انعكاسات الحراك الداخلي الإسرائيلي على القضية الفلسطينية

 

 

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

من الصعب ابتداءً قراءة ما جرى في الدولة العبرية مؤخراً (فوز اليهودي المغربي عمير بيرتس بزعامة حزب العمل وخروج شارون من الليكود وتأسيس حزب كاديما) بمعزل عن تحليل الموقف العام في الشارع الإسرائيلي بعد خمس سنوات من اندلاع انتفاضة الأقصى من جهة، وبعد شهور على تنفيذ خطة فك الارتباط عن قطاع غزة التي نفذها شارون.

 

بالنسبة لانقلاب حزب العمل وصعود يهودي شرقي للمرة الأولى إلى زعامته، يبدو البعد الاقتصادي الاجتماعي واضحاً تبعاً لاتساع دوائر الفقر في المجتمع الإٍسرائيلي وفقدان الحزب لنكهته المميزة بعد دخوله تحت عباءة الليكود الذي كان نتنياهو يدير ملفه الاقتصادي على نحو يبتعد كثيراً عن منطلقات العمل ذي النكهة اليسارية.

 

وبالمقابل يبدو انقلاب الليكود أوضح صلة بالملف الفلسطيني، أو بملف التسوية، ففي حين كان الصدام بين شارون وصقور الحزب قائماً على ملف التسوية وخطة فك الارتباط عن غزة، فإن من خرجوا من الحزب إلى جانب شارون، ومعهم من انحازوا إليه من داخله وخارجه لا يبدون معنيين بشيء قدر عنايتهم بملف التسوية والخروج من أسر النزاع التاريخي الذي يؤثر في كل شيء في الدولة العبرية، لاسيما في ظل استمرار حضور هواجس انتفاضة الأقصى التي تركت آثاراً عميقة في الوعي الجمعي للجمهور الإسرائيلي.

 

الآن تبدو الساحة الحزبية والسياسية في الدولة العبرية على درجة من الوضوح، فما نحن بانتظاره هو تكتل يتزعمه حزب شارون الجديد إلى جانب العمل وشينوي وميريتس، يحكم الدولة العبرية خلال السنوات الأربع القادمة بعد الانتخابات التي ستجري مطلع العام القادم، وهو تحالف سيقترب فيه شارون من خطاب العمل الاقتصادي والاجتماعي، مقابل اقتراب العمل من خطاب شارون السياسي فيما يتعلق بعملية التسوية، والنتيجة هي أن الملف السياسي سيبقى عملياً بيد شارون، ليس فقط لأنه الأكثر قوة في التحالف، بل أيضاً لأن ما يطرحه يكاد يحظى بتأييد الغالبية في الدولة، بما في ذلك المؤسسة الأمنية والعسكرية، فيما يحظى بدعم صهاينة الولايات المتحدة، ومن ورائهم النظام السياسي الأميركي.

 

يشار هنا إلى أن عمير بيرتس صاحب الجمهور الشرقي الأكثر تشدداً على الصعيد السياسي لا يختلف كثيراً عن شارون في التعاطي مع ملف التسوية، حيث أعلن دون مواربة أنه ضد تقسيم القدس وضد حق العودة، إضافة إلى تأييده بقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية.

 

بالنسبة لشارون، فإن مشروعه القديم هو ذاته الجديد، وهو مشروع يستند إلى فكرة فك الارتباط عن قطاع غزة، كمحطة لتنفيذ خريطة الطريق وفق ما يفهمها، أي التركيز على المرحلة الثانية منها ممثلة في الدولة المؤقتة التي ستصبح دائمة في حدود الجدار الأمني، وتقوم على 8% من مساحة فلسطين التاريخية بحسب أحد المحللين الإٍسرائيليين، وهي مساحة لا تشمل القدس ولا غور الأردن ولا المستوطنات الكبرى.

 

بالمقابل تبدو الساحة الفلسطينية في حال من الارتباك أمام الاستحقاقات الجديدة في الدولة العبرية، تماماً كما كان حالها قبل ذلك، فمن جهة تنشغل السلطة بلعبة الانتخابات وتفاصيلها ونتائجها المتوقعة أكثر من انشغالها بما يفعله شارون على الأرض، فيما تنشغل حماس أيضاً بالانتخابات على أمل الحصول على نتيجة تحميها من تغول السلطة في حال مضى مشروع أوسلو الجديد وطال كابوسه أكثر من المتوقع، والنتيجة هي ضعف ردود المقاومة على الخروقات اليومية الإسرائيلية لما يسمى التهدئة التي أصبحت من طرف واحد عملياً، بدليل ما يجري يومياً من قتل واعتقالات، وحيث تصطاد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رموز المقاومة واحداً إثر الآخر، فيما تعتقل أعداداً كبيرة ربما وصلت ضعف عدد من أفرج عنهم بعد إعلان التهدئة. ويتزامن ذلك كله مع ضعف عام في الساحة الفلسطينية في مواجهة سياسات الاستيطان وسرقة الأراضي واستمرار بناء الجدار، إذ تنحصر النشاطات السياسية في مسيرات رمزية يتصدرها نشطاء دوليين.

 

نحن إذن أمام مرحلة صعبة سيكون فيها شارون أكثر قوة من ذي قبل؛ داخلياً بسطوته البرلمانية والحزبية، وخارجياً بالدعم الأميركي اللامحدود والتواطؤ الأوروبي. وفي مقابله سلطة لا تملك غير برنامج التفاوض وتطبيع الداخل عليه مهما بلغ مداه، في تجاهل لطروحاتها السابقة حول الانتفاضة السلمية، في حين لا يبدو الوضع الدولي والعربي في وارد الضغط على شارون. وتبقى قوى المقاومة التي لا يمكنها أن تفرض على حركة فتح خطاً لا تريده، فيما هي في وضع صعب بسبب المعطيات العربية والدولية، لاسيما بعد مسلسل استهداف سوريا. والنتيجة هي أن الفلسطينيين سيعيشون أوضاعاً صعبة بانتظار انفراج لن يأتي من دون متغيرات أفضل في الملف العراقي لجهة تأكيد الهزيمة أو الفشل الأمريكي.