باسم التطورتقدم لنا العلمانية دينا بغير إله
بقلم
: د : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@
hotmail .com
www.yehia-hashem.netfirms.com
ليست
المشكلة في الربط بين الدين والأخلاق من ناحية والثقافة والعرف والعادات من ناحية
أخرى وليست المشكلة في أن يصير الدين أو تصير الأخلاق أصلا لتغيير الثقافة
والأعراف والتقاليد والعادات أو استقرارها
فوق ذاك الأصل
ولكن
المشكلة هي فيما يروج له العلمانيون في أن تكون العادات والتقاليد والأعراف أصلا للدين وللأخلاق وأن تتغير الثانية
لتكون رهنا بحالة الأولى وتغيراتها وفقا
لتغيرات الزمان والأماكن وما يجري فيها ، طبقا لمجموعة كبيرة من
الشروط
الطبيعية والفلكية والفيزيقية والبيولوجية والاجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية والسياسة والاقتصاد.. –وهذا
ما يحرص عليه العلمانيون وقد استبعدوا الدين من تنظيم شئون الحياة الدنيا أو استبدلوا العلم به ، وقد أداهم ذلك إلى القول
بأن الدين ( بما فيه من العبادات ) والأحكام
الخلقية ( بما فيها من العلاقات الجنسية خارج نظام الزواج ) مجرد تعميمات يصطلح
عليها الإنسان بعد خبرة وتجربة ، خاضعا في ذلك لارتباطات زمانية ومكانية واضحة الأثر في إصدار تلك
التعميمات ( ومن ثم كانت تصريحات من دافعوا
عن إمامة المرأة للرجال في الكنائس مع الاختلاط وكشف العورات أثناء الصلاة بين
الرجال والنساء ) وينطلق العلمانيون في خطتهم من بطن حصان طروادة أو نظرية التطور
التي اختبأ في ظلماتها دين بغير إله
وفي رأيي
أن من أشنع ما جرته هذه النظرية التطورية في
مجال الأخلاق ما تم في
ظلها على
مدى الأجيال المتأخرة من اجتثاث الشعور بالغيرة التي تم القضاء عليها
باعتبارها
عرفا رجعيا ، غيرة الرجل على أنثاه : زوجة كانت أو أما أو أختا ، أو
جارة ،
والمرأة على رجلها أبا كان أو زوجا أو أخا أو جارا ، وهي – أي الغيرة -
في حقيقة
أمرها غريزة حيوية وضعها الخالق سبحانه في الحيوانات العليا :
لاستنفار
التعاون في مجال الشرف والأخلاق ، أو لتقليم أظفار غريزة الجنس التي
إذا انطلقت بعيدا عن محدداتها صارت إباحية لا كابح لها في غير درجة رفيعة من
التقوى من
الله ، وقد تم القضاء على هذه من قبل ، ثم
صار القضاء على احتياطيها
من غريزة
الغيرة ، وأصبحنا نصرخ مما صار إليه الشباب المحروم حتى من الزواج
المشروع ،
وبعد أن ألقينا سلاح الغيرة وأهدرنا دمه جلسنا في الندوات جلسة
المتكشفين
المتجردين من الحياء ، المجردين من كل شعور بالغيرة نتباكى في
نفاقية
مكشوفة على سلوكيات الإباحية بين أيدينا في الشوارع والبيوتات وتحت
أنظارنا في
المشباك والكليبات وما تجره من تبديد الطاقة الحيوية للشباب في صنع
المجتمع ،
والضوابط اللازمة لبناء التقدم : الإباحية في الشارع والبيت والنادي
واستعمال
التليفون والدش والكليب ، وشبكات النت تحت أنظار الزوج والأخ والأب ،
والزوجة
والأخت والأم ، لا يحرك أحدهم أو إحداهن ساكنا بدافع الغيرة لأنها صارت
من زبالات
الرجعية ، ولا يملك التقدميون منطقا يردون به هذه النكسة على أعقابها
– وبعضهم
يا للغرابة يتألم لها - غير عبارات باردة عن "الاختزال " و " بناء
الذات "
وما أشبه من عبارات لا تبقي مقيما ولا ترد آبقا ، ولا تسمن ولا تغني من
جوع ، ،
يحسبونها الأليق بهم لأنها من قاموس العلم الذي يتجنب الحديث عن "
القيم "
والدين والغيبيات !!
ومن هنا
وجدنا الفكر العلماني المعاصر بوجه عام
ينكر ثبات الدين أو القيم
الأخلاقية
كما وجدنا من قريب انتشاره إلى بدعة إمامة
المرأة في الكنيسة للرجال
، والسماح
بالاختلاط بينهما أثناء الصلاة ، وكشف عورات المرأة أثناء الصلاة
المختلطة
وفي أصل الموضوع وجدنا هذا الفكر ينكر الدين
والأخلاق في مصادرهما العقلية
أوالسماوية
: ما لم تكن نتيجة صياغة العرف لها ، وجزءا من عملية الخضوع للعلوم
التجريبية
من ناحية ونظريات التطور من ناحية ، وفي نهاية المطاف " يتفضل "
علينا
بعظمة كتلك التي ترمى للكلاب قائلا : خذوا إن أردتم أجسادا جميلة ولكن
عارية من
الفضيلة ، و" دينا مقدسا ! ولكن مفلسا بغير إله" ، وهنا يفرح شعبولا
صائحا "
هيييييه
وإنه لمن
المؤكد أنه ما زالت لنظرية التطور أثر مدمر في هذا الاتجاه
ويخطئ من
يظن أن نظرية التطور ارتبطت بداروين ثم سقطت بسقوطه
ففي
استمرار نظرية التطور يقول فيلسوف التطور الشهير جوليان هكسلي : من مواليد
لندن 1887-
) في كتابه ( الإنسان في العالم الحديث
)
( قصارى
القول أن الداروينية اليوم كلها حياة . وفي الواقع إن نظرية التطور
الحديثة
لأكثر تأييدا لنظرية داروين من داروين نفسه
ولقد كانت
نظرية الانتخاب الطبيعي أهم ما ساهم به داروين في موضوع التطور .
ولضآلة
المعرفة في بعض الميادين البيولوجية كان مضطرا لدعمها بفروض مساعدة عن
وراثة
نتائج التغييرات التي تحدثها البيئة مباشرة في الطبيعة . وفي وسعنا الآن
أن نرفض
هذه الفروض وأن نثبت أن الانتخاب الطبيعي هو كل شيء ، وأنه الوسيلة
الوحيدة
الموجهة للتطور
ولقد نسمي
داروين بشيء من الحق بنيوتن علم الحياة ،
وهو كنيوتن زود علمه بفكرة
موحدة
قادرة على الامتداد إلى أي ناحية في ميدانها ، وفي كل فرع من فروع علم
الحياة
تضمينات تطورية .
ومن هنا
فإننا نرى في التطور القوة الموحدة في
الميادين البيولوجية المختلفة ،
، فعلوم
التشريح المقارن والأجنة والتاريخ الطبيعي والحفريات والوراثة والخلية
وكثير
غيرها تجتمع الآن ويفسر بعضها بعضا في البحوث التطورية الجديدة .
ولقد صار
التطور من الموضوعات الأولى التي تزداد
أهميتها كأساس للنظرة العلمية
الحديثة ،
وأصبح الكائن الحي – كما يرى بمنظار التطور – لا معنى له ، إلا
بالنسبة
لبيئة معينة.
– ومع أن
قوانين داروين أدخل على تفاصيلها من التعديلات أكثر مما أدخل على
قوانين
نيوتن فليس هناك ما يدل على أن علم الحياة التطوري لن يظل دائما
داروينيا )
ص 293- 295
****
كما يخطئ
من يظن أن للتطور عند سدنته حدودا لا يتعداها من الثوابت الدينية
فهاهو طه حسين
في مقال نشره فى جريدة "السياسة" تسويغا لموقفه وآرائه التى
بثها فى
كتابه "فى الشعر الجاهلى") يذهب إلى القول بـ : "أن العالِم ينظر
إلى
الدين كما
ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس، من حيث
إن هذه
الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يُحْدِثها وجود الجماعة وتتبع الجماعة فى
تطورها. وإذن
فالدين فى نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية،
لم ينزل من
السماء ولم يهبط به الوحى، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة
نفسها،
وإنْ رأى دوركايم أن الجماعة تعبد نفسها، أو بعبارة أدق أنها تؤلِّه
نفسها"
: انظر "تحت راية القرآن"/ 349- 350: ومقال الدكتور إبراهيم عوض بجريدة
الشعب
بتاريخ 21\1\2005 ).
كما يخطئ
من يظن أن للتطور عند أصحابه حدودا لا يتعداها سواء من الأوليات
العقلية ،
أو القواعد الأخلاقية أو الثوابت الدينية
، أو من الحجج التقليدية
التي تساند
تلك الثوابت كالفطرة والبدهيات العقلية وقانون السببية المجرد إلخ
وغيرها من
الثوابت الصالحة في مجال الدعوة مع الجماهير في المساجد والتي لم
تعد تصلح
وحدها في تكوين الدعاة أنفسهم شبابهم وشيوخهم أو المتخصصين من غيرهم
في
الدراسات الإسلامية ، كما لم تعد تصلح ألبتة مع صناع الفكر المعاصر من
التطوريين
وغلمانهم من العلمانيين ..
فالفطرة
البشرية أصبحت في هيكل ديانة التطور : نقطة ناشئة في مجرى التطور العام
،
والبدهيات العقلية أصبحت مسلمات قبلية ( أي قبل التجربة ) لا تدخل في مجرى
التجربة
التي لا تعترف إلا بما يأتي بعدها ، ومن
ثم لا مكان لها في سوق المنهج
التجريبي ،
وقانون السببية أصبح نوعا من الترابط بين المقدم والتالي بحكم
العادة
الذهنية والتجريببة إلخ
وذهب هؤلاء
كما عبر عن ذلك ليفي بريل إلى حد القول
بأنه وإن بدا لنا أن كل
الشعوب
تستخدم نفس الصيغ الأخلاقية في مثل " اعط كل ذي حق حقه " و في الدعوة
للحرية و
في الدعوة للعدل وتحريم الظلم .. فإنه يجب
ألا يلتبس علينا الأمر
بسبب هذا
الاشتراك المقصور على اللفظ فحسب ، لأن هذا الثبات الذي تتمتع به
الصيغة
اللفظية لا يدل على ثبات مضمونها (!!)
وعن التطور
في مجال الدين : يقول جوليان هكسلي في مصادمة وقحة لما تقرر في
الدين
الحق أعتذرعن إيرادها هنا لضرورة تنبيه
الغافلين من الدعاة وبعض
المثقفين
عما يجري في أروقة التطوريين وغلمانهم من العلمانيين : - وناقل الكفر
ليس بكافر - يقول : ( لقد أوصلنا تطور العلوم والمنطق وعلم
النفس إلى طور أصبح
الله فيه
فرضا عديم الفائدة ، !! وطردته العلوم
الطبيعية من عقولنا ، حتى
اختفى
كحاكم مدبر للكون ، وأصبح مجرد أول سبب ، وأساسا عاما غامضا . ولقد أدت
زيادة
المعرفة إلى إدراك أن السحر عقيدة باطلة … وأن الطقوس الدينية التي تصحب
تقديم
القرابين وصلاة الاستغفار عديمة المعنى { أستغفر الله }
وإن تحليل
العقل وما كشفه عن قدراته على رسم الخطط وإشباع الرغبات وما كشفه عن
العقل
الباطن والكبت يجعل ألا داعي للاعتقاد بأن الانحرافات وما إلى ذلك يرجع
إلى قوة
روحية خارجية ، وأنه ليس من العلم في شيء أن ننسب التوفيق في الأعمال
إلى هداية
من الله { !! }
ولقد أدى
المنطق اللاهوتي إلى الاعتقاد بوحدانية الله وهذا غير مفهوم . ومن بعض
النواحي
أقل قيمة من عملية الشرك !!)
{ هكذا وصل
الفيلسوف إلى حضيض تفضيل الشرك على التوحيد }
ويستمر أبو
جهل العصري قائلا : ( وإذا سلمنا بوجود
إله من أي نوع فالنتيجة
المنطقية
لذلك الاعتقاد بوحدانية الله ، ولكن لم الاعتقاد في وجود الله ؟
ولماذا
الاعتقاد في كائنات خارقة للطبيعة لها صلة بمصير الإنسان وأمانيه ؟ )
ويستمر أبو
جهل العصري قائلا ( ويتوقف الاعتقاد في
وجود الله على " تشخيص "
الظواهر
غير الشخصية . والتشخيص مقدمة للاستدلال على وجود إله ، ولكن ليس إلا
مجرد فرض .
وإنه إذا كان مفيدا في العصور الأولى فإنه الآن غير مفيد ، ثم إنه
يثير من
الصعاب أكثر مما يحل !! … )
وهنا يصل
الأمر بنظرية التطور إلى وضع " دين بغير إله " ، في صورة مقابلة لما
اقترحه أبو
بكر الرازي منذ أكثر من ألف عام من وجود
إله بغير دين
يقول
جوليان هكسلي :
( ويجب على
الدين لكي يستمر عنصرا هاما في حياة المجتمع أن يتخلى عن فكرة الله
( !!) ، أو
على الأقل يقصيها إلى مركز ثانوي كما حدث للسحر الذي سيطر على
العقول في
الزمن الماضي )
ثم يقرر أن
ما هو من ثوابت الدين الحق مجرد صناعة من صناعات تطور الأعراف
والتقاليد
فيقول : ( والإله .. والجن والأرواح وغيرها من الأشياء الصغيرة
الروحية من
عمل الإنسان وناشئة حتما عن نوع من الجهل ودرجة من العجز أمام بيئته
الخارجية
وبإحلال
المعرفة محل الجهل في هذا الميدان وزيادة سيطرة الإنسان على بيئته
نتيجة
لتفكيره يتلاشى الإله ، كما تلاشى الشيطان
قبله ، وآلهة الدنيا القديمة
، وجنيات
الغالات والبحيرات والأرواح المحلية . ) ص 222- 223 { خسئ أبو جهل
الفيلسوف }
ويستمر أبو
جهل العصري وصولا إلى ما هو " الدين "
المعترف به عند التطوريين
وكما يجري
على ألسنتهم قائلا : ( لا يزال يرى في عالمنا أثر ضعيف للإله نصفه
عقلي ونصفه
سحري ، ولكن تقدم المعرفة النفسي سيقضي عليه ومع ذلك – وهذا هام
للغاية – فليس
معنى زوال الإله { !! } انتهاء الدين ، واختفاء الإله كعملية
لاهوتية ،
وإذا كانت العلوم اللاهوتية تتغير فإن البواعث الدينية التي خلقتها
ثابتة {!!} .. )
ويستمر أبو
جهل العصري قائلا : ( ويؤدي اختفاء الإله {
أستغفر الله } إلى
تغير جوهري
في الدين ، ومعنى ذلك قيام الإنسان بتحمل التبعات التي كان من قبل
يلقيها على
الإله { هذا هو التمرد الذي نلمسه في جميع الأطياف العلمانية } .
ويستمر أبو
جهل العصري قائلا ( وما هذه التبعات التي يجب على الإنسان أن
يتحملها
الآن ؟
أولا : الإنسان
مسئول عن تدبير أموره ،{ التشريع الوضعي والحكم بغير ما أنزل
الله } رغم جهله وما يحيط بالعالم من أسرار(!!)
ثانيا : الإنسان
مسئول عن مصيره الذي لم يعد في يد الله (!!)
حاكم الكون ،
فمعرفتنا {
العلم التجريبي } تزودنا بالمقدرة على التحكم إلى حد كبير في مصيرنا
أو مصير
الكوكب الذي نسكنه ، وبعبارة أخرى إننا الأمناء على العملية التطورية
وككل
الأمناء مسئولون عما اؤتمنا عليه (!!)
ثالثا : الإنسان
مسئول عن صحة النوع الإنساني وسعادته وإطالة الحياة على هذه
الأرض في
الحال والاستقبال . فالفقر والعبودية والمرض والبؤس الاجتماعي
والديموقراطية
والملكية والنظم الاقتصادية ليست نظما إلهية لابد منها ، وإنما
هي مظاهر
يمكن فهم كنهها والسيطرة عليها وفق رغباتنا كما نسيطر على مظاهر
الكيمياء
والكهرباء (!!) ) ص 224-225
ثم يقول
فيما يعتبر انتقالا بنفس المنهج إلى ميدان الأخلاق : ( ولقد صحب تدهور
الدين
القائم على الخارق للطبيعة تدهور العقوبات الأدبية الخارقة للطبيعة ،
وتدهور أي
أساس مطلق للآداب ، ويجب أن ننظر إلى ذلك كعملية لا يمكن نقضها إذا
ما استمرت
المدنية . {!!} ) ص 225
ويستمر أبو
جهل العصري فيما يعتبر انتقالا بنفس
المنهج إلى ميدان التنظيم
الاجتماعي
كما يعتبر انتقالا بنفس المنهج وفضحا بجلاجل لمقولات العلمانية
الصريحة
والمنافقة معا ليقول : ( وبتحليلنا لطبيعة
الدين ووظائفه نستطيع أن
نتبين بعض
الحقائق عن مستقبله : ونبوءة العلم عن مستقبل الدين هي أن البواعث
الدينية
ستصبح وجل همها موجه إلى تنظيم المجتمع : أي تنظيمه على أساس حاجات
الأمة أو
مجموعة من الأمم ،ولا شك أن هذه العملية بدأت الآن ) ص 227
ولا تنس
أيها القارئ الكريم ماذا يعني الدين في
هذا السياق ، ومن ثم في السياق
العلماني
عندما يخدعنا بترديد ما يزعم من احترامه للدين !!
ويستمر أبو
جهل العصري الهكسلي ليقول: ( ومهمة العلم الثانية : الفهم الحقيقي
للقوى
والعمليات التي تجري في المجتمعات الإنسانية والسيطرة عليها ، وسيكون هدف
استخدام
المكتشفات العلمية ما قد نسميه الدولة الاجتماعية ، وسيجد الوازع
الديني !! – وهو نفسه إحدى القوى الاجتماعية التي يجب
فهمها تماما والسيطرة
عليها –!! مخرجه في ترقية مثل هذه الدولة الاجتماعية ) ص 229
ويزداد أبو جهل العصري في توغله في أكذوبته عن الدين :
قائلا ( ثم إن الحقائق
الخاصة
بالوازع الديني وتعبيره عن نفسه ستقع في دائرة الدافع العلمي الجديد ،
وستكون
النتيجة المحتملة أن النزاع بين الدين والعلم في الدولة الاجتماعية
ينتهي شيئا
فشيئا ويسود التعاون بينهما . وسيطلب إلى العلم أن يبين نوع
التعبيرات
عن الوازع الديني التي تكون مقبولة عقلا ، ومطلوبة اجتماعيا ، إذا ما
أريد لهذا
الوازع الديني أن يندمج تماما في أنواع النشاطات الأخرى التي يقوم
بها
الإنسان ويستغل ليسهم في قيادة الإنسان في طريق التقدم ) ص 232
أي أن
الدين وقد استبعدت منه حقيقته
الإلهية أصبح يحل محل الشريعة بعد
تفريغها
بالتالي من حقيقتها الإلهية !!
وكما كان
هناك إله بغير دين – { أستغفر الله ، فناقل الكفر ليس بكافر } عند أبو
زكريا
الرازي في القرن الثالث الهجري – دار الزمن دورته ليطرح دينا بغير إله .{
أستغفر
الله } وهما إبداعان شيطانيان لابد أن
يحقر " سلمان رشدي " نفسه
وإبداعه
الشيطاني بجوارهما .
ومهما يكن
في تقييم أبو جهل العصري جوليان الهكسلي فالرجل لم يكن يفعل غير أن
ردد في
صياغة مبتذلة يسوقها للجماهير والمثقفين
غير المتخصصين ، والعلمانيين
على مستوى
القارات : ردد ما سبق تقريره في مذاهب الوضعيين
التطوريين في مجال
الدين
والأخلاق والاجتماع بدءا من أوجست كونت وهنري برجسون وليفي بريل ودوركايم
إلخ
راجع عباس
العقاد في عقائد المفكرين في القرن العشرين ص 144- 145- و" الإنسان
في العالم
الحديث " لجوليان هكسلي ترجمة حسن خطاب وراجعه الدكتور عبد الحليم
منتصر . نشر
سلسلة الألف كتاب بإشراف إدارة الثقافة العامة بوزارة التربية
والتعليم
بمصر العدد 73 : او" العقليون والتجريبيون في فلسفة الأخلاق " للدكتور
توفيق
الطويل ص 41- 43 –
ظهر أوجست
كونت ( 1798- 1875 ) ليكفر بالدين والكنيسة والله ثم لينتهي باختراع
ما سماه "الديانة
الوضعية "ثم سماه " ديانة الإنسانية " ، ثم ليضع في كنيسة هذه
الديانة
صنما يمثل عشيقته المفضلة !! أي والله دون
أدنى مبالغة أو نزعة هزلية
.
في أعقاب
الثورة الفرنسية زعم مبشر الفلسفة الوضعية أو جست كونت وبعد أن أطاح
بالدين - طبقا
لما سماه " قانون الأحوال الثلاثة " - باعتباره نتاج المرحلة
البشرية
الأولى الغارقة في الخرافة والأساطير ، ثم أطاح بالفلسفة الميتافيزيقية
باعتبارها
المرحلة الثانية من التفكير الغيبي .. بشر بالمرحلة الثالثة "
الوضعية "
العلمية التجريبية ، وذهب منها إلى أن النظم الاجتماعية تتوقف على
العادات
والعرف كما تتوقف العادات بدورها على المعتقدات ومن هنا كان لابد من
وضع عقيدة
جديدة تناسب المرحة الثالثة من تطور البشرية ، عقيدة وضعية تجريبية
لا تعترف
بغير الواقع المحسوس الذي يمكن إخضاعه لمناهج المشاهدة والتجربة ،
ومنها ذهب
إلى وضع أسس المذهب الوضعي ، وانتهى فيه إلى وضع ما سماه " ديانة
الإنسانية"
وليأتي بعده ليفي بريل ( 1857- 1939 ) ليزعم أنه لقد تحقق لهذه
الفلسفة
الوضعية حظ واسع من الانتشار بحيث أصبح الطمع في جعلها مذهبا للإنسانية
جمعاء أمرا
قريبا إلى الأذهان .
وانتشرت
هذه الفلسفة بين عدد مرموق من الفلاسفة في انجلترا وفرنسا ثم امتزجت
بالتفكير
العام في العصر الراهن امتزاجا شديدا وانعكست في عدد كبير من
الاتجاهات
الفكرية المختلفة لا سيما في التاريخ والقصة والشعر ، وبدرجة أساسية
في علم
الاجتماع المعاصر .الذي أخذ على عاتقه مهمة أن تحتل الفلسفة الوضعية
مكانة
الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي ، في وضع نقطة البدء في تنظيم المجتمع
وتقرير
مبادئ الأخلاق والسياسة ، منطلقا من دراسة الظواهر الاجتماعية والخلقية
بالطريقة
نفسها التي تدرس بها الظواهر الطبيعية الأخرى ، وأصبح علم" الأخلاق "
" علم
العادات الأخلاقية "
وطبقا لهذا
المنهج أصبحت الأخلاق بمعناها التقليدي غير جديرة بأن تكون موضوعا
لعلم خاص ،
وصارت الأخلاق كعلم للعادات علما وصفيا يعتمد على الأدلة التي برهنت
بها
الإنسانية على وجود ميولها وأعرافها وتقاليدها التي حفزتها على العمل عبر
التاريخ
ولكون هذه
الأخلاق وضعية فإن طريق المعرفة الذي سلكته نسبي ، وبناء عليه فهي
أخلاق
نسبية ، وهي كذلك أيضا لأن وجود النوع البشري يتوقف على مجموعة كبيرة من
الشروط
الطبيعية والفلكية والفيزيقية والبيولوجية والاجتماعية ، فلو قدر لهذه
الظروف أن تكون
غير ما هي عليه لصارت أخلاقنا أيضا مختلفة عما هي عليه الآن ،
وحينئذ فهي
نسبية بالنظر إلى مركزنا في الكون وإلى تركيبنا العضوي
وذهبت هذه
الأخلاق الوضعية إلى تحديد مفاهيمها الأخلاقية في " التضامن "
والحرية"
. و"التكيف " و" التقدم " و"الإنسانية "
والإنسانية
كما أنها موضوع لعلم العادات الأخلاقية هي موضوع للعبادة والحب كذلك
. ومن ثم
فإن الأخلاق الوضعية تتخذ لها هدفا جديدا هو الاتحاد بالإنسانية عن
طريق
التضامن والاستمرار ، ويأتي الجزاء الأخلاقي في ديانة الإنسانية عن طريق
الخلود في "
جسم الإنسانية " ككائن تاريخي !!
ونحن
نستطيع أن نكون أحسن أخلاقا لا عن طريق التعديل المباشر لميولنا ولكن بأن
نبذل الجهد
لنكون أكثر ذكاء في فهم نظام الطبيعة وقوانينها التي لا تتغير ،
بتحقيق
الانسجام بين ميولنا وهذه القوانين على أسس وضعية مستمدة من منهج العلم
التجريبي .
ويأتي "
ليفي بريل " ليؤكد المنهج الوضعي في العادات الأخلاقية وليوضح أكثر من
سابقيه أن
ما كان يسميه البعض أخلاقا تقليدية ثابتة أو معيارية – لا هوتية كانت
أو
ميتافيزيقية أو عقلانية - لا تعدو أن تكون نسخة مستنبطة من الأخلاق العملية
الواقعية
التي طبقت في مجتمعاتهم وفي عصورهم ، وأن ما يدعونه مثلا عليا ليس من
ابتكارهم
وإنما هي صور ينتزعونها من الحياة الواقعية نفسها ويخلعون عليها طابعا
شخصيا أو
مذهبيا أو دينيا
ويتابع
ليفي بريل أيضا النقد الذي يوجهه إلى الأخلاق التقليدية من حيث إن هذه
الأخيرة
تعتقد أن القواعد الأخلاقية تحدَّد للإنسان بصفة نهائية ، ظنا منها أن
طبيعة
الإنسان لا تتطور ، مع أن التاريخ الفكري والثقافي يرشدنا إلى أن العقلية
الإنسانية
في تطور مستمر
كذلك فإن
الواقع يكشف لنا – وفقا لليفي بريل - عن أن محتويات ما يسميه أصحاب
الأخلاق
التقليدية " الضمير الأخلاقي " غير متجانسة ، لأنا إذا درسنا التقاليد
والعادات
الأخلاقية في الريف أو في المدن وجدنا أنها لا ترجع كلها إلى عصر واحد
، بل إلى
عصور متباعدة ، وأجناس مختلفة ، وحضارات متباعدة ومتنافرة ، ومن هنا
كان على
الباحث في الأخلاق العلمية أن يقوم بدراسة مختلف الحضارات الراهنة
والغابرة ،
وأن يحلل الطقوس والعقائد في مختلف الشعوب البدائية ، فيرى مثلا كيف
نشأت
الواجبات والنواهي ، وكيف تطورت فكرة العدل والكرامة والأثرة والإيثار
والجدارة ،
كما يجب عليه أن يدرس العادات الخاصة بالزواج والطلاق وجميع صنوف
العادات
الأخلاقية ليرى كيف نشأت وكيف تطورت ولأي القوانين تخضع ، وكيف أنها في
نهاية
المطاف أخلاق نسبية تخضع لمجموعة من الشروط الاقتصادية والثقافية
والدينية
والتاريخية ، وأنها شروط تتطور باستمرار ، ومن ثم كان لها صداها في
الأخلاق
نفسها
ولا يختلف
دوركايم ( 1858-1917 ) أحد أقطاب هذه المدرسة الوضعية والرائد الأشهر
لعلم
الاجتماع المعاصرعما قرره أوجست كونت أو ليفي بريل وبالتالي علم الاجتماع
المعاصر من
حيث يقرر اختلاف الأخلاق باختلاف الزمان والمكان وسائر الظروف أي
أنها تابعة
لأحوال المجتمعات التي تخترعها وتفرضها على الأفراد ، وإن كان أكثر
وضوحا في
إحلال المجتمع الواقعي محل الإنسانية شبه المثالية عند كونت ، وكان
أكثر وضوحا
في تقرير القواعد الأخلاقية الوضعية بعكس
ليفي بريل الذي ذهب إلى
انتظار
تكونها عبر قرون ، وهو أكثر وضوحا في صدامه مع الفكر اللاهوتي عندما أحل
فكرة
المجتمع محل الله !! فبدلا من أن يرى المؤمن في ضميره قبسا وشعاعا من
النور
الإلهي يرى الرجل العصري في ضميره – وفقا لدوركايم – قبسا وشعاعا من
المجتمع ،
بل إنه ليذهب إلى أبعد من ذلك عندما يرى أن الألوهية لم تكن إلا
تعبيرا
رمزيا بدائيا عن روح الجماعة ، أما فكرة الجزاء الأخروي التي تحتوي
عليها
الأخلاق الدينية والتي لا تحتوي فكرة المجتمع عليها بنفس الدقة والعدالة
فإن
دوركايم يهرب هنا إلى الرد الذي طالما ردده بعض الصوفية من أن الفعل يفقد
قيمته
الأخلاقية بقدر ما يكون اعتبار الجزاء متحكما في تحديده ، وعندئذ تنتابه
نوبة صوفية
إلحادية إن صح هذا التعبير حيث يرى أن هذا
" المجتمع
" الذي يجعله غاية للفعل الأخلاقي يتجاوز المصالح الفردية إلى حد لا
يتناهى !! ،
كما أن هذا المجتمع الذي يتعين علينا أن نحبه ليس جسم المجتمع
وإنما "
روحه " : أي مجموع الأفكار التي لا يمكن أن يحيط بها الفرد وحده والتي
تتجاوز
نطاق عقليته !!
إن ليفي
بريل وقد دخل في نفق مسدود من الالتزام بوصفية علم الأخلاق الوضعي
وتجنبه
للمعيارية القيمية إلى الحد الذي أدى
به إلى أن يعلن أنه لا يمكنه أن
يقترح " قواعد الفن الأخلاقى " قبل مرور
قرون على إنشاء " علم الأخلاق الوضعي
" أنظر
( الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية لليفى بريل ) 0يذهب إلى حد القول بأنه
وإن بدا
لنا أن كل الشعوب تستخدم نفس الصيغ الأخلاقية في مثل " اعط كل ذي حق
حقه "
و في الدعوة للحرية وتحريم الرق ، و في الدعوة للعدل وتحريم الظلم ..
فإنه يجب
ألا يلتبس علينا الأمر بسبب هذا الاشتراك المقصور على اللفظ فحسب ،
لأن هذا
الثبات الذي تتمتع به الصيغة اللفظية لا يدل على ثبات مضمونها
ويستدل
ليفي بريل بما يراه من تطور في تطبيق هذه القواعد التي ظاهرها الثبات
على أنه
تطور يصيب المضمون ذاته إذ ما كان لنا– حسب دعواه - أن ندرك شيئا عن
تلك
المضامين إلا بالتطبيقات الخارجية التي تدل عليها
ويصل ليفي
بريل إلى جذر القضية في نظرية المعرفة في قوله بأنه لا معنى للمبادئ
العامة إلا
بما تحدده لنا التطبيقات الخارجية ، وهذا هو جوهر المنهج التجريبي ،
فالذهن
الإنساني لا يمكنه أن يدرك معنى أو مبدأ في حالة تجريده من الواقع
الخارجي ،
وإذن فالعدل هنا وإن كان مبدأ معترفا به في كل من المجتمعين اللذين
يقر أحدهما
الرق ويحرمه الآخر إلا أن معناه يختلف اختلافا كليا بين المجتمعين
فهو في
أحدهما شيء وفي الثاني شيء آخر مختلف تماما ، وليس هناك من شيء ثابت
مشترك
بينهما إلا الشكل اللفظي فحسب
والرد على
هذا الكلام هو في صميم الرد على نظرية المعرفة في الفلسفة الوضعية
ذاتها ،
تلك التي لا تعترف بمصدر للمعرفة غير التجربة ، وهي دعوى مرفوضة أصلا ،
وليس هنا
موضع الاسترسال في تفنيدها ، ( وقد تعرضنا لذلك تفصيلا في كتابنا "
الفكر
المعاصر في ضوء العقيدة الإسلامية نشر جامعة الإمارات عام 1999- 2000)
على
أنا نكتفي هنا بأن نحمل هذه الفلسفة
مسئولية أن يقال بناء على ما تقدم :
إن الأعداد
الرياضية ذاتها تختلف مدلولاتها من مجتمع إلى آخر باختلاف الأشياء
المادية
الموجودة في تلك المجتمعات والتي تستعمل الأعداد الرياضية في عدها ،
فالواحد أو
الاثنين في مجتمع لا يوجد به الكريز مثلا هو غير الواحد في مجتمع
توجد به
تلك عندما نحاول عد حباته في هذا المجتمع الأخير
على أنا
إذا سلمنا بهذه النسبية فمن المستحيل أن نحصن مجتمعاتنا من الانهيار
الذي يؤدي
إليه نوع من التعسف يجعل كل مجتمع من المجتمعات يدعي أن ما عليه
الحال هو
فضيلة من الفضائل بالنسبة إليهم . وعلى ذلك فلا مجال للنقد أو التوجيه
.
وهل كان
زعماء الوضعية مخلصين للنسبية عندما نادى بعضهم بالإخلاص للإنسانية ،
ونادى
بعضهم بالإخلاص للمجتمع ، ونادى بعضهم بالإخلاص للحرية ، ونادى بعضهم
بالإخلاص
للذات ؟ أليست النسبية عندهم تعني خضوع المبدأ لشروط اقتصادية وثقافية
واجتماعية
ودينية وفيزيقية وبيولوجية وفلكية وطبيعية ؟ فتحت أي نوع من أنواع
هذه الشروط
يجب الأخذ بمبدأ الإخلاص للإنسانية أو سواها ؟ وتحت أي نوع من هذه
أنواع هذه
الشروط يمكن نبذ هذا المبدأ وما ذا يمكن أن يقال في نسبية جريمة "
قتل النفس
البشرية للتفكه " !؟
كذلك فإن
دوركايم عند ما رأى نوعا من التناقض بين مبدأ المجتمع كغاية للفعل
الأخلاقي
الوضعي وبين مبدأ الحرية الفردية ونزعة الفرد إلى الاستقلال فإنه حاول
حل هذا
التناقض بزعمه أننا نستطيع بالمنهج العلمي أن نحدد بالضبط إلى أي حد
يكمن
النظام في طبيعة المجتمع وبقدر ما نراه
كذلك يمكننا أن نقبله بمحض
اختيارنا !!
وهو في هذا الزعم يحاول أن يبيع لنا جنة إبليس
إذ ما الذي أكد له
أن البحث
سوف يكشف أن هذه القوانين الحتمية المزعومة موجودة ؟ أو أنها كما يجب
أن تكون ؟
وبخاصة أننا لا ندخل في حسابنا اعتبار قوة واعية كاملة نظمت هذه
القوانين ؟
وفي هذه الحالة أليس من حق الإرادة الإنسانية أن ترفضها ؟ وكيف لها
ذلك مع أنا
نقرر منذ الآن أن المجتمع الإنساني يخضع لقوانين حتمية تماثل قوانين
الطبيعة
المادية ؟
إننا
مضطرون حتما إلى الحكم على هذه المحاولات التي قام بها كل من أوجست كونت
ودوركايم
نحو تقرير مبدأ الحرية بأنها محاولات فاشلة وأن النتيجة المنطقية
لمذهبهم لا
بد وأن تؤدي إلى القول بالجبرية ، أو على الأقل كما يقول الأستاذ
العقاد في
كتابه حقائق الإسلام وأباطيل خصومه : " إن الإنسان عند هؤلاء يريد
ولكنه لا
يريد ما يريد " بمعنى أنه لا يصنع إرادته ولكن تصنعها له عوامل
اجتماعية
وخارجية مختلفة تفترسه باسم العادات والتقاليد والأعراف
والمهم في
الأمر أن هذه الأخلاق الوضعية وهي تبرأ مقدما من صفة المعيارية
باعتبارها
علما وصفيا ، تلزم نفسها أرادت أو لم ترد بالتخلي عن القيمية ، ومع
ذلك يصر
كونت على أنها تصف للإنسان طريقه للتقدم ، وتساعده كما يزعم مساعدة
فعالة على
تحقيقه – فلسفة أوجست كونت لليفي بريل ص 302- 303
- ولكن يبقى بعد
ذلك سؤال :
من الذي يحدد طبيعة التقدم ومفهومه وأهدافه ؟ إننا أخيرا في حاجة
قصوى إلى
تفكير معياري يحدد لنا ما هو تقدم وما ليس كذلك ، وبناء عليه فادعاء
الأخلاق
الوضعية أنها تستغني عن المعيارية الميتافيزيقية أو الدينية يؤدي بها
إلى أن
تكون بلا قيمة ويضعها في إفلاس لا مهرب منه .
وإذا كانت
الأخلاق الوضعية مفلسة من القيمية فهي
مفلسة يقينا من تقرير "
الجزاء "
الذي قدمه كونت في لعبة خرافية : بأن يكون الجزاء خلودا للعمل في "
مبنى
الإنسانية " الشامل ، ذلك أنه يضع
ميزان الأعمال في يد التاريخ ولا يمكن
لأحد أن
يدعي العدالة لهذه اليد ، وكثيرا ما يختلف الحكم التاريخي على العمل
الذي يقوم
به الفرد ، وكثيرا ما يغيب عن التاريخ الأسباب الكافية لإصدار حكمه
الصحيح ،
كما أن التاريخ لا يمكنه أن يستوعب غير جزء ضئيل من نشاط الأفراد
والحكم
عليهم فأين تذهب الجزاءات المختلفة على هذه النشاطات ؟ قد يقول كونت :
إن هذه
الأعمال الإنسانية سوف تعيش في كيان " الإنسانية " سواء عرف عنها
التاريخ
شيئا أم لم يعرف ، وفي هذا العيش الخالد الجزاء الكافي لهذا العمل ،
وفضلا عن
أن هذا الكيان محض خرافة فإن كونت هنا لا يفرق بين أمرين : أولهما
العمل
نفسه ، ثانيهما صاحب العمل الذي انفصل عنه
بحكم جهل التاريخ به ، والقول
بخلود العمل في هذه الحال – إن صح – يؤدي إلى حرمان
صاحبه من الجزاء بداهة
والقول به
محض ضحك على الذقون
راجع "
الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية لليفي بريل ترجمة محمود قاسم والسيد
محمد بدوي
نشر إدارة الترجمة إدارة الثقافة العامة وزارة المعارف العمومية طبعة
الحلبي عام
1953 صفحة : ج د ص 3 خ ط ح هـ ز ي ك & وكتابه " فلسفة أوجست كونت "
ترجمة
محمود قاسم والسيد محمد بدوي أيضا مطبعة لجنة البيان عام 1952 ص 347-
351& التربية
الأخلاقية لدور كايم ترجمة محمد السيد بدوي مطبعة الحلبي 1953 ص
93- 107-418-
118- 104- 117
يقول أميل
بريهييه تعليقا على سلطة العرف في التغيير بناء على مبدأ النسبية :
" من
المؤكد جدا أن القرن التاسع عشر وهو قرن الدراسات التاريخية وفكرة الحقائق
النسبية قد
غلا في القول بنسبية الخلاق حينما سوى بين العادات الأخلاقية
المتغيرة
في كل قطر وفي كل أمة وفي كل عصر وبين القاعدة الأخلاقية الثابتة –
راجع كتابه
" اتجاهات الفلسفة المعاصرة " ترجمة محمود قاسم من مجموعة الألف
كتاب ص 75
ويرى
الدكتور توفيق الطويل أنه مهما اعترض الوضعيون على أن الطبيعة الإنسانية
مطلقة
فإنهم لا يمكنهم إنكار أن الطبيعة البشرية في ماضيها وحاضرها هي عقل وهوى
، والمفروض
أن قوانين الأخلاق وإن لم تهمل الجانب الحيواني في طبيعة البشر إلا
أنها توضع
أو ينبغي أن توضع مسايرة لأسمى جانب في هذه الطبيعة وهو الجانب
الناطق ،
وهو فيما تشهد التجربة نفسها حظ مشترك بين الناس جميعا في كل زمان
ومكان فأين
هي النسبية إذن – راجع مقاله العقليون
والتجريبيون في فلسفة
الأخلاق بمجلة آداب
جامعة القاهرة المجلد 14 جزء 1ص66 وما بعدها
ويقول
الدكتور توفيق الطويل في وجوب التمييز بين الفعل الاجتماعي والفعل
الأخلاقي :
( إن الفعل الذي يدخل في نطاق البحث
الاجتماعي هو الذي يصدر عن
الجماعة
البشرية وينشأ عنها ويلزم عن وجودها وحياة أفرادها مجتمعين ، وشتان
بينه وبين
الفعل الخلقي الذي يعني به الباحثون في الأخلاق ، إن هذا الفعل
الأخير
أكبر من أن يكون صدى للجماعة البشرية واستجابة لعرفها وتقاليدها ، بل
لعل طاعة
الإنسان للمألوف من عرف الجماعة وتقاليدها تتنافى مع المثل العليا
الإنسانية
كما يتصورها علماء الأخلاق ، إن هذه المثل تقوم في باطننا وتنشأ في
ضميرنا
وتوحي بها عقولنا ، غير مقيدة بعرف أو تقليد أو هوى أو نحوه .. إنها
فيما يقول
فردريك روه : إرضاء للضمير الفردي بعد تفكير في البواعث والدوافع
والموانع ،
وبعد مشورة واحتياط مخافة الوقوع في الأخطاء ، إنها إيثار لفعل
بعينه على
أفعال كثيرة ، قد تكون للجماعة البشرية وقد لا تكون ، إنها تنبع من
العقل الذي
يعرض للبحث في غاية الإنسان بما هو إنسان ) المصدر توفيق الطويل في
مقدمته
لكتاب " المجمل في تاريخ الأخلاق " ج 1 ط 1 ص 19
ويـُجمع
أصحاب الوضعية المنطقية على أن العلوم المعيارية وفي ضمنها الأخلاق
التقليدية
تقوم على قضايا خالية من المعنى من نوع " تحصيل الحاصل " : فهي عند
كارنب مجرد
أوامر ، وعند آير محض " تعبير عن انفعال " ، وعند دينجل مجرد إغراء
يقوم على
عقيدة ليس لها ما يبررها ، وهي لا تستحق حتى أن تكون موضوعا لعلم
تجريبي .
ومن الواضح
أن الأخلاق من وجهة نظر الوضعية المنطقية ، هى أشد سلبية من غيرها ،
لكنها في
نفس الوقت أعظم دلالة من غيرها - برغم أنفها - على فشل القالب العلمي
في ميدان
الأخلاق.
يقول
ريشنباخ ( إن المعرفة - يقصد المعرفة العلمية الخالصة – لا تشتمل على أية
أجزاء
معيارية ، وبالتالي لا تستطيع تفسير الأخلاق ، ومن هنا فإن الموازاة بين
الأخلاق
والمعرفة تضر بالأخلاق ، لأنها تؤدي إلى سلب الأخلاق طابعها الآمر ) .
نشأة
الفلسفة العلمية ص 342
إن أتباع "
الانحصار في العلم " يظنون أنهم بتركيز جهودهم في استنباط "أخلاق
علمية "
يتمكنون من سلب الدين أقوى مبررات وجوده في نظرهم .
وعلى هذا
الأساس يذهبون يشيدون - كأشخاص - بفضائل المودة والتضامن والفناء في
الإنسانية !!
ويدعون أنها فضائل يفترضها العلم وينميها ، ويزعمون بذلك أن العلم
وحده هو
الذي يملك من الآن فصاعدا " القوة الأخلاقية " : اللازمة لتكوين
الشخصية
الإنسانية ، عن طريق " أخلاق التضامن " وهم يرون أن فكرة التضامن تصلح
لتكون همزة
الوصل بين العلم والدين في بداية الأمر ؛ ولكنها كلما نمت شيئا
فشيئا مع
التطبيق واستقرت في العقول حلت محل الأديان لأنها لن تحقق جميع الآثار
النافعة
التي أمكن لهذه الأديان أن تقوم بها فحسب ، بل تحقق أعمالا أخرى أرحب
وأرفع ،
تتطلب عقولا أسمى صاغتها الثقافة الفكرية .
وهذا "التضامن" تصور علمي يختلف عن التصور الديني
والميتافيزيقى : إنه قانون
من قوانين
الطبيعة كالجاذبية .
ولو أننا -
كما يقول - حللنا جميع الواجبات كالعدل والتسامح ، والإخلاص لرأينا
أنها تفسر
وتسوغ بهذه الفكرة العلمية : " التضامن " العلم والدين لأميل بوترو ص
131 - 132 0
وهكذا في
اعتقادهم تتحقق الأخلاق العلمية .
والحقيقة
أن هذه الأخلاق ليست علمية . بقدر ما أنها
ليست أخلاقية .
أما أنها
ليست علمية ، فلأن العلم لا يشير في
الطبيعة إلى علاقات التضامن فحسب
، و لكنه
يشير إلى أنواع مكافئة وربما غالبة ، عن علاقات التنافر والصراع
والاستقلال
الذاتي لا تقل عن علاقات التضامن والتبعية المتبادلة ، فمتى وأين
يبدأ هذا ،
ومتى وأين ينتهي ذاك ؟
أما أنه
ليس أخلاقيا فلأن مبدأ التضامن لا يكون كذلك إذا أخذ في صورته الآلية
المعطاة
تلقائيا في الطبيعة ، وإنما تتحقق
أخلاقيته إذا قام على أساس من
الإرادة
والاختيار، وعندئذ يحق للكائن الأخلاقي أن يتساءل عن مبرر لاختياره ؛
غير الخضوع
الأعمى للآلية الطبيعية .
وفى مجال
الانحصار العلمي توجد محاولات لإنقاذ "البناء
القيمى " عن طريق ما
يمكن أن
يسمى أخلاق العلم العرفية ، ويقصد بها تلك المجموعة من القيم التي من
شأنها أن
تزدهر في جو العمل العلمي ، أو بتعبير آخر : مجموعة القيم التي من شأن
العمل
العلمي أن يزدهر في جوها: كالصدق والموضوعية والأمانة والمثابرة ... الخ
، ومن ثم
تغني عن الدين كمصدر للأخلاق .
ووفقا لما
يذهب إليه كارل بيرسن : فإن العلم أفضل سبيل إلى تعويد المرء "
الموضوعية "
و"النزاهة " في أحكامه وتخليصه من الأنانية والتحيز والنظرة
الشخصية
للأمور. المصدر : أركان العلم : مجلة تراث الانسانية العدد 12- المجلد
3
والأمر
الذي لاشك فيه أن الانحصار العلمي لا يؤدي بحياديته وموضوعيته إلى أكثر
من التوقف
عن إصدار الأحكام الأخلاقية : شرا ، أو خيرا ، وتلك كارثة أخلاقية .
أما ما
يحتاج إليه العلم - فعلا - من النزاهة ، والتخلص من الأنانية والنظرة
الشخصية
للأمور ، فهي احتياجات حقيقية ، لا يزدهر العلم إلا بها ، ولكن على
العلم نفسه
أن يتساءل عن المصدر الذي وفر له هذه القيم ، - وهو يخلو تماما من
المعيارية -
لا أن ينسبها لنفسه .
وكما يقول
الدكتور جميس كونانت : : ( إن رجل العلم لا يكاد يترك معمله من ورائه
حتى يجوز
عليه ما يجوز على الآخرين من ركوب هواهم ، وقد يكون أسرع إلى التحرر
بسبب ما
فرض عليه في معمله من حبس وكبت ، فلا غرابة إذا نحن رأينا من رجال
العلم
رجالا هم في خارج مهنتهم أقل من غيرهم من الناس حيدة وانضباط نفس . )
ثم يتساءل
كونانت عن السلف الذين وضعوا للعلماء قيود الانضباط والحيدة فيقول :
( إنهم
ليسوا ذلك النفر الذي عالج التجربة على انفراد ، ولا أولئك الذين تفننوا
في ابتداع
الآلات ... إنه يجب أن نتوجه إلى عقول قليلة شربت حتى ارتوت من سقراط
ومن
تعاليمه ، وإلى طلاب للمعرفه سابقين كشفوا عن ثقافة الإغريق والرومان في
الحقبة
الأولى من عصر النهضة ) كذا !! . المصدر " مواقف حاسمة في تاريخ العلم "
لجميس
كونانت ترجمة الدكتور أحمد زكى من ص17 إلى ص 29 ، ص 277 ، ص 278
وبالرغم من
أن جميس كونانت هنا لم يذكر شيئا - بحكم ثقافته - عن آباء العلم
الحديث من
رجال الفكر الإسلامي ، وأن هذا الإغفال لا يضر بالقضية التي نحن
بصددها ،
وإن كنا ننبه إليه غير غافلين بدورنا عنه
؛ فإننا نجد في حديثه هذا
تنبيها لنا
غير مقصود إلى أنه ليس جابر بن حيان أو ابن الهيثم أو من شاكلهما
فحسب هم
آباء المنهج العلمي في القديم أو الحديث ، وإنما نجد من واجبنا أن نضع
على رأس
هؤلاء جميعا طائفة أرست أدق مناهج البحث وقد تشبعت أصلا بالقيم الدينية
؛ وهم
علماء الحديث كرمز على سابقية القيم على استقامة المنهج .
* * *
وأخيرا
يبدو الانحصار العلمي بوجهه المنفر الذي يبدو عاجزا كل العجز عن إرضاء
الوجدان
البشرى فى مجال القيم الجمالية .
ونجتزئ في
التعبير عن ذلك بما كتبه الشاعر الفيلسوف الألمانى جوته إثر اطلاعه
على كتاب "نظام
الطبيعة" لهولباخ : إذ ذهب الكتاب في تصوره المادي للعالم : إلى
أن هناك
مادة تتحرك منذ الأزل ، وبهذه الحركة ذات اليمين وذات الشمال وفي كل
الجهات ،
وبلا أي هدف تخـــلق مظاهر الوجود التي لا
تعد ولا تحصي . يعلق جوته
على ذلك
قائلا : ( لم نفهم كيف يكون مثل هذا الكتاب خطرا ، إذ بدا لنا مظلما
جدا ،
كئيبا جدا ، شبيها بالموت ، إلي حد أن بقاءه كان يزعجنا ، وكنا نرتجف منه
كما لو كنا
إزاء شبح مخيف … ) تكوين العقل الحديث لهرمان راندال ج 2 ص 20 -22
****
وتؤكد
النظرة العلمية العلمانية المعاصرة في مجال الدين والأخلاق على اختلاف
اتجاهاتها
على قيمة " التقدم " من خلال
نظرية التطور عبر المادة والزمن كقيمة
يقاس بها
النافع والضار والحسن والقبيح
وهكذا جرى
الأمر في نظرية التطور عند داروين وتابعيه . صحيح أن داروين كتب في
عام 1873
يقول : ( إن استحالة تصور هذا الكون العظيم .. قائما على مجرد
المصادفة
هي أقوى البراهين على وجود الله ) أنظر
عقائد المفكرين في القرن
العشرين
للعقاد ص 56 ، ولكنه تطور من هذا الموقف
الذي صرح به في كتابه " أصل
الأنواع "
إلي موقف آخر صرح به بعد ذلك عند ظهور كتابه " أصل الإنسان " عندما
أبدى أسفه
لاستعمال كلـمة "الخلق "مجاراة
للرأي العام ، مصرحا بأن الحياة لغز
، وأنه لا
مكان فيه للعناية الإلهية – أنظر تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ص
341 .
وعلى خطوات
التطور جاء هربرت سبنسر ( 1820 - 1903 ) في المجال الاجتماعي
ليدعو إلى
علم للأخلاق تقوم مبادئ الأخلاق فيه على أساس طبيعي ، حيث تنبثق عن
قانون "
التطور العام " بما يقوم عليه هذا القانون من مبادئ الصراع والتكيف
والبقاء
للأصلح .
ولم يسفر
هذا الاتجاه عن غير تصارع الفئات العرقية والقومية والاجتماعية على
أساس
بيولوجي ، في أمثلة صارخة من أمثال نيتشة ، وهو يبشر بالسوبرمان قائلا:
( ما هو
القرد بالنسبة للإنسان ؟ أضحوكة وعار . هكذا سيكون الإنسان بالنسبة
للإنسان
الأسمى السوبرمان : أضحوكة وعار . ما هو الخير ؟ إنه كل ما يزيد في
الإنسان
شعور القوة ، ورغبة القوة ، والقوة ذاتها .ما هو الشر ؟ هو كل مايأتى
من الضعف .
ماهى السعادة ؟ هي الشعور بأن قوتنا تنمو ، وأن عقبة قد قهرت وذللت
. لا
القناعة بل المزيد من القوة . لا السلام العام بل الحرب . لا الفضيلة بل
العنف . ما
الذي يؤذى أكثر من أية رذيلة ؟ الشفقة على أحوال الضعفاء وغير
النافعين .
)
وفي رأينا
أنه بمقدار ما سيطرت النظرية الداروينية على الفكر الحديث بما فيها
من تأليه
للوقت في شأن الوجود والقيم والمعرفة
ذاتها .. وبالرغم مما هو موجه
للنظرية من
نقد صارم في الأوساط العلمية والدينية معا
فإنها أصبحت بانطباقها
مع شهوة
الإلحاد في العصر الحديث سلاحا في يد
الدهرية العصرية ، وإعلاء شأن
الزمن إلي
مستوي مطاردة الاعتقاد بوجود الله ، ولا يتم ذلك تحت دوافع علمية أو
عقلانية
بقدر ما أنه يتم بدوافع كراهية محضة للاعتقاد بوجود إله مريد عليم رقيب
حسيب يتطلب
الخضوع لأمره ونهيه وشريعته.
وهنا يبدو
على هذه الفلسفات الوضعية التجريبية علامات الإفلاس في تقرير ما
ينبغي على
الإنسانية أن تسلكه في مسيرتها الكبرى ، وهذا الإفلاس هو ما تمثل
أخيرا في
إفلاس مسيرة الحضارة المعاصرة التي التزمت بهذه النظرة الأخلاقية
الوضعية في
التزامها وصفية علم الأخلاق الوضعي وتجنبه
للمعيارية القيمية إلى
الحد الذي
أدى بليفى بريل إلى أن يعلن أنه لا يمكنه
أن يقترح " قواعد الفن
الأخلاقى "
قبل مرور قرون على إنشاء " علم الأخلاق الوضعي "أنظر ( الأخلاق وعلم
العادات
الأخلاقية لليفى بريل )
إن هذا
الإعلان بدوره واضح في دلالته على تأكيد العجز والإفلاس الذي أشرنا إليه
، ومن حقنا
أن نعتبره - وقد استبعد الدين من هذا المجال - دعوة إلى الفوضى
الأخلاقية
، والإفلاس الحضاري
هذا هو
الإفلاس الذي وصلت إليه الأخلاق الوضعية ، وهو ما تمثل أخيرا في إفلاس
مسيرة
الحضارة المعاصرة من الأخلاقية نتيجة ما التزمت به من هذه النظرة
الأخلاقية
الوضعية . وها هو ألبرت شفايتزر يكشف عن هذا الإفلاس في كتابه
الشهير "
فلسفة الحضارة ". أنه إذا فقد الأساس الأخلاقي تداعت الحضارة حتى لو
كانت
العوامل العقلية والفنية والمادية تعمل عملها في اتجاهات أخرى . وأنه لن
يكون في
وسع أحد إنقاذها إلا إذا اكتشف غالبية الناس لأنفسهم معنى أخلاقياً
عميقاً
راسخاً عن طريق نظرية أو عقيدة في الكون .
وأنه بغير هذه التجربة
الروحية
العامة لا سبيل إلى المباعدة بين عالمنا وبين الانهيار الذي يغذ السير
إليه.
"
ومن مظاهر
هذا الإفلاس المبدئي ما صار يتردد من شعار على أفواه العلمانيين
والتطوريين
من كون الدين " مسالة شخصية " كأنما هو عورة يجب إخفاؤها تحت الثياب
، في وقت
تحررت فيه العورات من كل شكل ومقاس ، وتمت مطاردته في المسجد ،
والشارع
والنادي والمدرسة والجامعة والكتاب والندوة والاستاد والاستديو وشاشات
العرض
الإباحي في الفضائيات والإنترنت ، كأنما تم تقزيمه إلى فكرة مجردة ، وهو
لم يكن ولا
يمكن أن يكون كذلك في دين لا يقتصر على الفكرة وإنما ينطلق منها إلى
تنظيم
العلاقات والسلوك مع الآخر على مستوى البيت والشارع والجماعة والمجتمع
والدولة
والعالم ، اللهم إلا أن يكون هذا الشعار " الدين مسألة شخصية " مجرد
غلاف صفيق
تمت صياغته لخنقه والقضاء عليه ، وتم من ثم القضاء على مقتضياته في
الأخلاق
والنظام في أشكاله المختلفة .
وهدفنا هنا أن نفضح حقيقة ما عليه الفكر المعاصر من
اعتراف بالدين كفكرة شخصية
، أو
كافتراضية ذاتية ، أو بالدين – دون الله - إن هو اعترف به أصلا ، وأن نبين
خطأ
المواجهة التقليدية لهذا الفكر استنادا إلى ثوابت لا تعد في الفكر المعاصر
ثوابت سواء
من الثوابت الدينية ، أو الأوليات العقلية ، أو القواعد الأخلاقية،
أو من
الحجج التقليدية التي تساند تلك الثوابت كالفطرة والبدهيات العقلية
وقانون
السببية المجرد إلخ
ولقد كتبنا
في الرد على هذه الاتجاهات مجموعة من الكتب قامت على مواجهتها
ببطلان
مسلماتها في أصولها :
في نظرية
المعرفة التي تقوم عليها ، في مدارسها التي تروج لها من أنواع
التطوريين :
في التطور الحيوي ، والتطور الديني ، والتطور الأخلاقي ، والتطور
الاجتماعي ، ثم في بيان تهافت استنادهم إلى فلسفة العلم
التي يستبدلونها
بالدين
الحق ، وبيان عدم كفاية العلم في ميدان المعرفة أو ميدان القيم ، ثم في
قيام العلم
التجريبي على مجموعة من الغيبيات التي لا يريدون الاعتراف بها في
الدين
الإلهي
وقدمنا ذلك
فيما نسميه الجدل الدفاعي مع الإلحاد المعاصر في مجموعة من الكتب :
في كتابنا "
في مواجهة التيارات الإلحادية المعاصرة : عقائد
العلم " الذي
نشرته
إدارة مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عام 1981 ، وكتاب " الإسلام
والاتجاهات
العلمية المعاصرة" الذي نشرته دار
المعارف بالقاهرة عام 1984 ،
وكتاب "
الفكر المعاصر في ضوء العقيدة الإسلامية " الذي نشرته جامعة الإمارات
عام 1999 ،
وكتاب " حقيقة العلمانية بين الخرافة والتخريب " الذي نشرته الأمانة
العامة
للدعوة في الأزهر عام 1990 ، ومقالاتنا المستمرة بعون الله في جريدة
الشعب الألكترونية
منذ عامين وبخاصة ما كتبناه فيها عن العلمانية .
أما في
بيان الاتجاه البنائي للعقيدة الإسلامية – وفي سياق الرد على هذه
الاتجاهات
كذلك - فقد ذهبنا إلى ضرورة فك الارتباط مع مناهج البحث التي لم تأت
في صلب
منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتجديد منهج البحث بإحياء ما اندرس من
السنة : ابتداء
من مبدأ التسليم العام ، وإسقاط تهويمات العقل النظري ،
والارتباط
بالمنهج العملي الذي يبدأ من الإنذار بالآخرة …
وقد بينا
ذلك في رسالتنا للدكتوراة المنشورة بعنوان ( الأسس المنهجية في بناء
العقيدة
الإسلامية ) الذي نشرته دارالفكر العربي بالقاهرة عام 1978، وكتابنا "
فلسفة
التسليم عام 1980، وكتابنا فلسفة الإنذار
عام 1984، وكتابنا " مداخل إلى
العقيدة
الإسلامية " المطبوع عام لطلبتنا
في كلية أصول الدين بطنطا 1986
والله أعلم