سوريا والمقاومات المستهدفة

 

 

بقلم :عاطف الجولاني

 

من الواضح تماما أن سوريا باتت في بؤرة الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي، وأنها أضحت تقف على رأس الأولويات في أجندة الإدارة الأمريكية التي آثرت التهدئة على أكثر من جبهة من أجل التفرغ للجبهة السورية.

 

فقد عمدت إدارة بوش إلى تهدئة التوترات مع كوريا الشمالية والصين وفرنسا وروسيا، وسمحت للجامعة العربية بلعب دور سياسي في العراق، وحتى إيران اختارت واشنطن عدم التصعيد معها في الوقت الراهن، ومن غير الواضح كم ستؤثر تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بخصوص شطب (إسرائيل) من الخريطة، على الموقف الأمريكي الحالي تجاه إيران.

 

ما ينبغي الانتباه له جيدا في أزمة سوريا مع الولايات المتحدة الأمريكية والأطراف الدولية، أن حملة الضغوط التي تقودها واشنطن على دمشق هذه الأيام، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بملف الإصلاح الداخلي في سوريا، أو بدم الحريري الذي هو ليس أكثر من «قميص عثمان» تستغله إدارة بوش لتحقيق أهدافها في سوريا والمنطقة.

 

ثمة ثلاث مقاومات تستهدفها واشنطن وتل أبيب، دفعة واحدة، من خلال استهداف سوريا وممارسة الضغوط السياسية وربما الاقتصادية في وقت لاحق: المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله والتي تتعرض لضغوط على أكثر من صعيد من أجل نزع سلاحها. والمقاومة العراقية التي تسعى واشنطن لمحاصرتها وحرمانها من أي عمق عربي أو إسلامي، ومن أي دعم مادي أو معنوي. والمقاومة الفلسطينية التي يراد لها هي الأخرى أن تتخلى عن سلاحها وتتحول إلى أحزاب سياسية منزوعة الدسم، تمهيداً لتمرير مشروع التسوية المستند إلى خطة خريطة الطريق.

 

وفي حال قدّمت سوريا المطلوب أمريكيا في الموقف من هذه المقاومات الثلاث، قد تنسى واشنطن دم الحريري وتقرير ميليس، وتغض الطرف عن خطة تغيير النظام السوري ، ولا تعير اهتماما لملف الإصلاح الداخلي وللديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في سوريا.

 

انطلاقا من هذه القراءة، نرى أن تتحدد المواقف إزاء الحملة المتصاعدة على سوريا، كي لا يتخذ أي طرف موقفا خاطئا يحقق الأهداف الأمريكية وتنعكس أخطاره على الأمة وعلى سوريا شعبا وأرضا.

 

على الرسميين في سوريا أن يدركوا أن التجاوب مع المطالب الأمريكية إزاء المقاومات الثلاث لن يوقف مسلسل الابتزاز الأمريكي، وسيرتب على سوريا أخطارا أكبر بكثير من تلك القائمة حاليا، وأنها لن تخرج من دائرة الاستهداف إلا إذا قررت الانسلاخ من جلدها والالتحاق بركب حلفاء واشنطن وتل أبيب.

 

وبحسابات الربح والخسارة، وقبل ذلك حسابات العقل والمنطق والمصالح العليا لسوريا والأمة، خير ألف مرة لسوريا أن ينفتح الحكم فيها على المعارضة الصادقة وأن يتم تمتين الجبهة الداخلية، من تقديم التنازلات لواشنطن وباريس وتل أبيب. وإن إغلاق الأبواب أمام المعارضة يخشى أن يدفع بعضها إلى أحضان واشنطن، وعلى الأقل يجعلها لا تعارض تمرير المخطط الأمريكي ضد سوريا، والحديث هنا ليس عن المعارضات المصطنعة التي باعت نفسها للشيطان.

 

في المقابل على المعارضة السورية أن تدرك جيدا أن قلب بوش وشيراك لا يتفطر كمدا على أوضاعها وعلى معاناة الشعوب العربية والإسلامية، وأن شعار الإصلاح الديمقراطي الذي رفعته واشنطن عدة شهور، سرعان ما تراجعت عنه لصالح أولويات ومصالح أمريكية أخرى لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمصالح الشعوب ومعاناتها.

 

إن تكرار النموذج العراقي سيكون كارثيا على سوريا والأمة. فهل نستفيد من هذا النموذج المؤلم، أم نكرر الخطأ ونلدغ من جحر واحد مرتين؟!.