إطلالة من رأس السنة الميلادية على تشويهات المشهد الديني

العلمانية هي المشكلة

 

 

 

بقلم:د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

لم تعد العلمانية تكتفي بكونها وصفة الفشل  المستمر منذ البدء في مشروع النهضة الحديث الذي بدأه المسلمون منذ أكثر من قرن ولا يزالون ، ولكنها  –وقد أدركت قرب نهايتها ولنهايتها مقال قادم - صارت أكثر عدوانية إذ تعبث بيد ملوثة في جوانب المشهد الديني و المؤسسات الدينية " والخطاب الديني ، والجمعيات الخيرية العاملة في خدمة فريضة الزكاة

إنها العلمانية المشكلة

إنها العلمانية المحلية بالذات

ذلك أنها هي الغطاء العصري التنظيري للفشل الذي سموه النهضة ، وللزندقة التي سموها التنوير كما بينا في المقال السابق وما سبقه من مقالات عن العلمانية

 

إنها العلمانية في صورتها المحلية التي حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من تشويهاتها

ففي جامع الترمذي بسنده عن عبدِ الله بنِ خَبّابِ بنِ الأَرَثّ عن أَبِيهِ قال: «صَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ فَأَطَالَها فقالوا: يا رسولَ الله صَلّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلّيهَا، قال: «أَجَلْ إِنّهَا صَلاَةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، إِنّي سَأَلْتُ الله فِيهَا ثَلاَثاً فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهلِكُ أُمّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًا مِنْ غَيْرِهِمِ فأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا». قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.

 

 

 

 

 

ومن تشويهاتها الشيطانية التجديدية  إشاعة أكذوبة "تعددية الأديان الثلاثة السماوية " هكذا بغير تفرقة بين معنى الدين وهو من الله واحد غير متعدد ، ومعنى الرسالة وهي متعددة بتعدد المرسلين

وقد ترتب على هذه الأكذوبة تشويهات كثيرة ، منها ما وصل في المقابل إلى طرح مصطلح : " تعددية النجاة " في ذيل " تعددية الأديان الثلاثة السماوية " ووضعنا من ثم في تصور مغلوط عن دين الإسلام  حيث يجري تكييف العلاقة بين الإسلام وبين الأديان الكتابية - في زحمة الكلام عن التعددية - على أساس التسوية بينها وبين الإسلام في النجاة يوم القيامة، ويسوي بين الولي هنا والقديس هناك ، وأصبح يوحي بعدم جواز وصف الكافر بالكفر وإن أعلن ، مع خلط مستنكر بين  التكفير والمحاربة ،  بدعوى السلام والوحدة الوطنية ، والوحدة الوطنية أو السلام لم يكن يوماً في حاجة لهذا التزييف ،وهو أمر خطير يقول فيه أبو حنيفة رضي الله عنه " من قال لا أعرف الكافر كافرا فقد كفر " والله سبحانه وتعالى يخاطب من يقول لهم : " لكم دينكم ولي دين " ..  بتصدير قوله تعالى " يا أيها الكافرون ".

يقول السيد المستشار لبيب حليم لبيب في مقال له بالأسبوع 20 \12\2004 ( لم نعد نسمع كلمة مسيحي ومسلم وبدأنا نسمع كلمة مسلم وكافر!!) ونحن نقول له : كلاهما يقال يا سيدي ، وكلاهما صحيح ، وما الغرابة في ذلك ؟ وما هي عقيدة المسيحي إذن في محمد ؟ وما هي عقيدته في القرآن ؟ وبقدر ما تكون الصحة في ذلك تكون في قول المسيحي عن المسلم إنه كافر ، نعم أنا كافر بالصلب ، وكافر بالتثليث ، وكافر بألوهية عيسى ، وإذا قالها عني المسيحي فإنه لا يؤذيني ، نعم يؤذيني أن يصفني مسلم بالكفر ، ولكن لا يؤذيني أن يصفني المسيحي به ، فهو الضابط لي أنني على الإسلام ، وهو الضابط له أنه على المسيحية ، وهو خلاف في الوصف نابع من الواقع كما هو الأمر بين المسيحي واليهودي ، وبين الشيوعي والرأسمالي ، والديموقراطي والديكتاتوري ، و المصري والأمريكي ، وصاحب مذهب وصاحب مذهب آخر ، فكل منهما ليس هو الآخر، وهو خلاف لم يكن ونرجو ألا يكون مما يفسد للود قضية ، وهكذا كان الود بين الأجيال السابقة من أتباع كل من الدينين ، وهو ما نرجو أن يستمر ، ولا يهدده شيء كما يهدده الضغط على الحدود القاطعة المميزة بين الدينين ، هذا ما لمسته بين جيل الآباء والأجداد ، ولقد كانت الصداقة بين والدي وقد كان من نخبة علماء الأزهر في بدايات القرن العشرين  وبين جارنا السيد أبو ذكري تاجر البن من أقوى صداقاته وأدفئها ،  ولم يمنع ذلك أن  يقول أحدهما للآخر بحب ومودة : "  أستخسرك أن تكون من أهل النار " في ود وبسمة وحنو وأمل ، وهو الود الذي أشار إليه القرآن دون أن يكون مناقضا لوصفه لبعض أهل الكتاب بالكفر في آيات كثر ، والمشكلة إذن فيمن يستنكر ذلك أو يستغربه أو يأخذه على غير وجهه ، ومـِن أخـذه على غير وجهه توهـُم أن ذلك يعني شقا للوحدة الوطنية ، وما أحسب أن الوحدة الوطنية يفيدها أن تقوم على مجاملة يعرف الطرفان أنها غير صادقة في أمر العقيدة

أما إذا كان تبادل الوصف بالكفر يأتي على سبيل التشاتم فهو مالا يسمح به الفقه الإسلامي ويجعل فيه عقابا تعزيريا واجبا على من ينطق به ، وانظر في ذلك كتب الفقه المعتمدة ومنها كتاب " الأشباه والنظائر " للعلامة ابن نجيم من أئمة الحنفية

 

وكان آخر هذه التشويهات المترتبة على تلك الأكذوبة طرح ما يسمى " الفرقان الحق "  ، الذي تحدثنا عنه في مقالين سابقين ، حيث تتوجه السهام إلى العقيدة لتزيفها أ أو تنقص منها أو تزيد عليها، أو تبدلها، أو تعيد تركيبها.

ومن قبل ذلك ظهر التشويه الذي شاع شيوعا كبيرا منذ وقت طويل في أعياد رأس السنة الميلادية حيث اتخذوا منها إجازة رسمية وطنية للمسلمين ، وحيث يهرول المسلمون أو كثير منهم  نحو اقتفاء أثر المسيحيين في الاحتفال بهذه الأعياد، دون أن توجه لهم الدعوة لاستضافتهم من أصحاب الشأن  الذين ربما يكونون أكثر حرصاً على الاستقلال بخصوصياتهم في هذه الاحتفالات ، ويغارون عليها من أمثالنا كما يغار العاشق .

والعجب أن البعض منا يكون في هذه المناسبة أكثر اندفاعا إلى تلك الاحتفالات من مجتمعات أخرى غير إسلامية. فمنذ عدد غير قليل من السنين قررت الحكومة الصينية فرض غرامة على أية هيئة، أو شركة تقيم احتفالا كبيراً بمناسبة رأس السنة الميلادية. وأصدر مجلس الوزراء الصيني قراراً يحذر المكاتب الحكومية من إنفاق مبالغ كبيرة على الهدايا والمآدب في احتفالات رأس السنة، وقررت أنه إذا لم يكن هناك مناص من إقامة احتفال فليكن فنجان شاي لا غير. وفي لندن منذ عدد غير قليل من الأعوام أيضا توقفت معظم الشركات البريطانية عن إقامة حفلات رأس السنة بسبب الركود الاقتصادي ، وأعلنت ربع شركات لندن إلغاء الاحتفال توفيراً للنفقات ، وحتى رسائل الأطفال إلى قرية بابا نويل في إنجلترا انخفضت إلى النصف بسبب سوء الأحوال المالية.

أما في بعض البلاد الإسلامية - مهما يكن فقيراً غارقا في عشرات المليارات من الديون الخارجية - فإن الاحتفال يأتي عادة وقد تطور إلى أرقام قياسية في الاستعدادات والإنفاق والى مئات الملايين من الدولارات.

هكذا نتابع نحن المسلمين الاحتفال بأعياد المسيح ونتخذ منه إجازة رسمية ، ويا للعجب. ومصدر العجب أننا إذ نقتفي آثارهم ونزعم المجاملة لهم فإن المسيح الذي يؤمنون به لا نعرفه - لأنه حسب عقيدتهم إله -، والمسيح الذي نؤمن به لا يعرفونه - فهو حسب عقيدتنا بشر نبي - والمسيح عليه الصلاة والسلام في الحالتين يبرأ من كل ما يرتكب باسمه إذ الجميع يحتفلون به بالغناء والرقص والسهر والفجور وشرب الخمور.

والقضية فيما نود أن نطرحه هنا أكبر من قضية الاحتفال في حد ذاته، وإنما هي تنفتح لقضية أعم، هي قضية التغطية العلمانية على تدمير الهوية الإسلامية للشعب المسلم، ونحن أكثر ما نكون غفلة عن هذه القضية، حتى صرنا أمام مأساة (أن لا نكون) بدون ذلك الخيار الشهير المنسوب إلى أديب انجلترا شكسبير .

هذا بينما يوجد بيننا هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحذرنا بأخطر لهجة وأشد أسلوب من فقدان الشخصية. فها هو صلى الله عليه وسلم - في حس حضاري رفيع - يأمرنا بقوله - فيما روي عن ابن عمر مرفوعاً - (خالفوا المشركين ، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب) رواه الستة، ويقول فيما رواه الستة أيضا: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم )، ويقول فيما رواه الترمذي وأبو داود : ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس ) ويقول فيما رواه أبو داود وصححه ابن حبان : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) وفيما أخرجه أبو يعلى مرفوعاً من حديث ابن مسعود (من رضي عمل قوم كان منهم ) .

يقول العلماء: إذا تشبه بالكافر واعتقد أنه بذلك يكون مثله فقد كفر، أما إذا لم يعتقد ذلك فالصحيح أنه لا يكفر، ولكن يؤدب.

والخطر الذي يهدد الشخصية الإسلامية ليس في كل مسألة من مسائل هذا الانمياع في الشخصية الغربية أو المسيحية على حدة ، إنه ليس في مسألة الملبس أو اللحية أو الأعياد كل منها على حدة، كما يحلو للمدافعين عن مثل هذا السلوك أن يناقشوا الموضوع ليجوز لهم بعد ذلك أن يبرروا أو يهونوا من الأمر...

ولكن الخطر هو أن مثل هذا الاحتفال يأتي ضمن عملية علمانية شاملة تجري على قدم وساق، بأساليب الغزو الثقافي ، منذ وقت طويل ، وحذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ وقت طويل أيضا.

إن مقاومة  حملة الغزو الثقافي نتفة نتفة أشبه بمقاومة هجمة سبع  شرس مرة بالتعامل مع لبدته ، ومرة بالتعامل مع نظرة عينه اليسرى ، ومرة بالتعامل مع ظفر من أظفارمخلبه الأيمن وهكذا لابد من مواجهة عليمة بحقيقية الغزو وأطواره وأهدافه ضمن خطة شاملة  ..

 

إن هذا الغزو العلماني يعمل على نطاق واسع منذ بداية عصر الاستعمار مروراً إلى عصر العولمة المجيد !!. يأتي في الفلسفات الحديثة والمعاصرة عندما يروج لها على المستويات المختلفة بغير بيان خطرها على الإسلام . ويأتي في التنظيم الاجتماعي حيث تنتشر الدعوات إلى إنكار دور الدين في الحياة العامة ، وتقليص دوره في التعليم ، وخنق وجوده الصحيح بين الرأي العام ، واستبعاد الجهاد من ميدان التعامل مع أعداء المسلمين .

وفي قضايا التشريع حيث يستخف بنظرة الدين إلى الربا، وبنظرته إلى تعدد الزوجات ، والنسل ، والقوامة ، والعقوبات ، وحيث تتوجه السهام إلى أشكال العبادة لتهون من شأنها أو تسخفها ، أو تقلل من تأثيرها، أو تضيف إليها، أو تساوي بينها وبين شعائر مبتدعة أو فولكلورية.

وفي تدوين التاريخ حيث يقدم الدين على أنه ظاهرة من ظواهر الصراع الطبقي أو القومي، أو البيئي، وبؤرة من بؤر الحروب وإراقة الدماء.

وفي أساليب التربية حيث تنحصر الاتجاهات التربوية في نظريات ديوي، وفرويد، وأدلر بما لكل منهم من مرجعيات خاصة.

وفي فنون الأدب: حيث توجه الاحتجاجات الصارخة ضد قدر (أحمق الخطى)، وتصور الشخصيات الروائية وهي تبحث عن الله بحثا محكوما عليه بالفشل، وحيث تقدم شخصيات التاريخ الإسلامي ، بصورة شائهة ، غارقة في حنايا الحانات ، أو تائهة في أسواق الجواري وفقا لمعلومات الغواني والأغاني .

وحيث تقدم الشخصية المتدينة العادية في صورة كريهة تثير التهكم والسخرية والاتهام بالتخلف.

وفي بعض البحوث الإسلامية نفسها: عندما يستبعد بعضهم السنة من التشريع بدعوى التطور والنسبية التاريخية ، أو يسلط عليها مفهوما زائغا عن التجديد ، ويقدم بعضهم القصص القرآني على أنه نوع من الفن الروائي أو الاقتباس الأسطورى ، وحيث تقوم الدعوة إلى إغفال النصوص المتعلقة بالجزئيات والاكتفاء بالمبادئ العامة التي يرضى عنها العقل ولا تختص بدين من الأديان.

وفي ميدان العادات والأخلاق : حيث يحاول البعض في وسائل الاتصال تصوير ما عليه الغرب من انحرافات أخلاقية باعتباره أمراً عاديا، أو حرية شخصية، تتكفل وسائل الإعلام بتمريره بأسلوب علمى قدير. وحيث يتحول تيار التعرية وظاهرة التحات الى مواقع التقاليد والعادات وليجري فيها استيراد البديل: في أسلوب الفرح والحزن، والرضا والغضب ، وفي طريقة الحديث ، والنطق ، واللغة،  وفي عادات الأكل ، والنوم ، والسهر، والتزاور، والاختلاط ، والاحتفال بالأعياد.

ويجري ذلك كله بمبادرة عملانية ، وتنظيرات علمانية ، ، وبين يدينا فرمان ثقافي صادر من كبرى القلاع العلمانية في القرن العشرين ، روجت له جوقة قديرة صاحبته واحتلت منابر الدعوة إليه، لكي نمحو من قلوبنا ذلك (الوهم الشنيع !! ) الذي يصور لنا أننا خلقنا من طينة غير طينة الأوروبي! أو فطرنا على أمزجة غير الأمزجة الأوروبية! وأن علينا أن نسير سيرتهم، ونسلك سلوكهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها، وما يعاب، كما هو نص الفرمان الشهير، والذي كان لنا - نحن ضحاياه - فضل تلقفه وتقديسه، ونفخ الروح فيه، وجعله منهاج حياة.

ولا يعني هذا تجاهل العدو الرئيسي والفاعل الأصلي - الاستعمار الأوربي بمناهجه المختلفة عسكرية كانت أو تعليمية أو سياسية أو اقتصادية أو إعلامية أو ثقافية ، وبأشكاله المختلفة : أسبانيا كان أو برتغاليا  أو إيطاليا أو فرنسيا أو بريطانيا أو أمريكيا أو صهيونيا أو صليبيا -  كما لا يعني اعتذارا له بمقولة سخيفة تتداولها أفواه مضللة : من مثل "هذا حقهم " إلا كما يكون لأحدهم أن يعتذر للشيطان بمثل ذلك " هذا حقه " ، وهذا باطل فالشيطان ملعون ملعون غير معذور ، والاستعمار بعض يدي هذا الملعون ، والشيطان معتد أثيم مفضوح مفضوح غير مستور ، والاستعمار بعض مفضوحيه ، ولكن مع ذلك يجب أن لا نتوانى عن التنبيه إلى اصابعه الحقيرة ، لأنها المستورة بيننا ، المسماة ببعض أسمائنا ، النائمة في فراشنا ، " أصابعه " التي قامت بدور " السبب الضروري " الذي لولاه لما كان للأسباب الأخرى  أن تفعل فعلها المدمر ، ولذلك كان هو الأخطر ، ولذلك كان هو المستور الذي لابد من فضحه : إنها العلمانية

وهي العلمانية المحلية بالذات

 

لا يختلف اثنان في أنه لولا حزب أتاتورك ما سقطت الخلافة ، ولولا خدعة الدولة العربية الهاشمية ما تفكك الشام وما سقطت فلسطين  ، ، ولولا صدام  الطائفتين ما سالت الدماء أنهارا بين العراق وإيران ، ولولا الخليج ومصر وسوريا ما تحطم العراق ، ولولا تضارب الزعماء في السودان لما ظهر عليهم جارانج ، ولولا متفرنسة الجزائر لما أفلت الدولة الجزائرية الإسلامية بعد بزوغ ، ولولا جلبي وعلاوي وجلال طالباني والساستاني والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق ما وضعت أمريكا قدما في العراق

ونضيف في الأساس : ولولا تنويرية لطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى وذيولهما الجرارة حتى اليوم ما تاهت أقدام العرب عن سر النهضة

إنه لولا العلمانية النفاقية المحلية لما تهيأ المناخ لهذه الكوارث والانهيارات ‍‍‍‍‍. ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

إنها مؤامرة كبرى وإن كان الذين يباشرون دفعنا إلى الهاوية هم منا ! وهم الذين حذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في صيغة تنسب الخطيئة إلينا في متابعتنا لهم ، في قوله صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنة من كان قبلكم باعا بباع ، وذراعا بذراع ، وشبرا بشبر، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتم فيه) قالوا: ( يا رسول الله: اليهود والنصاري؟ قال: فمن إذن؟! ).

إنها مؤامرة كبرى وإن كان الذين يدفعوننا الى الهاوية هم منا: وهاهو جان بول سارتر منذ سنين طويلة كشف لنا - في مقدمة كتاب المنبوذون في الأرض - كيف يعد المثقف منا في مطابخهم ( يرتدون السترات والسراويل مثلنا، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا، وركوب عرباتنا،... ثم نرسلهم الى بلادهم، حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً، مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض ).

إنها مؤامرة كبرى وإن كان الذين يباشرون دفعنا إلى الهاوية هم منا !  ونحن نقرأ - بغير وعي - ما يصدر من حكمائهم  في شأن المحافظة على شخصيتهم ، سواء ما يقوله ت. س. إليوت في كتابه ( ملاحظات في الثقافة ) حيث يقول عن الثقافة الأوروبية ( إذ ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا) أو ما يقوله أحد المعلقين الفرنسيين عن غزو أمريكا لفرنسا غزوا ثقافيا: (أمريكا تسرق حاليا المسرح الثقافي في باريس) ، أو ما قاله رئيس القناة الثالثة في التليفزيون الفرنسي منذ أعوام قليلة أيضا إنه (لن يسمح للزبالة المرئية المسمومة التي تأتي من أمريكا أن تصب في التليفزيون الفرنسي!!).

ونحن نرجع هنا إلى  أن ما ذكرناه أخيراً من العلمانية المحلية لا يتعارض مع الأخذ بنظرية المؤامرة ، وهي وإن كانت  نظرية مطاردة في الوقت الحاضر، وكل تفكير من خلالها تمت مصادرته مقدما إسهاما في المؤامرة ، فإننا رجعنا إلى الدفاع عنها  في مقالنا السابق ، بالرغم من أننا  نكاد نسمع من يعلن أننا ما نزال نتمسك بخصوصية الفشل وبلا مؤامرة في أخذنا بشطر (لا نكون) من مأثورة شكسبير طيب الذكر.

*******

 

ومن هذه التشويهات التي تتم بغطاء من العلمانية المحلية : إشاعة القول بتحديث الخطاب الديني انطلاقا من إشاعة القول  بتجديد الدين وهو شعار باطل إسلاميا وقد بينا في مقال سابق ألا سند له من منطق أو نظر أو  قرآن أو حديث ، أما إن توجه  دعاة تحديث الخطاب الديني إلى " تديننا " بالخطاب الديني القديم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار أن هذا التدين قد ناله شيء من الغربة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم ( بدأ الإسلام غريبا ويعود غريبا كما بدأ )  بسبب من تغربنا أو غربتنا نحن  عنه ، منذ وقت غير قصير  ، أو بسبب أخطاء بشرية يرتكبها الذين يعرضون هذا الخطاب من بعض العلماء والدعاة ومتكلفي الفتوى ، فالقضية تستحق النظر ، ولكن بما أنها أخطاء بشرية ارتكبها بشر فالشعار الذي يصح طرحه قد يصح تسميته التصحيح : تصحيح  تديننا بالخطاب الديني بمعنى إرجاعه إلى حال صحته . أو تجليتة : تجلية  تديننا بالخطاب الديني ، بمعنى كشفه في حقيقته وأصالته . أو تجديده :تجديد تديننا بالخطاب الديني بمعنى الرجوع به إلى حال جدته وعافيته ورونقه ونصوعه ، وهي  الحال التي كان عليها عند نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم .

 

ومهما اختلفنا في شيء مما تقدم فإن الأمر الذي لا شك فيه ولا أظن أن خلافا يمكن أن يدور حوله هو أن القضية ذات حساسية خاصة ومسئولية عالية من جهتين : من جهة الخطاب الديني نفسه باعتباره خطابا إلهيا ينبغي الاقتراب منه بحساسية مناسبة " لا يمسه إلا المطهرون "، وهو حساس من جهة ثانية باعتبار أن " التحديث" وارد من وادي المصطلحات الغربية  ، ضمن مجموعة من المصطلحات المماثلة  عن التحضر والتقدم والتطور والتحديث والحداثة وما بعد الحداثة إلخ  فكيف يقترب من الخطاب الإلهي وهو – أي ما يسمى " تحديث الخطاب الديني " لا يقبل التطهير كشأن النجاسات عموما .

 

لذا فقد كان لابد للمسئولين عن الدعوة في ذراها ألا ينساقوا مع العلمانية في تقبل مصطلحات غير نقية – على الأقل – وتسويقها في أقدس محاربنا " الخطاب الديني " وكان من حقهم  –بل من واجبهم  أن يكونوا قد تحدثوا من زمن غير قريب عن تصحيح تديننا ، أو دينونتنا  بمعنى الرجوع بها إلى حال صحتها ، أو تجليتها بمعنى الرجوع بها إلى حال جلائها ووضوحها ، أو تجديدها بمعنى الرجوع بها إلى حال جدتها ونصاعتها

 

 

وقد كان المجال مفتوحا أمام المسئولين لو أنهم يريدون تصحيح أحوالنا مع الخطاب الديني أو تجليتها أو تجديدها  - لا حدثنة الخطاب الديني  بوحي من العلمانية الأمريكية - أن يقترحوا بديلا غير الخطة الأمريكية في إدمان الكلام عن السماحة والتسامح من وجهة النظر المسيصهيوينة ..

وأن يرجعوا بالمسجد إلى حاله كمنارة ، فيفتحوا المساجد لدروس ومحاضرات متنوعة الموضوع والأهداف على مدار الساعة طوال الأسبوع

وأن يبادروا – على سبيل المثال - إلى تصحيح ما انتشر أخيرا بين الخطباء والدعاة من استسهال اللغة العامية ، أو من النطق الكسيح باللغة العربية لغة القرآن  وتصحيح نطقهم بآياته .

وأن يبادروا – على سبيل المثال - إلى التعريف بشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كي لا يصبح سلاحا في يد الجهلاء ، أو تنفيسا عن فظاظة في الخلق ، أو رغبة في التعالي على الآخرين ، أو دعوة متشنجة إلى تبديع كل ما يخالف مذهبا دون مذهب معتبر

وإلى شروط الأخذ بالأحوط كي لا يتحول إلى إصر وأغلال قد رفعها الله من قبل ، وهو مبدأ لا خلاف عليه عندما يكون الأخذ به يسير الكلفة كاشتراط النية في الوضوء ، لكن ما الحال عندما يكون ثمنه تطليقا في صيغة مختلف عليها بين المذاهب المعتبرة ؟..

وأن يعلموا الناس شروط التسامح كي لا يتحول إلى ذل ومهانة .

وشروط الأخذ بالمصلحة كي لا يتحول إلى نفعية براجماتية دنيوية خالصة.

وشروط الأخذ بالتيسير كي لا يتحول إلى تسيب واستسهال للآثام .

وشروط الاستغراق في بعض المندوبات كي لا يتحول إلى استخفاف بالواجبات

وشروط الانكفاء على فروض العين كي لا تتحول إلى إهدار فروض الكفايات

وأن يمنعوا بعض الدعاة من أن يوجهوا كلامهم دائما في صيغة الفتوى وهم منها بمنزلة متواضعة !! وأن يكتفوا بصيغة إسداء النصيحة وإبداء الرأي ولهم فيها فسحة تناسب ضحالة ما هم عليه من العلم والمعلومات

وأن يبينوا لماذا كان الدعاء غير مستجاب وبخاصة على الأعداء ، وكيف يصير مستجابا ، وما هي الشروط لذلك سواء في شخص الداعي أو في النظام الذي يمثله أ أو في الجمهور الذي يردده .

وأن يكفوا ألسنة بعض الدعاة عن الشخط والنطر والتقريع والسخرية والتهكم المر بمن يستمعون إليهم من الممتثلين أصلا لا لشيء غير التنفيس عن حالة نفسية يستمتعون فيها بمنزلة التعالي من الناصح في مواجهة المنصوح

وأن يتواضعوا في تعاملهم مع المستمعين فيكفوا عن تقريعهم لا لشيء إلا لأنهم يسلكون في العبادة على غير مذهبهم ،عندما  نجد بعضهم ينهى  في خطبته بالمسجد الجامع عن إسدال  اليدين في الوقوف في الصلاة مثلا بينما هو- أي هذا الإسدال – صحيح في غير مذهبه أو فيما لم يطلع عليه  ، ونجده في خطبة أخرى  يقوم بتعليمهم طريقة التداوي بالماء المقروء عليه بآيات معينة من القرآن الكريم محذرا من  صب هذا الماء – بعد أداء غرضه – في الأماكن التي يصب فيها الماء عادة !! وهكذا ..

 

وأن يتواضعوا في تعاملهم مع المستمعين فيكفوا عن تقريعهم لا لشيء إلا  لأنهم على غير توجهاتهم الحداثية كما يحدث من واعظ عامي اللغة " اختيارا " ، لاذع السخرية حاد التهكم بمن يحسبهم خارج منهجه في وعظه الانفتاحي  ، داعيا إلى التوجه إلى الدنيا بغير هوادة ساخرا من " أخلاقيات : الفقر والقناعة  والتقشف والتوكل  والغيرية" ومن حكمة الشعب  القائلة - وهي على حق في غالب الأحوال  - " أعوذ بالله من كلمة " أنا " باعتبارها السبب في تأخر المسلمين ، كأنه لم يدرك أهمية التوازن والتكامل بين هذا وذاك ، أو كأنه لم يدرك كيف تأتي الدنيا راغمة لمن يكون همه الآخرة ، أو كأنه لم يستمع يوما إلى قوله صلى الله عليه وسلم  ( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني أخشى أن يبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها ، فتهلككم ) متفق عليه . أو كأنه لم يسمع قوله تعالى ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) 24 يونس

 

وعلاج أحوال الدعاة  ليست في إنكار عذاب القبر أو السخرية بعبرة الأجيال ، ولكنه يأتي ضمن خطة شرعية متكاملة تتفاعل منهجيا في تصحيح العلاقة بين الداعية والجمهور ، أو بين الخطيب والمصلين في المسجد بحيث لا تأتي الخطبة من اتجاه واحد يصبه الخطيب في آذان المستمعين صبا يحميه من النقد والمراجعة ، ويبعث في الخطيب شعورا مضللا بالتعالي والأستاذية ، بينما يبعث في نفوس المستمعين الملل واليأس والريبة والقرف ،  ، يستمعون فيه – كالقطيع – أحكاما قاطعة  فيما فيه خلاف ،  كانوا يتلقونها بالامتثال والتقديس في سالف الزمان في وقت كان الخطيب في نظرهم هو النموذج المعصوم أو شبه المعصوم والعلامة المبروك واسع العطاء الذي يلقونه بالسمع والطاعة والتسليم وتقبيل اليدين ، أما اليوم فهم يفحصونه بعيونهم ، ويتشككون في جدارته إن لم يتشككوا في إخلاصه ، العلاج لا يكون في فرمانات تأتي من مراكز تجفيف المنابع وأمركة الدين ، وإنما – وضمن علاجات أخرى - في  أن تخصص سويعة بعد الصلاة للمناقشة المفتوحة بين الخطيب والمستمعين   ، أو أن يأتي مفتش المساجد بين فترة وأخرى ليجري هذه المناقشة في حضوره بجدارة أكبر ، فيدفعه ذلك دفعا إلى حسن الصلة وحسن القول وحسن الاختيار وحسن المعاملة وحسن المراجعة وحسن الاطلاع ، وحسن القدوة والاقتداء

لكن دون ذلك خرط القتاد لأن العلمانية واقفة هناك تحرص على إشاعة الموات في الصلوات ، واستمرار تعفن الماء الراكد في كبرى المساجد ، وتشجيع الشعوذة والخرافة في المجال الديني حيث لا تكون قادرة على التخلص منه بالكلية .

 

وإنه ليعلم العلمانيون أن إصلاح حال المساجد بإرجاع المسجد إلى دوره التاريخي والجماهيري يعني قيامه بالدور الذي تم سلخه مما يسمى " المجتمع المدني " أو تم سلخ المجتمع المدني منه ، إنه يعني قوة جماهيرية ضاربة يمكنها أن تتحرك بإشارة من رموز التيار الإسلامي إذا تمتعوا بالوعي والحنكة والقبول لدى الجمهور ، وهذا ما تتحسب له التيارات العلمانية المتحالفة حاليا مع الاستبداد من ناحية والتغريب من ناحية ، والأمريكانية من ناحية ثالثة ، ومن هنا كان لابد من استمرار ما نراه من العبث ، وتفريغ المسجد من دوره الإسلامي العريق ، بتلك الأساليب  التي جمعت بين أقصى الشعوذة من ناحية وأقصى العلمنة من ناحية أخرى .

 

وإنه ليعلم العلمانيون أيضا أن إصلاح حال المساجد من وجهة نظر تمكينها من رسالتها مرهون باستقلالها وقصر تبعيتها المالية على " هيئة الأوقاف " وتبعيتها الدعوية إلى الأزهر ، تماما كإصلاح حال الأزهر أن يكون باستقلال علمائه بأموالهم ومناهجهم وخططهم وقصر تبعيتهم على المجلس الأعلى للأزهر مستقلا عن أي تبعية أخرى ، كما كان الحال من قبل كذلك ، وإنهم ليعلمون ونحن نعلم كذلك أن ( ديانتهم ) كعلمانيين لا تسمح بشيء من ذلك ولو قيد أنملة ، تماما كما لا تسمح الدولة البوليسية باستقلال البوليس على سبيل المثال !!

 

أما إلحاق الأوقاف بوزارة للأوقاف والأزهر بوزارة للأزهر فهو الخطوة الباطنة للعلمانية الدفينة تواصلا مع إجراءاتها التي تبلورت في قانون تطوير الأزهر لعام 1961 ، وبذورها التي بذرت فيه ، وحان الوقت لقطف ثمارها بعد فترة كافية من الاحتضان :

ففي مجمع البحوث الإسلامية الذي جاء بتسميته الهجين مكونا من مختلف التخصصات : الفقهية واللغوية والتاريخية والوظيفية إلخ  ، جاء على أنقاض " هيئة كبار العلماء " تم تدميره داخليا  بأغلبية من غير رجال الفقه ، تصدر الفتاوى منهم بسلطة هذه الأغلبية ،  وتفقد من ثم معناها أو حجيتها ، وتفقد طريقها إلى ضمير المسلم ، وإن لم تفقده إلى سلة العلمانية

وفي البداية كان هؤلاء يختارون من ذوي الضمير الديني الذي لا يسمح لهم بتطبيق مبدأ الأغلبية في مواجهة زملائهم الأقلية من الفقهاء ، ثم انفرط عقد هذا الضمان بمرور الوقت

وفي المعاهد الدينية الأزهرية بذرت بذور العلمانية بضم برنامج التربية العلماني كاملا بجوار البرنامج الديني بثمن باهظ من تخفيضه ، تمهيدا لتطفيش الطلبة هربا من ضخامة المقررات قياسا إلى زملائهم في التعليم العلماني الذي يسمونه التعليم المدني من باب التمويه .

وفي الجامعة : بذرت بذورالعلمانية بإنشاء أغلبية من الكليات الحديثة صفق لها الكثيرون ، طموحا مثاليا إلى تكوين الداعية الطبيب ، والمهندس الطبيب إلخ حسبما جاء في المذكرة التفسيرية للقانون ،  ولكن داء العلمانية كانت بذرته قد بذرت فيها إذ كان من شأنها – بعد أن نزلت من المثال إلى الواقع - أن تستصدر القرارات من مجلس الجامعة بأغلبية غير أزهرية ، كما كان من شأنها أن  تستقطب المتفوقين من خريجي المعاهد وتترك للكليات الشرعية الأصلية نفاية من الطلبة المتخلفين والكارهين ..ناهيك عن تهديد وجود هذه الجامعة نفسها بعد تحديثها ذاك بتهمة " التفرقة الطائفية " ولكل ثمرة من بذرتها أوان .

 

ومن تشويهات هذه العلمانية  الباطنة ما نعيش فيه منذ زمن طويل من جهل بالتاريخ الهجري لا ننتبه له إلا في مناسبة صوم رمضان  ، أو موسم الحج ، فضلا عن تنكيس ساعات النهار والليل ، واليقظة والنوم ،  والعمل والراحة  :  عكس فطرة الله والثقافة الإسلامية ، ففي فطرة الله والثقافة الإسلامية يبدأ النهار ( وجعلنا النهار معاشا ) بعد طلوع الفجر وصلاته مباشرة ، والعمل بعد طلوع الشمس مباشرة أيضا ، ويبدأ الليل ( وجعلنا الليل لباسا  ) ومن  ثم الراحة والنوم بعد غروب الشمس وصلاة المغرب مباشرة ، وينتهي بطلوع الفجر ، وفي سياق استبعاد الشريعة الإسلامية أو تجاهلها تم تنكيس الطبيعة حيث جعلوا النهار يبدأ من منتصفه : ومن ثم تبدأ اليقظة والعمل بعد طلوع الفجر بخمس ساعات أو أكثر ،  والليل يبدأ  من منتصفه : ومن ثم تبدأ الراحة والنوم بعد غروب الشمس بأكثر من خمس ساعات  ، واسألوا شوارع القاهرة متى تبدأ فيها حركة العمل وتفتح محلات التجارة والحرفيين

الأمر الذي صار فيه المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وجرى تزويره إلى حد أن موه على كبار المسئولين فرأوا  في أذان الفجر وأوقات الصلاة الأخرى مشكلة مزعجة وأرادوا توحيده في مركز ألكتروني ، وبثه لمساجد القاهرة في وقت واحد

هذا بينما الأذان عبادة خاصة لجماعة المسجد ، وليس مجرد إعلان عام للمصلين خارجه ، إذ هو شعيرة تصاحب الصلاة يتقرب الناس بها إلي ربهم كالنافلة رغّب فيها الرسول  صلي الله عليه وسلم بقوله « لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا » ويقول «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة»،   ويروي الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه قال لرجل في بادية لا يسمع فيها صوته وإن علا :« إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدي صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " . ويروي الإمام مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان في سفر فقاموا عن صلاة الصبح فلما استيقظوا أمر بلالا فأذن بالصلاة. ثم صلوا. { أمره بالأذان ولو بحيث لا مطمع في نداء يسمع  }

 

وكما يؤكد الدكتور عزت عطية الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر في تعليقه على ما يدبر للأذان أنه  : ليس  إلا بدعة سيئة واستجابة لضغوط قوية ممن يزعجهم رفع اسم الله في المساجد ويشير د. عطية إلي أنه يمكن أن تكون هناك أهداف أخري من وراء هذه الدعوة تجعلها تمهيدا لما هو أخطر وخطوة في طريق توحيد الخطبة في سائر الجمهورية. مؤكدا أن محاولات إخفاء الأذان تأتي ممن يزعجهم سماع صوت العقيدة الإسلامية. ويضيف – وقد وضع يده على بيت الداء - : لقد علت في زماننا الأصوات التي تعترض علي كل ما هو ديني وإسلامي ، وضعف المسلمين جعلهم يستجيبون أحيانا لهذه الأصوات.

ويعلن الدكتور أبو اليزيد العجمي أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم أن الحجة التي يتم الاستناد إليها لاقتراح هذه الفكرة هي حجة ضعيفة وواهية، فوزارة الأوقاف هي التي تقوم بتعيين المؤذنين في المساجد ويمكن لها أن تشترط حسن الصوت فيهم ، ويشير إلي أنه يمكن أن تكون الخطوة التالية لذلك هي ألا يكون هناك أذان في المساجد ويتم الاعتماد فقط علي أذان الراديو أو التليفزيون أو أن يكون هذا بداية لتوحيد الخطب في المساجد.

وقال الدكتور عبد الصبور شاهين: إن توحيد الأذان أمر يرفضه الشرع مؤكدا أنهم يريدون إسكات أذان الفجر بشكل خاص وهذا أمر خطير؟! وأضاف أ د.شاهين قوله : لو وضعنا الأمور في نصابها الصحيح فإن صلاة الفجر هدفها إيقاظ الناس للصلاة ، فكيف يتم ذلك بعدما يخفضون صوت الأذان؟! أو يجعلونه محصورا داخل الجدران

وكما يقول الأستاذ حمدي إبراهيم من علماء الأزهر : ( إن الأذان شعيرة تقترن بالصلاة حيث تكون ومتي تكون في مسجد أو سفر أو بادية ، في وقتها أو عندما تقضي في غير وقتها، وعلي الناس أن يتنافسوا علي الأذان قربة لله وبخاصة عندما يغيب المؤذن المعين في مساجد الأوقاف.

والداعون إلي توحيد الأذان يزعمون أن أصوات بعض المؤذنين مزعجة وغير جميلة فليلتمسوا مغنيا حلو الصوت يؤذن لهم ويصلي بهم الصلاة الجهرية!!

وكأني بمصرنا الحبيبة لا شيء يزعج فيها إلا صوت المؤذن.. أما أصوات السيارات والقطارات، وضجيج الناس علي المقاهي وهم يشاهدون مباراة كرة، ومكبرات الصوت عندما تقام الأفراح وغيرها وغيرها حتى لكأن الأصل في بلدنا الإزعاج، فما بال الأذان وحده يُستنكر?!!

كأني بتوحيد الأذان خطوة للدعوة إلي توحيد خطبة الجمعة وعندها سيقال : قلّ العلماء أرباب الفهم السديد والعلم الموثوق  الذين يواكبون تطور الحياة ، بينما صعد المنابر من يرددون كلمات محفوظة لا تسمن ولا تغني، وآخرون علوها بفكر مشبوه يخالف الشرعية الدولية !! ، ودعاة التطرف، مما يجهد الأمن ورجاله في المتابعة، وربما كان وراء بعضهم جهات أجنبية حسب ما ذكرته المذيعة وهي تتحدث مع السيد الأستاذ وزير الأوقاف عمن ينكرون توحيد الأذان ، وهذا الادعاء في الخطبة أوقع . وقديما قال فرعون { ذروني أقتل موسى وليدع ربه ، إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ، وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) } غافر 26-27  ألا تري أن الدعاوى وتوافر الأسباب لتوحيد الخطبة لا محل فيه لنقاش، وتصبح المساجد بلا أذان ولا خطيب

والبقية تأتي والليالي حبالي تلد العجائب وبذا تكون آخر عروة تحل من عري الإسلام هي الصلاة وإنا لله وإنا إليه راجعون.) جريدة " آفاق عربية " بتاريخ 21\10\2004

 

لقد صارت إذاعة أذان الفجر وأوقات الصلاة الأخرى مشكلة مزعجة  في تقدير السيد الأستاذ الدكتور وزير  الأوقاف ، وصف من أجلها مئات المؤذنين إن لم يكن الآلاف منهم بأنهم يتصايحون متضاربين صوتا ومتضاربين وقتا ، وشتمهم بأنهم " يجعرون " في أذانهم سامحهم الله ، وهم ما تولوا هذا العمل إلا بقرارات وزارية صدرت بتعيينهم ، فليسألوا أنفسهم ولتسأل جهات الرقابة الإدارية معهم : كيف حدث هذا التعيين  ، وما أسهل العلاج بإعادة تأهيلهم لو أرادوا ، وما أسهل العلاج بالتنسيق بين كل مجموعة من المساجد المتجاورة ، ، ولكنها في منظورهم مشكلة المشاكل التي تجند لها إمكانات الوزارة من حيث هي  في تقديرهم تقلق الكسالى أو النائمين من بعد سهر الليالي  ، وتمس وترا موجعا عند الكارهين أصلا لهذا الأذان ،  وارجعوا إلى ما نقلته الأخبار بتاريخ 18، 19 \9\2004 وشاشة التليفزيون 10\10\2004 عن حرص وزارة الأوقاف على البحث عن حل لأن  "الناس تشكو مر الشكوى من ضجيج مكبرات الصوت في المساجد" وارجعوا إلى جريدة " المصري اليوم " بتاريخ 22\11\2004    وقد نقلت عن السيد الأستاذ الدكتور وزير الأوقاف ضيقه الشخصي الحاد بميكروفون المسجد المجاور لسكناه الذي ظل طوال شهر رمضان يذيع الأذان  وصلاة التراويح  لمدة ساعتين يوميا دون أي رعاية للجيران قائلا ( ولم يذق أحدنا طعم النوم طوال رمضان وكأن " ولاد الكلب " الذين يسكنون بجوار المساجد ليس من حقهم النوم والراحة )‍‍‍

وما ذا بعد عندما تتكرر المسرحية بالنسبة " لإقامة الصلاة " وهي لا يتصور توحيدها في " إعلان " واحد ؟ ألسنا أمام عملية عبث من الطراز العالي  ، لولا أن وراءها ما وراءها من جدية مخبوءة ومواصلة نشطة لعملية إتمام " تأميم " المساجد ووضعها في يد سلطة يعلم الله مقدار التزامها بالإسلام ، في الوقت الذي يسمح فيه " بتخصيص " الجامعات ، وشركات المياه والنور والصلب والحديد وهلم جرا !!. ‍‍ ‍‍‍‍‍‍

 

وفي تقديرنا أن فهم المشكلة فهما صحيحا لن يكون ببعثرتها ، ولن يتم  بغير وضعها في سياقها العام ، سياق الزحف العلماني الحثيث وقد طال حتى المؤسسات الدينية  ، إن الحجج التي تساق لتبرير توحيد الأذان  هي محض جزء من المطاردة العلمانية الحثيثة الخبيثة  لرموز الإسلام الحضارية ، وهي محض فصل من فصول تشويهاتها الشيطانية في كل زاوية من حياتنا الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية ومن ثم الدينية

 

ومن تشويهاتها الشيطانية  في المجال الديني  مطالبة خبراء التربية الأمريكان بتطوير التربية الدينية في الأزهر باستبعاد  آيات قرآنية  من المناهج بأن تقتصر الآيات التي تدرس في مناهج التعليم على الآيات التي تحض على الجمال والخلق الحسن واستبعاد الآيات التي تتحدث عن القتال بحجة مراعاة المرحلة التعليمية، ويرقص على هذه الأنغام مسئولون مصريون كبار فهذا  هو الدكتور حسام بدراوي رئيس لجنة التعليم في مجلس الشعب يطالب بما سماه الأخذ بالنظرية التربوية التي تقوم على الترغيب لا الترهيب. وأنه يجب أن نعلم الأطفال الصغار الآيات التي تتحدث عن الأخلاق، وعن التسامح وعن الإيثار، وحب الجار، وبر الوالدين ومساعدة الأصدقاء، وجمال الخلق محتجا بأن الآيات القرآنية ممتلئة بهذه المعاني السامية. مستبعدا أو متجاهلا مبدأ التوازن بين الترغيب والترهيب في التربوية وفي القرآن الكريم

وفي هذا السياق  استقبل الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء، الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، والدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر، لاستعراض إجراءات تطوير التعليم الأزهري !!. ويأتي اللقاء بعد ارتفاع وتيرة الاختلاف بين العلماء التربويين الذين يطالبون بتنقية التعليم الديني في مصر من الآيات التي تحض على الجهاد وقتال الكفار، وتمسك علماء الدين بأن القرآن كيان واحد ، ولا يجوز اختيار آيات وترك آيات أخرى .

ويفضح المفكر الإسلامي الدكتور عبد الصبور شاهين وجهة النظر الأميركية واليهودية هذه بأن أصحابها  إنما يريدون  ألا تعرف الأجيال العربية الجديدة الآيات القرآنية التي تحث على الجهاد على قتال الكفار والمشركين . ومن ثم تحويلها إلى  أجيال سلبية ضائعة لا دور لها في الحياة. ( الشعب في 12\ 11\ 2004 )

 

ويأتي في هذا السياق ما يزعمه بعضهم في مشروعهم لتطوير المناهج التربوية الدينية الإسلامية :  من كفاية ما يسمونه " المنتخب من القيم الأخلاقية "  مأخوذا من الأديان المختلفة:

قصدا واضحا إلى إسقاط ما يشاءون من بين تلك الأديان كليا أو جزئيا فيما بعد ، إذ في غيرها الغنى عنها .

وتجاهلا منهم لوجود تصادم بين هذه القيم المنتخبة كما هو الحال بين قيمة الجهاد في الإسلام  وهو قيمة أخلاقية بل هو سنام الأمر كله في الإسلام – كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم - وبين قيمة المحبة في المسيحية ، وإذا نعق ناعق بإسقاط قيمة الجهاد بالكلية لحساب المسيحية فإنه يخطئ في فهم الإسلام والمسيحية معا ، إذ الجهاد في الإسلام قبل أن يكون سناما هو أصل العقيدة كلها ، تبعا لقوله تعالى " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة .. " كما أن المحبة في المسيحية وهي راجعة إلى عقيدة " الله محبة "  تعني المحبة التي تصل إلى التضحية في سبيل من أحببت ، وهي المحبة التي تعني في هذه الحال القتال من أجله إلى حد الموت في سبيله ، وهكذا قامت الحروب الصليبية في تاريخ الكنيسة وأريقت دماء سبعين ألفا من العلماء والمسلمين في ساحة الأقصى في يوم واحد وما زالت الدماء تسيل "والمحبة " ما زالت تطل على الخراب ؟! وهكذا وضع السيف في يد التمثال العملاق للقديس بولس الرسول في مدخل كنيسته الكبرى بروما .

 

ومن تشويهاتها الشيطانية في المجال الديني : مطالبة الولايات المتحدة – في سياق تصفية الطابع الإسلامي  – بإلغاء وظيفة مفتي الديار المصرية ( الشعب 12\ 11\ 2004 ) .

ومطالبة وزير الأوقاف أخيرا - في سياق تصفية الأزهر باعتباره القلعة الإسلامية في العالم الإسلامي - بتعديل اختصاص وزارته ونقل تسميتها من وزارة الأوقاف إلى " وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية " أسوة باسمها في بعض البلاد العربية ، متناسيا أن هذه البلاد ليس بها المؤسسة المختصة بالشئون الإسلامية وهي الأزهر الشريف على مدى ألف عام تقريبا ، مما يعتبر افتئاتا على اختصاص الأزهر قانونا وتاريخا ورسالة ، ومحاولة لجر الشئون الإسلامية منه إلى وزارة هي الأقرب إلى المزاج العلماني والإدارة العلمانية ، تقليدا لمن كانوا ولا يزالون يقتدون بمصر الأزهرية ، مما يشكك في الدوافع إلى تقديم هذا الاقتراح في الظروف الراهنة كما يشكك في إمكانية وضع هذه الشئون الإسلامية مستقبلا تحت توجيه مباشر من وزير علماني لا يلتزم بالإسلام  قابل لتعديل إضافي في اسم وزارته إلى الشئون الدينية بدلا من الإسلامية ، وهو تطبيق جزئي لاقتراح الدكتور ميلاد حنا !!!!

 

ومن تشويهاتها الشيطانية في المجال الديني  مساوقة الأوقاف فيما اتجهت إليه من علمنة المؤسسة الإسلامية في مصر وتصفية الأزهر ترتيبا على ذلك ، وذلك على مستوى جامعة الأزهر كما يتبين من المشروع الذي أعده وزير التعليم العالي دكتور عمرو عزت سلامة لإلحاق جامعة الأزهر بوزارة التعليم العالي كما جاء بجريدة الأسبوع بتاريخ 25\10\2004 تحت عنوان ( بدون خطة تقريبا وعبر طريق البرلمان الحكومة تخطط لدمج جامعة الأزهر في وزارة التعليم العالي )

ويتساءل الدكتور عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر: هل دمج التعليم الأزهري بالتعليم العام خطة بوشية ستذهب معه إذا ذهب أم سياسة ثابتة للإدارة الأمريكية؟ وبالطبع يعتقد د. عبد العظيم أنها سياسة ثابتة من الداخل بضغوط الخارج وهذه الإجراءات المزمع اتخاذها ستقضي علي الأزهر نهائيا. ويشير د. عبد العظيم المطعني إلي اعتقاده بانتهاء دور الأزهر من قبل بتغيير المناهج وحذف سنة كاملة من الثانوية الأزهرية.. فهي خطوات سابقة قبل الخطوة الأخيرة بدمج التعليم الأزهري بالعام وهذه هي النهاية.

ويصرح الدكتور مصطفي إمام الأستاذ بجامعة الأزهر إلي أن التعليم الأزهري قد تم تضييعه منذ عدة سنوات بتوحيد مناهجه ولم يبق منه سوي لافتة قديمة وليس له الآن مضمون ولا هوية لذلك فخطوة الدمج الأخيرة هي مسح نهائي لأي مضمون فمعني أن يخضع لوزارة التعليم العالي أنه سيخضع للمناهج المدنية { العلمانية } ولسياسية التعليم المدني { العلماني } ولا يمكن تحقيق هذا الدمج إلا بتنحية ما تبقي منه ، فغير صحيح أن يد التطوير لن تقترب من المحتوي أو المضمون ، وقد نبه علماء الأزهر سابقا إلي خطورة ما يحدث في الأزهر ولكن كانت محاولات الخداع تأتي من الأزهريين أنفسهم القائمين علي مسئولية الأزهر بأن عملية التطوير هي لصالح طلاب الأزهر.. ولكن ها هي النتيجة التي تحدثنا عنها وتنبأنا بها تحدث علي أرض الواقع اهـ .

 

إنها لكارثة على مستوى الكوارث الإسلامية الكبرى تصيب الأزهر والمسلمين في الصميم دون أن يحرك أحدهم ساكنا ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، وهاهو عهد الله لنبيه يتحقق : ألا يكون دمار الأمة بغير أيديها " وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًا مِنْ غَيْرِهِمِ فأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا ».

 

ومن تشويهاتها الشيطانية في المجال الديني  العدوان الذي يتم حاليا - بغطاء علماني - على  الجمعيات الإسلامية الخيرية لحساب التبشير العالمي ولكن باسم محاربة الإرهاب. ولم يستثن هذا العدوان العلماني العالمي  المعاصر على الإسلام … لم يستثن  العمل الخيري الإسلامي والإغاثي - سواء علي المستوي الفردي أو الجمعي – وكان أكثر الجوانب التي تأثرت بتداعيات 11 سبتمبر، ويفسر الباحث عمرو عبد الكريم في دراسته «العمل الخيري والإسلامي: استحكام سياسة تجفيف المنابع» التي جاءت  ضمن العدد الجديد من حولية «أمتي في العالم» الذي يرصد عام 2001 و2002 ويصدره مركز دراسات الحضارة ، وتديره الدكتورة نادية مصطفي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

فسر الباحث أسباب الاستهداف الأمريكي لهذا الجانب المهم من العمل الإسلامي في أن العمل الخيري يثبت وحدة الأمة الإسلامية وأنها قائمة بالفعل، وكذا الدور المهم لتلك الجمعيات في مواجهة حملات التنصير التي تدخل إلي المسلمين من أبواب الفقر والجوع ، ومن ثم فإن الحرب علي العمل الخيري الإسلامي تستهدف بالأساس ربطه بالإرهاب وصد المتبرعين عن التعاون معها ، وتحسر المنفقين علي أموالهم التي تم تجميدها ، وإفساح المجال تلقائيًا للمجال التنصيري ، بحيث يتم بث رسالة غير مباشرة للمحتاجين والمتضررين ، مفادها أنه «ليس أمامهم إلا المنظمات التنصيرية ، في حين أن العمل التطوعي الإسلامي يعود عليهم بويلات أكبر مما هم فيه من ضرر حالي » .

ورصد الباحث مرحلتين للحرب الأمريكية ضد العمل الخيري الإسلامي، تمثلت الأولي في التسمية العلنية للأشخاص والمؤسسات وتجميد الأموال في البنوك ، والثانية في التركيز علي شبكات تحويل الأموال في الجميعات الخيرية. بل وفرضت الولايات المتحدة علي الدول العربية والإسلامية الاستجابة لحملتها وحربها علي العمل الخيري الإسلامي ، سواء بتجميد أرصدة تلك الجمعيات ، أو بإعادة تنظيم ومراقبة العمل الخيري الإسلامي .

 

ومن تشويهاتها الشيطانية   جماعة " القرآنيين "  الذين طفح منهم ما  كشفت عنه مصادر أمريكية - كما جاء بجريدة القدس العربي بتاريخ 22\7\2004 ، والشعب الألكترونية في 23\ 7\2004 والشرق الأوسط في  23\ 7\ 2004 -   من أن وفد لجنة الحريات الدينية الأمريكاني الذي زار القاهرة مؤخرا تسلم شكوى من جماعة تطلق على نفسها اسم " جماعة القرآنيين المصريين " تطالب فيها بضرورة إلغاء الأحاديث النبوية ومنع تدريسها في المدارس.

هذه الجماعة للأسف " تجمع " بين الجهل والكفر والفتنة التي هي أشد من القتل : الجهل في تصورها  أن " السنة " هي لمذهب إسلامي معين ، والكفر في تصورها  أن الأخذ  بالقرآن الكريم  ينفصل عن الأخذ بالسنة، وما القرآن إلا رسالة حملها إلينا صاحب السنة ، وأما الفتنة التي هي أشد من القتل ففي تعريض المجتمع المسلم لفتنة ترخص فيها الدماء ، وربما كان جمعهم بين هذه الخطايا هو السر الوحيد في تسميتها " جماعة"

أما أنها جماعة القرآنيين فما أبعدها عن صحة هذه التسمية وما أبعدها عن القرآن جملة وتفصيلا

إنها إذ تزعم  أنها تكتفي بالقرآن  ولا تتقيد بالسنة  لا تلتزم  بالسنة ولا بالقرآن ، لا بهما ولا بأحدهما ،  ، لأنها لو التزمت بالقرآن لالتزمت بالسنة نزولا عند قوله تعالى :

{ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسولٍ إِلّا ليُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَموا أَنْفُسَهُمْ جاءوكَ فاسْتَغْفَروا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ لَوَجَدوا اللَّهَ تَوّاباً رَحيماً ، فلاوربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} 64 – 65 النساء

ومن الغريب أن بعض الدعاة " العقلاء !! " وقد أصابتهم مسة من علمانية  يخفضون من ثمن هذا الإنكار فيجعلونه كبيرة لا كفرا ،، تجاهلا منهم لكونه إنكارا صريحا للقرآن الكريم نفسه كما هو واضح من الآيات التي ذكرناها ، وما من كفر أشد من هذا الكفر

وإذا كان هؤلاء لا يردعهم ما ذكرناه من القرآن وغيره كثير ، فلعلهم ممن يردعهم  السلطان في كلمة رئيس الجمهورية باحتفال ليلة القدر بتاريخ 17\11\2004 في دعوته إلى (  توخي الحذر في التعامل مع ما ينادي به البعض من تحديث وتطوير للديانة الإسلامية، بادعاء أن ذلك يجعلها أكثر تمشياً مع التيار الدولي المتصاعد نحو الإصلاح والتحديث، والذي اتخذ أحد مظاهره في مطالبة البعض بتغيير مفردات وقواعد اللغة العربية التي أنزل بها الله تعالي القرآن علي نبينا الكريم، واتخذت في بعضها الآخر مظهر التعرض بالتشكيك والتأويل في سيرة نبينا الكريم وصحابته الشرفاء ) .

 

ومن تشويهاتها الشيطانية  عند هؤلاء - في سياق  " قتالهم " ضد المقاتلين في سبيل الله - إنكارهم لورود مصطلح " الشهادة " في القرآن الكريم تعبيرا عمن يقتل في سبيل الله ، ويأتي إنكارهم هذا تفريعا على إنكارهم للسنة التي كثر فيها ورود هذا المصطلح ، ، وجهلا منهم بأن المصطلح وارد أيضا في القرآن الكريم الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وذلك فيمن يقول فيهم القرآن الكريم ضمن فئات مقربة أخرى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا . ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ) 69 – 70 النساء في سياق الحديث عن الجهاد والقتال في سبيل الله يمتد من الآية 66 إلى الآية 105 ، وذلك عدا آيات كثيرة في جزاء المجاهدين الذين يقتلون في سبيل الله.

 

وبطريقة أخرى تميزت بالسذاجة يقتحم أحدهم ساحة التجديد بغير علم أو منهج صحيح  – ولم لا أليس أنه لا كهانة في الإسلام ، أليس أولئك العلماء رجال ونحن رجال كما يقول أطفال الجماعات الإسلامية – وفي هذا السياق يأتي قول بعضهم أخيرا  : الجهاد في الإسلام شيء غير القتال ، ولا قتال في الجهاد ، ليقدم هذا الزيف هدية لسادته في الغرب في حربهم على الإرهاب ‍‍، وهو عليم بأن بضاعته مزجاة على الضفتين وعليه أن يلعب غيرها ، وهي أشبه بلعبة جحا " ودنك منين " إذ غاية ما صنع أن استبدل القتال بالجهاد في حملة الغرب عليه ، استبعد الجهاد بعيدا عن هجوم الغرب  – حسب تصوره -  واستبقى القتال لمرمى السهام ، متناسيا أن كليهما مقرر في الإسلام ، وإن الغرب ليلعب على الاثنين .

يقول تعالى في الربط بين القتال والجهاد والاستشهاد فيما يعتبر ردا على هؤلاء : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين ، ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) 142 – 142 –آل عمران في سياق إلى الآية 180

ويقول تعالى: ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) 95-96 النساء ، مما يفيد التداخل بين القتال والجهاد في علاقة يسميها المناطقة العموم والخصوص المطلق ،  فكل قتال في سبيل الله جهاد وليس كل جهاد قتالا

 

وأخيرا نؤكد مرة أخرى  أن فهم المشكلة فهما صحيحا لن يكون ببعثرتها ، ولن يتم  بغير وضعها في سياقها العام ، سياق الزحف العلماني الحثيث وقد طال حتى المؤسسات الدينية  ، إن الحجج التي تساق لتبرير توحيد الأذان  هي محض جزء من المطاردة العلمانية الحثيثة الخبيثة  لرموز الإسلام الحضارية ، بدأت في الأزهر بخلعه عن استقلاله المالي والإداري والرسالي ، عن طريق فتات من موائد زينة الحياة الدنيا في الرواتب والألقاب والمظاهر والمناصب والوظائف والبروتوكولات ، ثم  تطرق إلى خلع لباسهم المميز في الجبة والقفطان والعمامة بدعاوى سطحية  ، من مثل " لا يوجد للإسلام زي خاص !!" ولم يتيقظ المسئولون لهذا الزحف إلا أخيرا فيما يتعلق حصرا بأئمة المساجد ، كراهية تقليدهم لرجال  الدين في السعودية في لبسهم الجلباب والغطرة !!!  ( المصدر : المصري اليوم 22\11\2004 ) وترافقت في هندسة المباني مع فتح نوافذ البيوت بعضها على بعض ، كما ترافقت في نظام العمل مع تنكيس ساعات الليل والنهار ، ثم انتقلت إلى الشارع في خلع الحجاب ، ثم وصلت إلى التعري  ، ثم وصلت إلى الجهر بالإفطار في نهار رمضان ، وهاهي تتحرش بالأذان . كما وصلت من قبل إلى منع التردد على المساجد فيما بين أوقات الصلاة باسم محاربة الجماعات الإسلامية ، مع الاستهانة بحفظ القرآن الكريم والتشويش عليه بوحي نظريات تربوية في " سلبية الحفظ " وإيقاظ العقل ، وأهمية الفهم ومنهجية التحرر إلخ والانطلاق من ثم إلى تحطيم منهجي لمؤسسة الكتاتيب التي كانت ترعى حفظ القرآن والتي كانت مصدر الغذاء الصحيح للمؤسسة الإسلامية التاريخية الكبرى " الأزهر الشريف "

 

إنها العلمانية المحلية أم المشاكل ، وما أكثر تشويهاتها الشيطانية .