رسالة إلى الخليفة

متخلف عن ركب موسى بن نصير

 

 

 

بقلم عبد الرحمن عبد الوهاب

 

 

سيدي الخليفة .....

 حملت درعي  واختصرت رمحي .. وحزمت كنانتي .. وريشت سهامي .. وعلقت سيفي في خاصرتي .. وامتطيت فرسي عائدا من تلال أفغانستان ابحث عنك ؟

قالوا ابحث عنه في منطقة أخرى ...

 وبعدما عبرت القفار والفيافي والأنهار  باحثا..  حطت حوافر فرسي  أخيرا شوارع المدن ...

 وما أدراك ما المدن ؟  تجمع الناس حولي في الميادين العامة  يتفرسون وجهي .. سيفي .. رمحي .. ودرعي .. نظروا إليّ شذرا ..وتأففا .. وهاهي قهقهة العامة والدهماء  تستهجن شكلي ولحيتي .. وهاهي  حجارة الغلمان تدمي ظهري  وقوائم فرسي ..

همسوا للأطفال... هذا هو البعبع العائد  من غابر الأزمان .. وبينما كنت أربط فرسي بجوار أحد المساجد لأصلي الظهر . قابلني طفل مع والده . أسّر الرجل بكلمات إلى الصغير وجدت الطفل ينزوي خلف والده ... وبنظرات ملؤها الرعب ..

 اقتربت من الطفل مادا يدي مصافحا .. لا تخف مني يا بني .. لا تصدقه فأنا احب كل الأطفال الصغار ..

 فرد الطفل ..

 لماذا كل هذه الحملة الإعلامية ضدك ؟

ولماذا لست DECENT  كبابا  نويل وأين هدايا الكريسماس

 سيدي كلهم أنكروني وفصلوا لي التهم .. وقالوا  إني متطرف.. ورجعي .. ومتخلف .. عائد من عصور أهل الكهف.. أولئك  الذين  فروا بينهم و من الملاحقة الأمنية في أزمنة  الكفر والاستبداد..

 قلت يا قوم .. إنني ابحث عن الخليفة .. لأنني تخلفت عن الركب الذي مضى ..

 -قالوا وأين ركبك ؟‍

 قلت لهم ركب موسى بن نصير ..

- قالوا وأين موسى بن نصير ؟

  قلت ذهب إلى الأندلس .. ليفتح أوربا كلها ليمر من خلالها إلى ارض الخلافة بالشام.. ولزاما عليّ اللحاق به .

- قالوا نحن لم ندرس التاريخ

 قلت أي تاريخ ‍..  لقد كان هذا بالأمس القريب ...

- نظروا إليّ.. نظرات ملؤها الدهشة والاستغراب .. قال أحدهم  كان يمضغ لبانا ويلبس الجينز .. انه رجل فاقد الوعي .. وفاقد الذاكرة .. وفاقد الزمان .

تمتم آخر.. انه  مسكين  اللهم عافنا ..

 تركتهم ومضيت جهة الغرب .. وفي الطريق .. وجدت كثيرا من الأسلاك الشائكة  .. تعيق مروري ووقف على أثرها فرسي .. أذكر يومها ترجلت عن الفرس .. ونزلت أمزق هذا السلك اللعين ..

 وإذا بفرقعات نارية تمر بجوار أذني .. وإذا بنفر من الجند يلتفون حولي .. قيدوني بالسلاسل .. وذهبوا بي إلى مخفر الحدود .. تساءلت ما هي جريمتي .. قالوا انك متآمر على سايكس بيكو ..

 يا جماعة الخير .. لست متآمرا فلقد مررت من هنا قبل اشهر شرقا إلى الهند في ركب محمد القاسم .. وفتحناها وعبّدنا قومها لله .. ولم يكن أثناء مروري..  مثل تلك الأسلاك التي ما انزل الله بها من سلطان ..

 وبدأ الاستجواب والتحقيق .

-         ماهي حكايتك ؟

-          قلت لهم موسى بن نصير .. سبقني إلى أوربا  ولقد أخذتني سنة من النوم فتخلفت عن الركب ..

-          أومأ أحدهم للآخر .. وقال يبدو انه مسكين أو معتوه .. دعه يمر .. وهنا صرخت في وجهه –

-     ويحك لست مسكينا ولا معتوها .. ولست أهلا للرثاء والشفقة .. أنا من قوم كرام أعزة  يقرون الضيف ويضربون بالسيف ...

-          هنا استشاط  أحدهم غيظا.. قائلا أي سيف ؟

-     قلت ألم تسمع قول المصطفى " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له " أشرت إلى سيفي .

-          قالوا يا مسكين .. إن حمل السيف صار جريمة .. وتهمة مفادها الإرهاب .. فلا تقل مثل هذا الكلام  ثانية

-         أي إرهاب ؟

-     قالوا ألم تسمع تفسير مشايخنا "جعلناكم أمة وسطا " قلت نعم  أمة وسطا  ولكن وسطيتها القتال أو الجزية  لا ثالث لهما .. ليس هناك رمادي  أو ارض محايدة .. أو أنصاف حلول.. أو تنازل  ولو ع عقال بعير .. كان يؤدى إلى رسول الله ، هكذا علمنا أبو بكر رضي الله عنه .... فكيف أتنازل عن سيفي  وهو فريضة نزلت في الكتاب .

-    انه رمز عزتي  ورمز  هيبتي .." وما ترك قوم الجهاد ذلوا.. وما ترك قوم الجهاد  إلا عمهم الله بالعذاب" هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

-    رد أحدهم  إن التقارير السنوية التي تصلنا من الـCIA والـFBI تقول : إن الجهاد هو الإرهاب..  فهناك مجلس أمن.. وأمم متحدة .. ونظام دولي جديد.. وثقافة العولمة ..

-    ويحك خسئ الغرب.. أهم اعلم بدينا منا ؟ لقد قال رب العزة ":فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  وخذوهم واحصروهم  واقعدوا لهم كل مرصد.. فإن تابوا أقاموا الصلاة فخلوا سبيلهم إن  الله غفور رحيم" .. وقال رب العزة" :فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " وقال رب العزة: "فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم  لعلهم يذكرون"  وقال رب العزة : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب" هذه هي طبيعة ديني .. وهذا أمر ربي.. فلن أتخلى عن ضرب الرقاب ..ولن أتخلى  عن ضرب الأعناق ولن أتخلى عن أن نشرد بهم من خلفهم ..

 

          فلن أصالحهم مادام لي فرس ويشتد      قبضا على الصمصام إبهامي

 ورفعت صوتي مدويا..

            فلا صلح حتى تعثر الخيل بالقنا        ويضرب بالبيض الرقاق الجماجم

-         وهنا ربت أحدهم على كتفي ..

-         دعنا من سيفك البتار أيها المغوار ولنكمل الاستجواب ..

 أصدرت  زفيرا ولكمت الطاولة .... موسى بن نصير  الآن في ضواحي غرناطة..  وأنا على عجلة من أمري ولزاما عليّ اللحاق به .. ولا يمكن أن أتخلف عن الركب .. فهذا عار في عرف الإسلام .. ألم تسمعوا قول رب العزة ..في هؤلاء المخلفين "إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين "

-    قالوا يا شيخنا  إن موسى بن صير ليس هناك الآن .. قلت فليكن ابن زياد .. احضر أحدهم جهازا أمامي ..قائلين سنوفر عليك عناء الطريق .. قلت كيف قالوا : هذا هاتف دولي تستطيع أن تتحدث من خلاله مع أي بقعة في العالم في التو واللحظة ..

-    قلت متهكما أهذه فرية جديدة  كمثل تهمة الإرهاب .. قال أبدا واقسم لي بالأيمان المغلظة انه لصادق .. واحضر كتابا على غلافة عبارة" دليل الهاتف " قلت لربما يصدقني هذه المرة .. ووضع أصابعه على الأزرار.. مفتاح الأندلس.. مفتاح غرناطة  وضرب الأرقام التالية 003458369542 أعطاني سماعة الهاتف .. الو .. الأندلس .. سلام الله عليكم ..

   اعطني شيخ المجاهدين موسى ابن نصير.. سمعت همهمة وجلبة لم استوعبها ، فلقد كان المتحدث افرنجيا وليس عربيا . أين العرب.. أين المسلمون ... طرحت في وجه رئيس المخفر السماعة .. أهي سخرية مني أم  استخفاف بي ..

-         أتو بمترجم يتحدث عب الهاتف  Hello Grenada....

 وكان مفاد المحادثة .. أن موسى ابن نصير.. وطارق ابن زياد في ملفات الغرب بمثابة اثنين  من الإرهابيين.. ومسجلين في القائمة السوداء .. منذ عام 1492م ومازالت واشنطن في سعي حثيث  للقبض عليهما .. و أضاف المترجم إن اشبيلية مازال اسمها اشبيلية .. وغرناطة مازال اسمها غرناطة   وقرطبة مازال اسمها قرطبة .. ممكن أن ترى نفس الشوارع .. نفس الأزقة.. نفس القصور... نفس الوجوه .. نفس الدم العربي .. نفس السحنة العربية .. ولكن صار القوم  غير القوم .. بعدما اجتث الصليب جذور العروبة والإسلام بعد ثمانمائة عام .. واصبح يرتل الصليب قداسه في مآذننا.. وذراري المسلمين اصبحوا يعلقوا الصلبان على صدورهم .. ويصلون في الكنائس أيام الآحاد..

-    سيدي كيف أتحمل هذا الهراء وهذا الكذب والافتراء .. شهرت سيفي في وجوههم .. إنكم لكذابون ... إنكم لكذابون..

-    تلطفوا بعدها في القول معي .. وقالوا يا شيخنا  لسنا بكذابين .. ولكن هذا واقع الحال .. فلو اتصلت  الآن عبر هذا الهاتف  إلى قدسنا الحبيبة .. سيردون عليك بالعبرية .. وليس بالعربية .. ولو اتصلت على  الشيشان سيردون عليك بالروسية .. ولو اتصلت على الفيلبين سيردون عليك بالتجالوج.. ولو اتصلت على حاضرة الخلافة في بغداد سيردون عليك بالإنجليزية  وباللهجة الأمريكية ..

-         سيدي الخليفة

-     أين ملكنا ..؟  لا يمكن  أن يعقل هذا الهراء . وهذا الكذب  والافتراء ... انهم لكذابون.. إن دماء شهدائنا  من الفرسان  مازالت في تراب تلك البقاع .. إن عرق آباءنا  مازال في لبنات  بيوت الأندلس .. إن ذوقنا  ولمساتنا الإبداعية والحضارية.. مازالت تنبض في قلاع الأندلس ...

-          سيدي الخليفة

 انهم لكذابون  فليس من الممكن وليس من السهل  أن نشطب هكذا من الوجود.. إلا في حالة واحدة .. إلا  إذا تخلينا عن السيوف ورضينا بالحياة تحت السقوف ..

 يومها يا سيدي عرفت لماذا يصّر الغرب  على ان أتخلى عن سيفي ..

 وخرجت يومها امتطي جوادي .. شاهرا سيفي ..لألحق بالقافلة .. فلا يمكن أبدا أن أتخلى عن الحسام ..

 لا يمكن أن أتخلى عن الركبان .. فلقد أبت البحوث (سورة التوبة)

سيدي الخليفة يقول الراوي .. انه بعد اشهر م هذا الاستجواب .. تناقلت وكالات الأنباء هذا الخبر..

 رويتر – مدريد في ديسمبر2004

تم اليوم استشهاد فارس عربي مسلم .. حاول دخول أسبانيا  شاهرا سيفه عبر مضيق جبل طارق .. ولقد كان  في حوزة الشهيد ..  درع  وقوس ورمح  وكنانة وبضعة سهام .. وجراب تمر.. بالإضافة إلى رسالة إلى الخليفة  نصها أعلاه .. ووصية مختصرة إلى الأمة الإسلامية .. أن احملوا الأمانة من بعدي أعيدوا  ملككم المضاع ..

سيدي الخليفة ..

هنيئا لك بفرسانك العائدين من رحم الزمان .. فهل يهبون إلى بغداد قبل أن تكون غرناطة أخرى..؟!!