الغزو الإنجيلي الأمريكي في العالم العربي وأفريقيا

 

 

بقلم : حسن السرات

       -كاتب مغربي

منذ سنوات قليلة، أصبح التطرف الديني، واستغلال الدين لأغراض سياسية، أحد العناصر الأساسية في الجغرافيا السياسية بالعالم كله. وفي الوقت الذي لا تكف فيه وسائل الإعلام وبعض الدوائر عن اتهام الإسلام بالوقوف وراء كل الشرور والبأساء التي تضر بالمجتمعات والدول، تخرس الألسنة وتجف الأقلام عن الحديث عن مسؤولية الكنائس البروتسانتية التي تمضي نحو مزيد من تجييش الوضع وصب الزيت فوق النار الملتهبة.

ولا يخفى على أحد اليوم المكانة المتزايدة للكنيسة الإنجيلية الأمريكية بالولايات المتحدة حيث تمارس تأثيرا ظاهرا على سياسة إدارة الرئيس بوش، بعد أن لم يسلم من تأثيرها كل الرؤساء الأمريكيين السابقين. ومعروف أيضا أن أعضاء هذه الكنيسة هم أشد الناس نصرة ومساندة لدولة "إسرائيل" ويرفضون أي تنازل عن أي شبر للفلسطينيين. الإنجيليون الذين يندرجون ضمن حركة المسيحيين المتصهينين (وهي حركة بروتستانتية نشأت في نهاية القرن التاسع عشر تزعم أن ظهور دولة "إسرائيل" هي تصديق لنبوءة الإنجيل) لا يكتفون بالدعم المعنوي للاحتلال الصهيوني، بل إن أموالهم توظف لمساعدة يهود روسيا وأوكرانيا على الهجرة نحو الدولة العبرية. وحسب الحاخام حزقيال إكشتاين الذي يسير إحدى أكبر الوكالات المختصة في جمع التبرعات والمساعدات ل"إسرائيل" لدى الإنجيليين الأمريكيين، استطاعت مؤسسته أن تجمع أكثر من 100 مليون دولار في سبع سنوات. في أكتوبر 2003، ضم اجتماع بفندق الملك داود بالقدس المحتلة متطرفين صهيونيين وإنجيليين، بحضور ريشارد بيرل (وكان يومها رئيس مجلس سياسة الدفاع القومي الأمريكي بالبنتاجون والمستشار الأقوى تأثيرا في الرئيس بوش) ووزراء في حكومة شارون للاحتفال ب"مجيء أورشليم السماوية التي ستتلو التدمير النهائي للإسلام". ومن المعروف كذلك أن التيار الإنجيلي، الذي يضم أكثر من 70 مليونا من المواطنين الأمريكيين، والذي يعتمد على آلاف من "الرهبان الدعائيين" المحترفين، يجد صدى عريضا في أمريكا اللاتينية (منظمة الاتحاد الإنجيلي لجنوب أمريكا، خاصة في البرازيل حيث حصدت الكنيسة أكثر من 30 مليونا من الأتباع، وفي اليابان وأفريقيا -تابع مثلا دور الإنجيليين المقربين من الرئيس الغابوني اغباغبو، في الأحداث الدائرة في ساحل العاج-، وفي أوروبا وحتى في الهند –جمعية البعثة الهندية- وفي الصين...)

 

لعبة الإنجيليين  في العالم العربي

 

 في العالم العربي، تتزامن الهيمنة السياسية والعسكرية مع حركة التبشير الإنجيلي، ويمضي الأمريكيون بيد تمسك بسلاح التهديد، وأخرى تمسك بالإنجيل، وترتكز خطة الإنجيليين على ثلاثة محاور:

1- الدعاية المستمرة ضد الإسلام والمسلمين، واتهامهم بأشنع التهم وأبشعها، وتحميلهم مسؤولية كل الآلام والشرور التي يعرفها العالم. ولهذا، وبتعاون مع المحافظين الجدد ذوي الالتزامات الصهيونية الواضحة، كان الإنجيليون أول من نظم الحملات التي تربط الإسلام بالإرهاب، وتبعا لذلك ب"محور الشر". وتعتبر المملكة العربية السعودية الهدف المفضل والدائم لهم، إذ لا يملون من مواصلة الحملة الدعائية ضدها، وبتوجيه التهمة لها كلما أصدرت واشنطن تقريرها السنوي عن الحرية الدينية في كل بلدان العالم، إلا الولايات المتحدة نفسها، كما يسعون إلى تشجيع بعض التوجهات الدينية بها لإنهاكها وتمزيق وحدتها الدينية والسياسية.

2- استغلال الطوائف المسيحية الموجودة في المشرق العربي، كمسيحيي لبنان وفلسطين والعراق وسوريا. ففي لبنان، يقوم مبشرون إنجيليون بجولة شاملة في مجموع البلد كل صيف، وفقا لبرنامج تعده سفارة الولايات المتحدة به. وتقوم جماعات من الشبان بمهرجانات وسهرات ولقاءات على الشواطئ، قبل المرور إلى لقاءات خاصة، يرجون منها إقناع الشبان المسيحيين، وخاصة المارونيين، بالانخراط في الكنيسة الإنجيلية، مستعملين في سبيل ذلك كل وسائل الإغراء كتمويل الدراسة والحصول على رخص الإقامة في الولايات المتحدة وكل أنواع الامتيازات. ويصاحب هذا النشاط التبشيري حملة مضادة للدين الإسلامي يمكن تفسيرها بتصاعد الطائفية بلبنان، حسب شهادات حصل عليها عالم السياسة شارل سانت-برو مدير مرصد الدراسات الجيوسياسية بفرنسا. وعلى المنوال نفسه، ولكن بطريقة سرية، يعمل الإنجيليون في سوريا، بسبب يقظة السلطات. أما في العراق فقد وصل المبشرون الإنجيليون إليه محمولين على ظهور المدافع والدبابات وفي بطون الطائرات والقواعد العسكرية المتنقلة. وعلى وجه السرعة، طفقوا يقنعون المسيحيين العراقيين بتحويل النحلة والدخول في النحلة الإنجيلية الأمريكية بكل وسائل الترغيب. وفضلا عن الفاتيكان، لا تنفك الكنائس التقليدية عن التحذير من خطر الإنجيليين الأمريكيين. قال القس المسؤول في قرية عين قاوة القريبة من الموصل "إننا نشرح للمؤمنين في التجمعات الدينية أن هؤلاء المبشرين ليسوا في الحقيقة إلا عناصر أمريكية تسعى إلى شراء العراقيين، وغرباء يريدون القضاء على تاريخنا وصنع صراعات طائفية بالعراق، ونحذر دائما من فتح المجال أمامهم ليصلوا إلى أطفالنا وإقاماتنا وتجمعاتنا". كما أكد المسيحيون العراقيون أن هؤلاء الإنجيليين لا يسعون فقط إلى تشتيت المؤمنين، بل يريدون إحداث مناخ من الصراع الطائفي الذي لم يكن موجودا من قبل في العراق. إن هؤلاء الأجانب يريدون تخريب علاقاتنا الطيبة مع المسلمين وتعايش عرفناه منذ ملايين السنين". وكذلك يسعون بين الفلسطينين تمزيقا وتشتيتا.

3- الجهد الأكبر والأخطر لهؤلاء الإنجيليين هو سعيهم لإخراج المسلمين من دينهم وإدخالهم في النحلة الإنجيلية. الأسلوب المتبع هنا هو تنظيم شبكة خاصة منسجمة تعمل لهذا القصد، وتطوير خطاب يراعي ثقافة المسلمين، وتكييف الخطاب مع الرسالة القرآنية. ويتوجه هذا الجهد نحو أقليات وإثنيات من أجل إعداد مشاريع انفصالية مناهضة للعرب: يقع هذا بين أكراد سوريا والعراق، ومناطق القبايل والأمازيغ بالجزائر والمغرب.

ففي المغرب أنفق المنصرون الإنجيليون الأمريكيون كل ما في وسعهم سرا وعلانية، لتنظيم مهرجان مسيحي بمدينة مراكش أيام 6 و7 و8 ماي 2005 تحت غطاء "قافلة الصداقة، وكان البرنامج الأصلي يتضمن مناقشات ولقاءات مع الشباب حول المسيحية والإسلام، وزيارات لبعض المدارس، لكن حركة الاحتجاج والرفض دفعت المنظمين إلى تغيير البرنامج والاكتفاء بالسهرات التي أدخلوا فيها فنانين مغاربة. وذكرت الصحيفة الأسبوعية  "لاغازيت دوماروك" أن مايكل كيرتلي هو الذي ضغط على السفير المغربي بواشنطن عزيز مكوار للتدخل لدى السلطات المحلية بمراكش.   وأشارت عدة تقارير صحافية غربية ووطنية، بل منذ أكثر من عام، إلى تكثيف النشاط التبشيري الأمريكي بالمغرب مع صبغه بالطابع المحلي المغربي (مذكرات سنوية وأشرطة سمعية وبصرية ومراسلات شخصية وكتب موزعة..)    

أكثر من هذا، كشفت التحقيقات المغربية، وفق ما جاء في "لاغازيت دوماروك"( العدد 416/ الاثنين 18 أبريل 2005/ ص 22- 24) عن قيام هؤلاء المبشرين بعمل مزدوج، أي التنصير من جهة، والتجسس من جهة أخرى لعدة دول منها الكيان الصهيوني، مستغلين في ذلك الفراغ القانوني، والتقاعس عن تعريف المغاربة بدينهم على نطاق واسع وشعبي.

 وكانت قد شهدت مدينة طانطان تسليم القوات الأمريكية لإدارة مدرسة عين الرحمة بالمدينة كمية من اللوازم المدرسية يوم 7 أبريل 2005 قصد توزيعها على التلاميذ ووضعت في المحافظ ورقة تحمل اسم كنيسة بمدينة سالت لايك بولاية إيتا في الولايات المتحدة الأمريكية وعنوانها، ويتعلق الأمر بـ''كنيسة عيسى المسيح لقديسي اليوم الآخر''.

أما في الجزائر، فقد ركز الإنجيليون جهدهم في منطقة القبايل الأمازيغية الفقيرة، واستطاعوا استقطاب عدد من الجزائريين وأخرجوهم من الإسلام إلى المسيحية مستغلين ظروف الحاجة والأمية والاضطرابات التي شهدتها الجزائر. وقالت السلطات الجزائرية المسؤولة إن المبشرين تسللوا عن طريق الأجهزة الأمنية المخابراتية، وأنهم يسعون لبث الفرقة والبلبلة. بل إن إسلاميي الجزائر اتهموا الحركة الأمازيغية المتطرفة بتلك المناطق بتشجيع وتمويل حركات التنصير، وأن الهدف البعيد هو تكوين أقلية دينية مسيحية تحظى بالحماية والرعاية من لدن الدول الغربية، مما يسمح لها بالتدخل لحمايتهم من التشدد الإسلامي، ,ان الأمر نفسه يجري العمل له في المناطق الأمازيغية النائية من المغرب.   

النشاط الإنجيلي الأمريكي يحظى بمتابعة إعلامية لعدد من المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي تستفيد من دعم الولايات المتحدة، خاصة من الكونغرس والمخابرات المركزية (السي أي إي): مثل إذاعة المحبة وقناة سي إن أي لشمال أفريقيا، وقناة لايف تي في وميراكل تلفزيون، وغيرها. وذلك دون احتساب القناة الأمريكية "الحرة"، وشبكات المواقع الإلكترونية، مثل برنامج التدريب على استعمال الأنترنت (غلوبل أنترنت بوليسي إينيسياتيف) التي أطلقتها كتابة الدولة الأمريكية ضمن مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسطن التي تشمل الجزائر وتونس والمغرب ومصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق والمملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وعمان وقطر والإمارات العربية المتحدة واليمن وفلسطين.

وينبغي التأكيد على أن الغاية الكبرى، ليست هي نشر الإنجيلية في العالم كله، إذ يعرف القوم أن هذا أمر مستحيل، ولكن القصد هو اختراق العالم الإسلامي والعربي وزعزعة الاستقرار به وإضعافه، وتهيئة المناخ لصدام الحضارات وبناء الشرق الأوسط الكبير كقاعدة كبرى للولايات المتحدة الأمريكية.

 

التمدد الإنجيلي جنوب الصحراء بأفريقيا

 

تتمدد الكنائس الإنجيلية الموالية للولايات المتحدة الأمريكية جنوب الصحراء الأفريقية مسلحة باستراتيجية حديثة ونشاط تبشيري مكثف. ويتزايد عدد المعتنقين الجدد للنحلة الإنجيلية الأمريكية تحت سمع وبصر الكنائس الأخرى. ومنذ بدايات 1990 شهدت عدة بلدان أفريقية اكتساح هذه الكنائس لمساحات جديدة بفضل وسائل فيها كثير من التجاوز ولكنها فعالة.

في أفريقيا الوسطى أصبحت الكفة متعادلة بين الكنيسة الإنجيلية والكنيسة الكاثوليكية بعد أن كانت الثانية أسبق مدة وأكثر عدة، ويقوم بالتنشيط والتبشير في كثير من الأحيان رهبان أجانب قدموا من الخارج، وفق ما جاء في قصاصة لوكالة الأخبار الفرنسية "فرانس برس" من داكار السنغالية يوم 19 أكتوبر 2005.

في الغابون، يوجد حوالي 1070 كنيسة إنجيلية في مقابل حوالي 60 عام 1992. "الاستقطاب يتم بطريقة عجيبة وانفعالية، وعن طريق وعود ومعجزات وكرامات بالشفاء عن طريق الإيمان"، كما يصف خبير نفسي غابوني مختص في السلوك الديني. وتشكل الجمهورية الديمقراطية للكونغو بؤرة فوارة لهذه الكنائس التي تمتلك قنوات تلفزيونية قوية. أما في زامبيا ف"تجذب الكنائس الإنجيلية جماهير غفيرة عن طريق صلوات يتطرق فيها الى المشاكل اليومية التي يعاني منها الناس"، كما يؤكد القس بيتر باندا راهب كنيسة "المعجزة".

وفي الجنوب الغربي لأفريقيا تناسلت عدة جمعيات إنجيلية موالية للولايات المتحدة الأمريكية أنشأها نيجيريون وغانيون وبينينيون. وفي الطوغو استوطن المبشرون في الضواحي المحيطة بالمدن الكبرى محولين الدكاكين والمرائب الى أماكن للعبادة. وفي ليبيريا يستغل المبشرون الأزمة الاقتصادية لمخلفات الصراع السياسي بتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين.

 وفي أفريقيا الشرقية يسعى الإنجيليون الى تثبيت أقدامهم، في كينيا على الخصوص، باستثمار الزيارة التي قام بها القس الشهير الأفريقي الأمريكي ت.د. جيك. وقال هذا القس بكل صراحة "اننا نأمل أن نكون شركاء لاخواننا الأفارقة في الهموم والإنجيل معا".

 

توطيد العلاقة مع الزعماء السياسيين

 

وأمام هذه الوسائل الغازية تعاني الكنائس التقليدية معاناة شدية في سد الطريق أمام هروب "المؤمنين"، وتجتهد في تحسين صورتها وتجديد وسائل عملها بتقليد الإنجيليين الجدد. لكن هؤلاء يعززون المواقع التي احتلوها بتوطيد العلاقات مع المسؤولين السياسيين ودوائر القرار والنفوذ. فرئيس أفريقيا الوسطى فرانسوا بوزيزيه، المتدين جدا، يعتبر من المؤسسين للكنيسة الإنجيلية "المسيحية السماوية الجديدة أورشليم". ورافق الرئيس الأسبق لزامبيا فريدريك شيلوبا الإنجيليين الزامبيين في عدة أنشطة، خاصة أنشطة القس التلفزيوني الشهير نيفير مومبا الذي أسس عام 1998 حزبا سياسيا هو "التحالف المسيحي الوطني"، وهو حزب جذب اليه عددا من الأتباع المسيحيين الإنجيليين الجدد. في ساحل العاج تصاعد الوجود الإنجيلي بعد أحداث 19 سبتمبر 2002، أي بداية الأزمة العسكرية السياسية التي ما زال البلد يعيشها. وكثير من العاجيين ينظرون الى أزمتهم نظرة دينية، ويعود السبب الى أن الرئيس اغبابو وأتباعه يظهرون انتماءهم الديني الإنجيلي. في الغابون يتزايد عدد النخبة في قلب هذه الكنائس، وقد قامت السفارة الأمريكية في العاصمة "ليبرفيل" بتمويل مشاريع صغرى تسيرها كنائس "اليقظة" مدشنة بذلك أسلوبا جديدا في نشر الإنجيلية.

 

دولة دينية بلا منازع

 

انتقلت المسيحية الإنجيلية الأمريكية، عبر مراحل من التطور والتنظيم، من التحكم في القرار الاقتصادي والإعلامي ثم السياسي داخل الولايات المتحدة، إلى الهيمنة بعد ذلك على البيت الأبيض وعلى العقل الجماعي الأمريكي. والآن تستغل الإنجيلية السيطرة السياسية والعسكرية للولايات المتحدة لبسط نفوذها في العالم كله. ولا تستثني العالم العربي والإسلامي من ذلك، وتعول كثيرا على أسطورة عودة المسيح عليه السلام ومعركة ياجوج ماجوج للقضاء النهائي على الإسلام والمسلمين، ثم القضاء بعد ذلك على اليهود واليهودية أو إرغامهم عى اعتناق الإنجيلية. وفي سبيل ذلك تقوم بحملة تعبئة عالمية، لإحكام الطوق على العالم العربي وبث الفرقة والاضطرابات فيه. وبذلك تصبح الولايات المتحدة دولة دينية بلا منازع، وزعيمة التطرف الديني بامتياز، والصانعة الأولى للإرهاب والإرهابيين.