذه الأسعار في الصيف، لن تتعرض لغضب الفقراء.. وربما كانت على حق، لأن الفقراء البسطاء الطيبين، لم يغضبوا في ذلك الوقت.. لأنهم لا يتقنون حسابات الأموال ولا حسابات الامتيازات وتحسين الأحوال والبدلات والإعفاءات ودفاتر فواتير الوقود التي تصرف مع السيارات الرسمية.. ولا العقود الخاصة التي تعقد مع أبنائهم والمقربين منهم.. والتي تغطي لمسؤولينا وأغنيائنا كل ارتفاعات في الأسعار..

 

فقراؤنا الذين علمتهم بالقمع والتضليل حكوماتنا المتلاحقة أن يلزموا الصمت ويقابلوا الظلم بمزيد من التضحية مقابل كل ضربة، صبوا جام غضبهم هذه المرة، على أشجارهم وعلى قدرتهم المعيشية.. بدل أن يترجموا غضبهم على المسبب.. كما فعل اليمنيون.. ولم يحتجوا حتى على 250 مليون دينار من الضرائب المتأخرة، سامح بها أغنياء الحكومة السابقة، من حولهم من الأغنياء، في نفس الأسبوع الذي رفعوا به سعر الكاز على الفقراء.. هذا الكاز الذي يشكل خط الدفاع الأول عن الزيتون كما تبين لنا اليوم..

 

لم نجد أي اهتمام من الحكومة السابقة لمواجهة هذا الخطر، ولا حتى مجرد تعليق عليه من مروان المعشر الذي تكلم عن راديسون ساس آلاف الكلمات.. ولم يقل كلمة واحدة عن زيتون غريسا!!

 

أين سنصل..؟ ماذا بعد الزيتون.. إلى اليأس حتى نعلم أبناءنا أن الهجرة هي الحل.. لأن أصدقاء وادي عربة المتربصين بهذا البلد يريدون «أرضا أكثر.. وعربا أقل»؟

 

وما الذي تخبئه لنا الحكومة الجديدة.. التي بدأت بوعود جعلت الأمن فيها أولوية مطلقة.. وهي لا تعني أمن الزيتون كما نعرف.. بل تعني أمن الفنادق والشوارع والسفارات.. وإذا قالت مستقبلا إنها ستحمي الزيتون أيضا ضمن مفهومها للأمن.. فنتمنى ألا يكون المقصود بذلك، طبق الزيتون الذي يقدم على موائد الفطور لضيوف المؤتمرات في فنادق البحر الميت..

 

إنها طريق وعرة.. والجياع يزدادون عددا.. فانظروا في الاتجاه الصحيح قبل أن تسقطوا في المزالق المرسومة لهذا البلد بدقة فائقة.