مجرد توبيخ!
بقلم : ناصر السهلي
إعتقدت بأن قيام جنود الاحتلال الصهيوني في
نوفمبر الماضي بقتل 3 من أبناء جيش وشعب مصر سيدفع بالعلاقات إلى مستوياتها التي يجب أن تكون عليها في مثل هذه
الحالات... بل ذهبت خائبا إلى إعتقاد أكبر بأن لا يتم لا من قريب أو بعيد القبول
بأي حديث عن عودة العلاقات بين مصر وهؤلاء القتلة.... لكن دائما ما تكون خيباتنا
بمستوى فضائحنا.. إذ ليس فقط لم يجري هذا الذي يجب أن يكون, بل تصاعد الحديث عن
عودة تبادل السفراء "قريبا" وأُطلق الجاسوس عزام عزام وتم توقيع إتفاقية
ثلاثية... وجرت زيارة عمر سليمان وكأن شيئا لم يكون..
هل من جديد فيما نقول؟
نعم بكل تأكيد هناك مستجدات لا تبشر بخير,
ومؤشرات تستهزء تماما بقيمة الانسان العربي ومنه المصري... مؤشرات دائما ما عانى
منها الشعب الفلسطيني تحت هذا الاحتلال الذي لا يقيم وزنا لقيمة الاخر, فكم من طفل
فلسطيني تم قتله بدم بارد وكم من امرأة وشيخ جرى تصفيتهم من جنود الاحتلال دون أن
يعير أحدا أدنى إهتمام للكثير من الممارسات المذلة التي مارسها هؤلاء عند الحواجز
وعند إجتياح مخيماتهم وقراهم...
إنها عقلية تلمودية للقتل بعد حشو عقل الجندي
الصهيوني بأحقية التخلص من أحفاد إسماعيل, ولأن يكرر ما فعله الاجداد في اريحا...
ومشكلتنا في هذه المستجدات أن إرهابي على شاكلة يعلون ,( تخيلوه رئيس أركان), الذي
يشرف مباشرة على سياسة التصفية والاعدام الميداني واختراع وسائل التعذيب والاهانة
ضد أبناء الشعب الفلسطيني, وجد بأنه الحل الامثل "للأزمة" التي شكلها
قتل هؤلاء المصريين يكمن في الادعاء بأنه جرى "توبيخ" القتلة من
جنوده... وماذا بعد؟
لا شيء إطلاقا غير التوكيد على النظرة الدونية
للاخر... فطالما أن الدم العربي هو المسفوك فلا يستحق الامر أكثر من
"إعتذار" بداية و"التوبيخ" إنتهاءا...
إذا كان الامر يجده يعلون وموفاز وشارون بهذه
البساطة مع دولة عربية كبيرة كمصر فلنا أن نتخيل ما يجري للشعب الفلسطيني... وحتى
لا تكون الأمور مجرد تخيلات نستطيع أن نذكر بأن هؤلاء القتلة من المستوطنيين وعتاة
التطرف ومن الجنود لا يجدون أبدا مشكلة في قتل من أرادوا قتله بصفوف
الفلسطينيين... طالما أن الامر كله يُحل بتوبيخ...
موشي ليفينغر إرهابي من الطراز الاكثر دموية,
قتل من الفلسطينيين ما قتل... كانت تجري عملية إعتقال سخيفة ومضحكة لهذا الشخص..
يُحكم عليه, وبعد فترة وجيزة يصدر "عفو" عنه من "رئيس
الدولة"... وليفنغر هذا يعبر عن حالة التيار الديني الصهيوني, ممثلة بحركة
"غوش ايمونيم" ومن هذه العقلية تخرج باروخ غولدشتاين صاحب مجزرة الحرم
الابراهيمي...الذي تحول قبره الى مزار تحت سمع "دولة الديمقراطية"...
هناك المئات من الحالات التي جرى فيها قتل
مدنيين فلسطينيين , ومن بينهم أطفال, وما كانت النتيجة غير "عفو" وتخفيض
مدة الحكم... دون حتى "إعتذار"...
فما قيمة " التوبيخ" الذي إدعاه يعلون
طالما أن سياسة القتل هي السائدة في العقائدية العسكرية الصهيونية... وما قيمة
الاعتذار إذا كان الامر يتكرر يوميا مع شعب كامل؟
إننا أمام عقلية تقلب الدنيا رأسا على عقب بسبب
مقالة أو رسم كاريكاتوري في الصحف المصرية... عقلية تقرأ الاخر الُمحتل
"إرهابيا" بينما هي تسمح لعتاة التطرف والارهاب سرقة أرض شعب آخربالقوة
والقتل والتدمير وتبريرها عبر محاكمها وقضاتها, الذين يجيزون أيضا ممارسة التعذيب,
إنطلاقا من "إعتقاد ديني" قائم على تزييف التاريخ والواقع...
هل لنا أن نتصور بأن جندي مصري أو أردني أو سوري
"أخطأ", كما يدعي يعلون, فقتل واحدا من الصهاينة ؟
لا بد أنه سيكون دلالة إعلامية وسياسية على
" الارهاب العربي" وربما تُلصق تهمة الانتماء الى تنظيم متطرف على هذا
الجندي... وسيجري بكل تأكيد رفض مسألة "الاعتذار" أو "
التوبيخ"... ولنا في قصة الجندي الاردني أحمد دقامسة عبرة فيما يجب أن تكون عليه مواقف الدول التي
تبتزها العقلية الصهيونية إلى أبعد الحدود... ولنا أيضا في قصة سليمان خاطر عبرة
بما يجب أن تكون عليه العقوبة...
فهل بمثل هذه العقلية يمكن حماية حدود الاوطان
العربية؟؟؟
لو أن جنديا عربيا على حدود دولتين عربيتين أطلق
النار على حرس حدود دولة عربية أخرى.. فماذا سيحصل بين الدولتين؟ لكم أن تتخيلوا الامر... لا بل لو أننا تابعنا
نتائج تعرض صحيفة عربية لرئيس أحد الدول العربية الاخرى لاكتشفنا مدى الشجاعة التي
نتحلى بها على بعضنا البعض... ولاكتشفنا كما نفعل يوميا مدى البؤس والاستخفاف الذي
تمارسه السياسة العربية بحق بلدانها وشعبها المطلوب منه أن يتحول إلى أرانب بوجه
هذه الصهيونية ونمور بوجه العربي الاخر...
فما فائدة "التوبيخ" الذي يتبع "
الاعتذار" طالما أن المسلسل مكرر حتى الملل والسخف .