إستشهاد الرنتيسي: بداية لنهاية
الإحتلال
بقلم
: فهد ياسين حاج طاهر
كنت با
لبارحة في جلسة هادئة حين إتصل بي أحد أصدقائي بالتليفون، وقال لي بصوت منخفض
محزون _ يا فهد_ أصيب الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي بجروح بالغة بعد أن قصفت سيارته
واستشهد في إثرها إثنين من رفاقه، ونقل هو إلى المستشفى، ثم إنقطع التليفون مني. فحزنت
حزنا بالغا ودعوت الله بالشفاء العاجل له. لكن بعد دقائق قليلة بدأ تليفوني يرن
ثانية، فإذا الأخ يعيد الإتصال معي، وقال لي وأنا أشعر بكاءه. الرجل استشهد، الرجل استشهد، الرجل استشهد،
ثلاث مرات، وأغلق التليفون، فلم أتمالك نفسي حتى قمت من مجلسي فهرولت إلى
التلفزيون الذي كان بعيد عني نوعا ما، فجلست أستمع قناة الجزيرة، وإذا الأستاذ
محمد نزال على الخط من بيروت يعلق النبأ.
كان علي
خبر إستشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي صاعقة على نفسي ولم أحرك شفتي بكلمة،
وكان الحزن يسود مشاعري متأثرا لغياب رجل بحجم الرنتيسي، لكنني نفس اللحظة تذكرت
كيف كان الرجل يحب لقاء الله والشهادة في سبيله، ولم أتمالك نفسي مثلما تمالك
الشيخ الزنداني _ حفظه الله_ نفسه، ( كما كتبته جريدة الجهاد التي كانت تصدر من
بيشاور أيام الجهاد الأفغاني، حينما خصصت ملفا عن خبر إستشهاد فقيه المجاهدين
الدكتور عبدالله عزام، وكان ممن أجرت معه حوارا الشيخ الزنداني). وسئلته
كيف كان شعورك حين علمت هذا الخبر؟ فأجاب قائلا "ضحكت حين سمعت النبأ"
فقيل له وما يضحكك؟ فقال لأن أخي كان يحبها ويتمناها، فضحكت مادام وجد ماكان
يبحثها في مظانها. ومن هذا المنطلق بدأت الهدوء لأنني عرفت أن الرنتيسي كان يعشق
الشهادة في سبيله، وجاهد من أجلها، ودفع الثمن لحصولها، فهو رجل حمل في عاتقه هم
أمة بأكملها، وعبء تاريخ برمتها، فناضل لأجل تحرير فلسطين والمقدسات الإسلامية من
أيدي الغاصبين المجرمين، فسجن لأجلها، وعذب لها، ونفي بسببها، فتلق الدروس
التاريخية والميدانية فكتبها للتاريخ بقلمه ووزعها على قرائه.
فهو رجل
جمع بين العلم الشرعي والطب الحديث ثم توجه في صفوف القتال، فأحسن الحرب السياسية
والمهارة القتالية، وجمع بين فهم الواقع وكيفية تطبيقها مع الدليل الشرعي، وجمع
بين العقل الواعي وحسن الخطاب للجماهير، وجمع بين مواصفات القيادة والحنكة
السياسية، وجمع أيضا بين هم وضعه في عنقه وحسن تقديمه كتابيا للعالم العربي. فمنه
تعلمت أدبيات حركة حماس، فكان كاتب أنيقا يحسن الكتابة والتفكير الجيد، فكانت له
مقالات في أكثر من صحيفة عربية، من القدس العربي اللندنية إلى جريدة السبيل
الأردنية، وكذلك المواقع الإسلامية كموقع "إسلام اليوم"، وموقع "جريدة
الشعب المصرية"، وكنت أدخل موقعه الشخصي على الإنترنت باستمرار، ولم يكن غرضي
تلقي الأخبار منها ، وإنما كنت أنظر الجديد من منتجاته الفكرية والأدبية، وكذلك
اللقاءات الصحفية التي كان يشرح بها مواقفه بقضايا المسلمين في العالم، ولم أبالغ
إذا قلت لولاه لم أفهم كثيرا عن حركة حماس لأن الرجل فصيح في خطابه وأديب في
كتابته.
أيها
الشهيد: إن القضية الفلسطينية التي كافحت لها قد وصلت إلى أحسن أيامها، وقمتم خير
قيام لنجاحها، ووجد الشارع الفلسطيني يلتف حولكم ، وينتظر رأيكم ، ويتابع موقفكم،
وهذا الفضل يرجع لله ثم لجهودكم أنتم من أبناء الحركة الإسلامية.
أيها
الشهيد: جعلت قضية فلسطين قضية إسلامية لأنها الآن أخذت طابعا دينيا، وهو طريق
النجاح لصراعنا مع الصهاينة، لأنها كانت من قبل قضية لقومية عربية، وكأنها تخص
قوما إسمهم العرب، ثم أخذت طابعا أخر وهو
إسم ( مشكلة الشرق الأوسط) و هذا الأخير يروجها الأمريكان والصهيونية العالمية،
والغرض منها ألا يتدخلها العرب البعيدين جغرافيا عن الشرق الأوسط فضلا عن الملايين
المسلمين في شتى بقاع الأرض، لكن بحمد الله ثم المساعي الحميدة التي ما آليتهم بها
أنت وأصحابك وخاصة شيخ المسيرة في حياته، وشيخ الشهداء بعد مماته أن تمكنوا بأن
ترجع فلسطين إلى صورتها الصحيحة وهي الصورة الإسلامية.
كل الحروب
السابقة فشلت لأنها لم تكن في مسارها الحقيقي، ولقد قرأت قديما أن بعض الحروب التي
دارت بين بعض العرب وإسرائيل، أن إسرائيل كانت ترفع بمكبرات الصوت في أثناء الحرب
بمقتطفات من التوراة حتى يقاتل الجنود بروح دينية، أما الجيوش العربية فكانت تدخل
الحرب وهي تستمع الأغنية القومية والرقص العربي، وكان ذلك السبب مما جعلهم يهزمون
في حروبهم لأنهم لم يقاتلوا بإسم الدين والإخلاص لله، لكن بعد أن قاتلوا للقومية أو باسم الزعيم وأمثاله أصبح
مصيرهم ما نراه اليوم في العالم العربي، أما اليوم بدأت ريح التغيير في فلسطين
ونرى أن الإخوة هناك يقاتلون وهم في خلدهم الحل الإسلامي للمسيرة، يجتمعون للقتال
وهم في ذاكرتهم الوعد الإلهي في الدنيا والأخرة _ إحدى الحسنيين_ إما النصر أو
الشهادة، ويستعدون للقتال وهم يقرأون قوله تعالى ( وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة) فأنتجوا الصواريخ أنطلاقا من هذه الأية، فرموا
على العدو الصواريخ التي صنعوها بأيدهم،
ونراهم ينفذون عملياتهم وفي يدهم المصحف الشريف فيطلقون الرصاصة وهم يقولون
الله أكبر ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين،
رحمك الله
أيها الشهيد الرنتيسي: تموت ودمك حياة للفلسطينيين، تذهب روحك الطاهرة إلى بارئها
لكنها أيقظت الغفلة المئات من أبناء المسلمين، وأيقنوا أنك كنت في ثغرة المواجهة
بأعداء الله وأعداء الدين، وكأن لسان حالهم يقول. من يكون مثله في القيادة؟،
ولنا كلمة
للقيادة الشريفة لحركة حماس.
أذكركم
وقد ذكرتم تكرارا أن الولات المتحدة لسيت إلا نسخة طبق الأصل من إسرائيل فهي التي
تدافعهم بلا خجل ، وهي التي أعطت الضوء الأخضر لقتل القيادات الإسلامية في فلسطين،
ومن هنا أن أمريكا هي العدو الأول للمسلمين لأنها السند الحقيقي لهؤلاء المجرمين،
وبالتأكيد يخطأ من أراد أن يفرق بين اليهود كدولة وأمريكا كوطن.
أن كل مسلم
في اليوم قد استقرت في نفسه أن الحل لهذه المشلكة هي النظرة الإسلامية ، وأن أبناء
الحركة المسلمة هم المخلصون للدفاع عن الأرض والوطن والمقدسات، ولا أحد يقبل
الحلول الاستسلامية التي طالما روجها بعض المغرورين من أبناء فلسطين، ولقد كانوا
يقولوا أن فكرة حماس لمعارضة المفاوضات السلمية إنما تمثل قلة فهمهم للواقع
والتكيف معها، لكن اليوم وبعد مرور من الزمن عرف كل واحد أنهم وصلوا إلى طريق
مسدود، وأن أمريكا وإسرئيل لا تريد مفاوضا ولا تريد أهون منه.
وأخيرا أن
الشهيد من حسن حظه وفقه الله حسن الخاتمة، لأنه يلتقى الله وهو صلى المغرب والعشاء
ثم أستشهد بعدها، وما قصة الشيخ أحمد ياسين منا ببعيد، وكما تعملنا من الشرع أن
حسن الخاتمة من علامات المؤمن وأرجوا من الله أن يحسن مأوى الشهيدين كما أحسن
خاتمتهم، وأختتم بقصة تدلنا حسن الخاتمة، فقد أورد الذهبي في سير أعلام البيلاء
عند ترجمته للصحابي " عبد الله بن سعد إبن أبي سرح" قال لما احتضر وهو
في الرملة وكان خرج إليها فارا من الفتنة، فجعل يقول من الليل آصبحتم فيقولون لا
فلما كان عند الصبح قال ياهشام إني لأجد برد الصبح فأنظر ثم قال اللهم اجعل خاتمة
عملي الصبح فتوضأ ثم صلى فقرأ في الأولى بأم القرآن والعاديات وفي الأخرى بأم
القرآن وسورة، وسلم عن يمينه، وذهب يسلم عن يساره فقبض رضي الله عنه.