اتجاه الرئيس المصري لـ تداول الاستبداد يفاقم أزمة الحكم

 

 

 

بقلم :محمد عبدالحكم دياب

 

من نتائج تسليم الرئيس مبارك بما تقول به شركات الإعلان والعلاقات العامة، أن ترك لها زمام أمر تسويقه إلي الرأي العام، في أكثر السنوات تعقيدا في التاريخ المصري الحديث، رتبت له زيارة مواقع ومشروعات صغيرة ومتوسطة، في أنحاء متفرقة من البلاد، لتتيح له فرصة التحدث إلي الناس في قالب جديد، يطلق عليه خبراء العلاقات العامة النيو لوك .. وأن يتولي هذا النوع من الخبراء عرض الرئيس مبارك علي الرأي العام بهذا الشكل ينفي عن المعركة طبيعتها السياسية ويضفي عليها طابعا تجاريا وشخصيا. فالأحزاب هي صاحبة القول الفصل في المعارك الانتخابية. والحزب غير القادر علي تسويق زعيمه ليس جديرا بثقة أحد، ولا يعبر عن مصالح أي قوة أو تيار حقيقي في البلاد، وتم الاستغناء عن خدمات الحزب الوطني الحاكم ، وركنه علي الرف، ليستبدل بشركة علاقات عامة تقدم الرئيس في قالب جديد وصورة جديدة، أقرب إلي نجوم السينما، أو مشاهير لاعبي كرة القدم.

وجاء دور الإعلان المدفوع الثمن، والذي تكفل بتكلفته الإعلامي والصحافي الملياردير عماد الدين أديب!!، ليمثل علامة فارقة في التعامل السياسي مع المصريين. وقديما قال حكماؤنا لا يصلح العطار ما أفسده الدهر ، والعطار هنا ليس بائع البخور والعطارة، إنما بمعناه القديم المقابل لمعني الصيدلاني في المجتمع المعاصر، فقد كان العطار قديما يقدم الوصفات الطبية لمن يحتاجها، وكان يحتار في أمر المصابين بأمراض الشيخوخة وكبر السن. لم يكن يملك أدوية يقدمها لهذا النوع من البشر. وحتي عمليات التجميل التي تستهدف هذا الشخص أو ذاك، أو ذلك الحكم أو غيره، يعبر عنها المثل الشعبي الذي يقول إيش تعمل الماشطة في الوش العكر أي ماذا تفعل خبيرة التجميل في الوجه العابس والمشوه؟.

وعندما تابعنا فيلم الرئيس مبارك التليفزيوني، الذي بثته الفضائية المصرية، وشاركتها فضائية العربية السعودية علي مدي أيام الأحد والاثنين والثلاثاء الماضيات، وكان من إخراج شريف عرفة مخرج أفلام عادل إمام، وموسيقي عمار الشريعي، ولأول مرة في تاريخ العمل السياسي، علي ما أعتقد، يحل الإعلان محل النشاط السياسي، وتتولي شركات الدعاية والعلاقات العامة مهمة الأحزاب السياسية في تقديم الرئيس للرأي العام في البلد الذي يحكمه. وكان الجزء الأسوأ في هذا الفيلم هو الجزء الثالث، ومع أن الجانب التاريخي والعسكري في الجزئين الأولين كان شخصيا للغاية، كان لدي الرئيس ما يقوله، بحكم المهنة إلا أنه لم يجد ما يقوله في الجزء الثالث، ليثبت لنا ولغيرنا بأن السياسة ليست وظيفته، ولم يسع أن تكون كذلك، وإلا، وهو المنغمس فيها بشكل مباشر لمدة ثلاثين عاما، منذ تعيينه نائبا للرئيس في 1975، وحتي الآن، وإلا كان قد استفاد، من موقعه، ومن إمكانيات مصر الفكرية والعلمية الأكاديمية في تحصيل المعرفة النظرية والخبرة الميدانية، كما فعل من سبقوه، فيرتقي بحديثه بدلا من أن يكون مرسلا وسطحيا وشخصيا.

ولن نتطرق إلي الشأن العسكري فله رجاله، وإذا كان هناك من ظلم من العسكريين، خاصة الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان الأسبق، والمسؤول عن إدارة المعارك العسكرية أثناء الحرب، يليه الفريق عبد الغني الجمسي الذي كان رئيسا للعمليات، فالشاذلي، أطال الله في عمره، قادر علي الرد، أما الجمسي فقد ذهب إلي الرفيق الأعلي، وإساءته لغير العسكريين وبالتحديد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل.. فالاحتمال الأكبر أنه لن يرد.. ومهمتنا هي التعليق علي بعض ما جاء في الجزء الثالث. الذي ظهر فيه الرئيس مبارك ناطقا فعليا باسم الأغنياء، حتي أن حد الكفاف، من توفير حذاء لطفل، وتعليم لتلميذ، وعلاج لمريض، وكسرة خبز لجائع، غير ممكن وليس في مقدوره، وهذا يضعه علي عداء مع الملايين من محدودي الدخل والمعدمين.. سخي علي الأثرياء، بخيل علي الشعب. لا يعنيه انهيار مستوي معيشته، وأصبح أبناؤه يفضلون الانتحار علي حياة تتساوي مع الموت. عجز الرئيس مبارك عن تقديم اقتراح واحد يخفف من وطأة الغلاء والبطالة والفساد وانتحار الخريجين، الذين تحولوا إلي قنابل موقوتة في كل بيت، وهذا الإفقار المنظم وتحوله إلي فلسفة للحكم أدي إلي انهيار الأوضاع، وتفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية.

هذه الفلسفة حالت بين الرئيس وبين التعرف علي ما يحدث في بلده من تحولات، وهي هامة وخطيرة، وفي ظل هذه الفلسفة جعل السيادة لمنطق العصا لمن عصي ، فغاب الوعي بأن الجوع الكافر كثيرا ما يتسبب في كسر العصا، وبركان الغضب أكثر خطورة علي الحاكم الظالم من ضربات السياط علي ظهر الجائع. الرئيس مبارك لا يعرف بالتحولات الخطيرة حوله وبالقرب منه. لم يع بعد مغزي ظهور ما يمكن أن نطلق عليه الكتلة التاريخية الثالثة .. قبلها كانت الأمور موكولة إلي كتلتين أخريين تقليديتين : كتلة الحكم ، بما لها من سيطرة، بجبروت السلطة وخوف المواطن، وتحمل من الصفات السلبية الكثير.. أهمها صفتا الاستبداد والفساد، وتتشكل من مراكز قوي وتحكم وسيطرة في أجهزة التنفيذ والأمن والمنظمات الحزبية، والثانية هي كتلة المعارضة المعتمدة رسميا، ممن حصلوا علي الترخيص الحكومي بالعمل السياسي، سواء كان ذلك بتزكية من رئيس الدولة السابق، كما حدث مع أحزاب الأحرار والتجمع والعمل، وعدد لا يتعدي أصابع اليد الواحدة بقرارات لجنة الأحزاب، والباقي ظهر عن طريق أحكام القضاء، ووصل عددها إلي 19 حزبا، وكثير من فصائل المعارضة المعتمدة يحمل أمراض وصفات سلبية موجودة في الكتلة الأولي.. ولهذا تجد أغلبها مستبد وبعضها فاسد، وجميعها يعاني من عجز وضعف شديدين، في بنيته، وغياب حركته السياسية والجماهيرية، ويمثل بصدق الوجه الآخر للكتلة الأولي، ولم يكن ظهور هاتين الكتلتين وليد حركة شعبية أو حاجة سياسية واضحة.. كان ظهورهما أقرب إلي الاستنساخ منه إلي الولادة الطبيعية.

الكتلة الثالثة عبرت عنها الحركة المصرية من أجل التغيير .. المعروفة باسم كفاية .. تضم قوي وتيارات سياسية، غير معتمدة رسميا، مثل حركة الكرامة، ذات التوجه القومي والناصري، وحزب الوسط، ويمثل فكر الوسط الإسلامي، وحركة الاشتراكيين الثوريين، وحركة 20 مارس وحزب الشعب الإشتراكي، وأعداد من الليبراليين الوطنيين، ومن المثقفين المستقلين، انضمت لها عناصر من أحزاب مجمدة، كحزب العمل، ذي التوجه الإسلامي، وهناك من انضم بشكل فردي، من المحسوبين علي التيار الناصري والأخوان المسلمين والماركسيين.. إنها كتلة تمثل كل ألوان الطيف السياسي، بما فيها من تنوع ديني ومذهبي وثقافي، ظهرت نتيجة لحاجة اجتماعية وسياسية ملحة، ونشأت من خارج منظومة الحكم، موالاة ومعارضة، دون قرار رسمي، وخرجت من رحم طبقة همشت إلي درجة التصفية، علي مدي أكثر من ثلاثين عاما، منذ أن وصفها السادات بـ الأفنديات ، ونعني بها الطبقة الوسطي.. انطلقت من الشارع، وتمثل الجيل الثالث بعد جيل الأربعينات، ثم جيل الخمسينات والستينات، وهم ممن انخرطوا في الحركات الطلابية والنقابية والسياسية في السبعينات والثمانينات.. ومعني هذا أن الحياة السياسية المصرية علي مشارف مشهد جديد قد يهز قواعد نظام تمكن فيه الفساد ورأس المال من السيطرة علي الحكم، وهو تحول جدير بالمتابعة والرصد، ولا يبدو أن أيا من الكتلتين علي وعي به.

الطبقة الوسطي وهي تعود إلي واجهة الفعل السياسي والشعبي، ردت الاعتبار لذاتها، وأتاحت لنفسها فرصة عقلنة الحياة السياسية، بعد أن وصل فيها الشطط والجنون والسعار، في الاستيلاء علي الثروة العامة والنهب الدائم والإفقار المنظم، درجة غير مسبوقة. ومنذ بزوغ الكتلة الثالثة وهي تواجه بضغطين شديدين، أحدهما داخلي في شكل حصار ومواجهة أمنية وتشويه سياسي وإعلامي مركز، مع قلق من المعارضة المعتمدة.. والثاني ضغط خارجي يسعي لخلق فوضي تسمح بالتدخل، وإذا كانت الكتلة الأولي مصرة علي استمرار احتكار السلطة والثروة والنفوذ، فإن الكتلة الثانية قانعة بالفتات الملقي لها من مائدة الكتلة الأولي ، في ظرف تقول فيه كل المؤشرات أن مصر، وهي تواجه عاما حاسما وعصيبا، مرشحة إما لفوضي، إذا ما استمر الحال علي ما هو عليه، أو لصحوة ديمقراطية معقلنة، بتأثير حركة كفاية وقيادة الطبقة الوسطي للشارع، بما لديها من خبرة تاريخية في قيادة الثورات وحركات الإصلاح، الديني والسياسي السلمي، علي مدي قرنين من الزمان.

كان فيلم الرئيس مبارك معبرا بوضوح عن حالة الكتلة الأولي في ضيق الأفق والأنانية والسعار، وما لجوئها إلي شركات الإعلان والعلاقات العامة، وإقحامها للطرق الصوفية بعثا لشرعية ضاعت، كان هذا الفيلم بمثابة إعلان رسمي بسحب الاعتراف بالكتلة الثانية، عندما رفض الرئيس مبارك تداول السلطة معها، باعتبارها مكونة من أحزاب صغيرة، لا تحكم إلا بإئتلاف سياسي، يؤثر سلبا علي الاستقرار، من وجهة نظره، وكان الحل الذي طرحه نوع من الكوميديا السوداء، يقوم علي تداول السلطة مع حزب كبير ، ولأن هذا الحزب الكبير لم يوجد بعد، فالمتوقع استنساخه لأداء المهمة. بتغيير القواعد القديمة التي وضعها السادات، من قواعد إنقلابية مفاجئة، إلي قواعد عائلية مخادعة، يتخلي فيها الرئيس مبارك عن رئاسته للحزب الحاكم، علي أن تتطور أمانة السياسات ، إلي حزب يرأسه جمال مبارك، والتوريث الذي خرج من الباب يعيده الرئيس مبارك من النافذة، وعن طريق هذا الحزب الكبير يتم تداول الاستبداد ، كوسيلة لقصر إدارة الدولة والثروة والنفوذ علي عائلة الرئيس . ولو كان هناك عاقل واحد في الكتلة الأولي لنصح الرئيس بأن الحاجة ماسة إلي حكومة وحدة وطنية محايدة، تعد لدستور جديد، وتشرف علي الانتخابات، وتستجيب لمطالب التغيير السياسي العاجلة.

فيلم الرئيس مبارك كشف مأساة حكم، لا يقدر المخاطر التي تهدده، حق قدرها، ولا يستشرف التحولات الجارية حوله، ومشكلة الرئيس في هذا الفيلم، أنه عندما يغيب النص المكتوب يتعرف الناس علي حقيقة المواقف والنوايا، فقديما قيل تكلم لكي أراك ورأي الناس رئيسا لا يدري ما يدور حوله، غير قادر علي التصرف مع أزمة متفاقمة، أوردت مصر موارد التهلكة.