عندما يقارن كيسنجر بين حرب العراق وحرب فيتنام!

 

 

 

 

بقلم :د. أحمد القديدي

 

نشرت صحيفة لوفيغارو الباريسية هذا الأسبوع مع عديد من الصحف الأوروبية والأميركية البحث الاستراتيجي الأخير الذي كتبه وزير الخارجية الأميركية الأسبق/ هنري كيسنجر والذي صدر منذ أيام في مجلة الدراسات الأكاديمية والعلاقات الدولية (تريبيون ميديا سرفيس انترناشونال) وصحيفة واشنطن بوست، ولا يخفى ان تحليل رجل مثل هنري كيسنجر لأخطر حالة سياسية تواجهها الولايات المتحدة والعالم اليوم هو تحليل مطلوب وبضاعة استراتيجية نادرة تشبه الرؤى والقراءات التي يجود بها علينا الأستاذ محمد حسنين هيكل على الصعيد العربي. فكيسنجر كان هو المهندس الذي خطط لإنهاء المأساة الفيتنامية ثم هوالذي تفاوض في عهد الرئيس نيكسون مع الزعيم الفيتنامي الشيوعي/ فان فان دونغ في باريس، بعد أن تورطت أميركا في عهد كيندي في مستنقع الحرب الفيتنامية وأوغلت في الغرق في عهد خليفته/ جونسون، إلى أن جاءت السبعينيات من القرن الماضي مؤذنة بانتصار هانوي عاصمة فيتنام الشمالي على سايغون عاصمة فيتنام الجنوبي والتي كانت واشنطن تعتبرها سدا منيعا ضد المد الشيوعي الصيني والسوفييتي، بتطبيق نظرية المحاصرة (CONTAiNMENT) والتي كانت بمثابة العقيدة الثابتة للدبلوماسية الأميركية منذ عهد وزير خارجيتها الشهير جون فوستر دالس.

 

الآن يتكلم الاستاذ هنري كيسنجر (وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد منذ تخلي الإدارة عنه) ليعرض رؤية واضحة وشديدة الصراحة لحرب العراق ثم يقترح لانهائها سيناريوهات طريفة. والذي لفت نظري في قراءة كيسنجر حقائق استنتجتها لأقدمها لقرائي العرب ويمكن لهم الرجوع إلى نص البحث ليتأكدوا منها، وهي حقائق بعضها فاجأني وبعضها اقلقني ذلك القلق الايجابي حينما تعرف كيف يفكر الآخرون وماذا يخططون وبأي ميزان تاريخي يزنون مصالح العالم العربي والأمة الإسلامية في العصر القاسي الذي ندخله نحن العرب بلا أدنى تصور حضاري ودون أي تنسيق فيما بيننا وبالتالي بلا عتاد ولا غطاء!

 

1ـ يقول كيسنجر بأن الفرق الأساسي بين حرب فيتنام وحرب العراق هو أن الأولى كانت آخر معركة من معارك الحرب الباردة بينما الثانية هي معركة من معارك الحرب على الإسلام الراديكالي! مضيفا بأن حرب فيتنام ترتبط بالصراع الجغراسياسي في حين أن حرب العراق تصنف ضمن صدام الإيديولوجيات!

 

وهذا التحليل يستدعي وحده وقفة اعتبار واستفهام وتقييم، لأننا لأول مرة نجد مسؤولا كبيرا سابقا ومنظرا أميركيا من الطراز الأكبر يضع الأمور في نصابها بلا تزيين ولا تغليف ولا لف ولا دوران وبكل قساوة الواقع. فالأمر إذن لا يتعلق لا بأسلحة الدمار الشامل ولا بفرض الديمقراطية ولا حتى بحماية مخزون النفط بل إن كيسنجر يؤكد بأن الحرب العراقية هي حلقة من مسلسل الحرب على الإسلام.. الراديكالي! وعبارة (الراديكالي) هنا أوردها الأستاذ كيسنجر من باب الأدب الدبلوماسي والمراسمي، لكي لا يقول بصراحة الحرب على الإسلام، لسبب بسيط وموضوعي وهو أننا يمكن ان نتهم نظام صدام حسين بكل شيء إلا بالراديكالية الإسلامية التي لم تكن بالمرة وبالقطع نواة الإيديولوجية البعثية لا في سوريا ولا في العراق ولا عند ميشال عفلق مؤسس البعث! وبالطبع نحن لنا مآخذ عديدة على النظام الصدامي والفوضى التي فرضها على المنطقة بالحرب على إيران ثم بجريمة احتلال الكويت، لكن لا أحد على الإطلاق اعتبر بأن العراق كان قلعة الإسلام الراديكالي أو أنه كان مثل طالبان يؤوي الإرهاب المتطرف، بل إن إغلب المراقبين والمؤرخين والإسلاميين يعتقدون العكس تماما! والصراع المرير الذي خاضه نظام صدام مع الراديكالية يفند نظرية كيسنجر!

 

إن كيسنجر الذي يبلغ اليوم اثنين وثمانين عاما والحاصل على جائزة نوبل للسلام يكشف عن نمط تفكير سائد مع الاسف في الأوساط النخبوية الغربية من أميركا إلى أوروبا والذي يعتقد بأن رد الفعل الأميركي والغربي على اعتداء 11 سبتمبر ثم اعتداءات مدريد ولندن هو رد عسكري شامل لا على الارهاب لأن الإرهاب عدو هلامي متستر وذائب في المجتمعات بل على الإسلام كقوة محتملة مخيفة يمكن أن تتسلح بعض شعوبه بالقنبلة النورية ويمكن أن تتحالف أمته مع أعداء تقليديين للغرب كالصين أو شعوب الجمهوريات المسلمة التي كانت منضوية تحت الاتحاد السوفييتي السابق. وهذا الهاجس المرعب ليس جديدا بل عبر عنه منذ خمسين عاما الرئيس الراحل دوايت ايزنهاور في كتاب مذكراته الذي حرره ونشره عام 1959 الصحفي الاميركي ستيفن امبروز. ثم ان كيسنجر الذي ولد في المانيا عام 1923 من والدين يهوديين ثم التحق بوطنه الجديد الولايات المتحدة عام 1943 لم يستطع التخلص من الرؤية النمطية السائدة في الفكر اليهودي المعاصر مع الأسف والداعية لتحجيم الديانات الأخرى باللين أو بالقوة ومهما كانت خسائر البشرية! (راجع كتاب الدولة اليهودية لتيودور هرتزل الطبعة الفرنسية ص 122) لتدرك تسلسل وابعاد هذه النظرية الكيسنجرية الجديدة!