عندما يصبح الشعب خطراًً علي الديموقراطية والعالم!

 

 

 

بقلم :د. فيصل القاسم

 

صحيح أن الديموقراطية تعني حسب تعريفها اليوناني حكم الشعب بالشعب، أي أن الشعب هو صاحب الرأي الأول والأخير في اختيار حكامه. وصحيح أيضاً أن علينا احترام خيارات الشعوب مهما كانت إذا كنا نؤمن بالديموقراطية. لكن الديموقراطية ذاتها قد تحمل في طياتها أحياناً مخاطر جمة ربما تكون وبالاً عليها وعلي العالم معاً. ولعل أخطر آفات الديموقراطية، كما ظهرت عقب الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي فاز بها الرئيس جورج بوش بولاية رئاسية ثانية، أن الاعتماد فقط علي رأي الشعوب في اختيار الحكومات قد لا يكون دائماً قراراً صائباً خاصة عندما تكون تلك الحكومات لا تهيمن فقط علي بلدانها بل تتحكم أيضاً بمصير العالم وشعوبه كما هو الحال بالنسبة للحكومة الأمريكية.

لقد أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة أن واحداً وخمسين بالمائة من الناخبين الأمريكيين الذين يحق لهم التصويت هم الذين أوصلوا الرئيس جورج بوش مرة ثانية إلي البيت الأبيض ليكون قيصرالعالم بامتياز علي الطريقة الرومانية. وحسب الإحصائيات فإن عدد الذين انتخبوا بوش من الشعب الأمريكي لا يزيد علي ستين مليون شخص أي أقل من ربع السكان. بعبارة أخري فإن هذا العدد القليل هو الذي أناب عن شعوب الدنيا جمعاء في اختيار حاكم أمريكا ومن بعدها العالم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة هؤلاء الذين صوتوا لبوش ستزيد الأمور خطورة وتعقيداً. فهم لا يمثلون المليارات من شعوب المعمورة الذين كانوا ينتظرون اللحظة التي يسقط فيها بوش، بل يمثلون أنفسهم فقط كما تظهر بعض الدراسات الأمريكية، إذ إن جلهم يمثل قطاعاً واسعاً رجعياً، متديناً، أصولياً، محافظاً، ذكورياً، جاهلاً، فاحش الثراء، أبيض، انعزاليا وعدوانياً في الوقت نفسه . ويغلب علي السواد الأعظم من مؤيدي بوش النزعة الدينية المتطرفة المائلة إلي المسيحية الصهيونية التي تؤمن بأساطير وخرافات دينية مرعبة تهدد العالم أجمع. وإذا سيطر الحقد الشوفيني أو الديني علي العقول حينذاك تصبح الديمقراطية وسيلة للإضطهاد والإستغلال والدمار والخراب. فالذين صوتوا لبوش لا يهمهم أن يجتاح رئيسهم العالم ويدمر دولاً ويحارب أتباع الديانات الأخري تحت حجج خرافية، وربما لا يمانعون أيضاً في استخدام السلاح النووي إذا اقتضي الأمر لفرض أجنداتهم ونزواتهم المغلفة بلباس روحي. هل يُعقل أن ينوب هؤلاء عن أكثر من ستة مليارات نسمة وهم سكان المعمورة في انتخاب حاكم العالم الأوحد؟ هل يُعقل أن يتحدي هؤلاء رغبة العالم الخائف جداً من الإدارة البوشية؟

وبالطبع ليس سكان العالم وحكوماته وحدهم هم الذين يتذمرون من اختزال الانتخابات الأمريكية في أقل من ربع الأمريكيين المتشددين. فهناك أكثر من ثمانية وأربعين بالمائة من الأمريكيين أنفسهم قالوا (لا) لبوش، لا بل إن بعضهم قرر هجرة الولايات المتحدة لعدم قدرته علي العيش فيها في ظل الإدارة الجديدة. وقد أظهر مركز الهجرة في أمريكا أن عدد الذين قرروا ترك البلاد قد تضاعف ستة مرات بعد يوم واحد من فوز الرئيس بوش بولاية ثانية. وبالتالي لا يمكن لأحد أن يحمـّل كل الأمريكيين مسؤلية اختيار الرئيس. وفي هذا السياق اقتبس دافيد كلارك، في صحيفة الغارديان البريطانية، فقرة مدهشة من كلام قاله السناتور الأمريكي الليبرالي الشهير وليام فولبرايت قبل أربعة عقود أثناء حرب فييتنام، عن وجود أمريكيتين وليس أمريكا واحدة: الأولي كريمة إنسانية، والثانية أنانية ضيّقة، واحدة ناقدة لذاتها، وأخري ممتدحة لصواب ذاتها، واحدة متعقلة، وأخري رومانسية، واحدة طيبة المزاج، وأخري كظيمة، واحدة تتساءل، وأخري تتكلم كالأساقفة، واحدة معتدلة، وأخـــري طافحة بالكثافة العاطفية، واحدة حكيمة، وأخري متغطرسة في استخدام القوّة العظمي . وبالطبع، كان كلارك قد اقتبس كلام فولبرايت لكي يذكّر بأنّ قوله ذاك ينطبق أشدّ الإنطباق علي حال أمريكا الراهنة، وأنّ تصويت أيّ من هاتين الأمريكيتين أمرُ يخصّ العالم أيضاً، ولا يخصّ الولايات المتحدة وحدها كما يري المراقبون. إن التجربة الديموقراطية الأمريكية الأخيرة تعيد إلي الأذهان التحفظات الكثيرة التي كان قد أبداها فلاسفة كبار في الماضي حول ترك الحبل علي الغارب للشعوب لاختيار حكوماتها.

كان المفكر سبينوزا يري أن عيب الديموقراطية هو في ميلها الي وضع طبقة العامة في السلطة حين توضع مقاليد الأختيار والإنتخاب في أيديهم. لأن الحكمة ليست في كثرة الناس. وقد ينتخب الشعب أكثر الناس بلاهة وبلادة ويضعهم في أعظم مناصب الدولة, لا لشيء إلا لمقدرتهم علي تملق الشعب ومداهنتهم له والتلاعب بعواطفه ونزواته. كما أن الجماهير متقلبة في ميولها وأهوائها لأن الجماهير تسوقها العواطف وتحكمها الأهواء لا العقل. وهكذا تصبح الحكومات الديموقراطية في يد المشعوذين والدجالين والمنافقين الذين يسايرون أهواء الشعب ويطوعونها لمصلحتهم الخاصة. وبالتالي لا بد من إعادة النظر في هذا الجانب الخطير من الديموقراطية إذا كنا نريد إغلاق باب المناصب الكبيرة في الدولة أمام الدجالين والمنافقين والجهلاء والأغنياء وغيرهم كما يري بعض المفكرين.

ولو كان سبينوزا حياً حتي الآن لأثبت نظريته آنفة الذكر بالبرهنة عليها بالتجربة النازية، فمن المعلوم أن هتلر لم يغتصب السلطة ولم يصل إلي منصب (الفوهرر) عن طريق الانقلابات بل بواسطة الشعب الألماني الذي صوت له بالملايين. بعبارة أخري لقد كان هتلر مفوضاً من الشعب في كل ما فعله فيما بعد من أفعال عنصرية همجية وغزو للبلاد المجاورة وتوريط العالم في حرب أتت علي الأخضر واليابس وحصدت أرواح أكثر من ستين مليوناً من البشر. لم يكن بمقدور أحد في ثلاثينات القرن الماضي أن يعيّر النظام النازي بأنه لم يكن ديموقراطياً. ولم يكن أيضاً بمقدور أحد أن يعيّر الزعيم الفاشي موسيليني بأنه لم يكن ديموقراطياً. لقد كان هو وصديقه هتلر منتخبين بأغلبية ساحقة من قبل الجماهير التي قد تفشل في أحيان كثيرة في اختيار النظام أو الزعيم المناسب لقيادة البلد أو ربما قد تختاره عن قصد لأنه يمثل تطلعاتها وتوجهاتها المنحرفة والخطيرة ويصبح الشعب والقائد كلاً لا يتجزأ كما كان الحال مع الألمان والإيطاليين في ثلاثينات القرن الماضي.

وإذا كان سبينوزا قد حذر من ترك اختيار الحكام والحكومات للشعوب، فإن الفيلسوف الفرنسي الشهير غوستاف لوبون كان قد برع في تحليل نفسية الشعوب المتقلبة كالزئبق في كتابه المعروف سيكولوجية الجماهير ، وكأنه كان، كسبينوزا، يحذر من مغبة الاعتماد علي الغوغاء في تنصيب الزعماء. يقول لوبون: إن الجماهير تتحرك بغرائز عاطفية، لا مكان فيها للهدوء والتروي، تريد كل شيء في نفس اللحظة، وهي سهلة الانقياد إذا وجدت من يحسن العزف علي أوتارها، أو من يخيفها، ويمدحها في نفس الوقت، لا يهمّ أن تكذبَ علي الجمهور، لأنه لا يطلب الحقيقة أصلا، المهم هو أن تعرف كيف تحرّكه، كيف تسخّر هذا الوحش الرهيب لتحقيق أهدافك السياسية. الجماهير ليست دائمة علي حق ولا علي باطل، كما السياسي تماماً، لأن المحركات هنا تشتغل بطاقة أخري، هي طاقة العاطفة والخيال بالنسبة للجمهور، وطاقة المصلحة والمنفعة بالنسبة للسياسي، لا مكان للعقل أو للمحاكمات المنطقية الدقيقة . إن الجماهير قوة هائلة لا تستجيب إلا لمن يعرف كيف يخاطبها، ويهمس في أعماقها السحيقة باللحن الذي تريد.

لقد كانت معرفة السبل التي يستطيع بها السياسي اقتياد الجماهير إلي حيث يريد، من أهم الشواغل التي سيطرت علي الحكام الديكتاتوريين علي مر التاريخ. وإذا كانت سيكولوجية الجماهير تستجيب للمثيرات العاطفية أكثر من الأسانيد المنطقية، فقد كان الزعماء الجماهيريون يتقنون اللعب علي هذه المحرضات، يعدون جماهيرهم بالأشياء العظيمة ويشعرونهم بأن لا حائل بينهم وبين هذه الغاية إلا هذه الفئة من المعارضين أو الأعداء، لخططي ومشاريعي . وكان الحكام دائماً يخوفون جماهيرهم بالأعداء الداخليين والخارجيين الذين يقفون بينكم وبين تحقيق أهدافكم الكبري . وعندها يتحول الجمهور الهائل إلي ذات واحدة تتحدث بلسان واحد وتتحرك بجسم واحد لتحطيم كل العقبات المنتصبة أمام الزعيم السياسي! وهذا للأسف نجده هذه الأيام في بعض الديموقراطيات الكبيرة. هتلر نموذج مثالي لهذه المعادلة بين الزعيم والجمهور، إذ ما زال السؤال الكبير مطروحاً حسب بعض المحللين: كيف استطاع أن يحول الألمان، صفوة المجتمع الأوروبي، إلي وحش كاسر يتحرك وفق إشارته؟ كيف استطاع أن يقنعهم بأكاذيبه وأوهامه عن التفوق الجرماني، وصيّرهم في النهاية وحشا نازيّاً؟ حرّك كل ما يمكن تحريكه من العواطف الراكدة في أعماق الشعور الجمعي للألمان، ووظف لذلك جميع قدراته الخطابية، بدءاً بحركات يديه وتعابير وجهه، وانتهاء بالتحية النازية الشهيرة .

القائد الشهير نابليون بونابرت، كان أيضاً واعياً تماما بهذا المنطق، ولذلك لم يجد غضاضة في التلوّن والكذب علي الجمهور وإعطائه ما يريد من الأوهام في سبيل أن يعطيه الجمهور ما يريد من الطاعة. وإذا نظرنا حولنا هذه الأيام نجد أن الأمثلة القديمة تتكرر أمام أعيننا في منظر مخيف تحت يافطة الديموقراطية والخيار الشعبي. لقد كان من يسمون أنفسهم بالليبراليين العرب الجدد يطلقون وصف شعبوي علي الشعوب العربية التي تصوت للإسلاميين أو القوميين علي اعتبار أنها غير مصيبة في اختيارها. هل يستطيع ليبراليونا الأكارم هذه المرة أن يطلقوا صفة شعبوي علي الشريحة الأمريكية المتشددة التي تحدت العالم وصوتت للرئيس بوش؟

لقد نجح الضغط الأوروبي في إبطال مفعول الديموقراطية في النمسا قبل سنوات بحجة أنها أوصلت إلي الحكم زعيماً شعبياً عنصرياً متطرفاً مثل يورغ هايدر . وقد تمكنوا بالتعاون مع أمريكا واللوبيات اليهودية في العالم من إزاحة هايدر عن سدة القيادة بالرغم من أن نظامه لا يشكل خطراً كبيراً علي العالم لكون بلاده صغيرة الحجم ولا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية مؤثرة. أليس حرياً بدول المعمورة وشعوبها إذن أن تنتبه إلي النماذج الديموقراطية المشابهة التي يمكن لها في الحاضر والمستقبل أن تهدد العالم أجمع من خلال احتمائها المزعوم بخيارات الشعوب الحرة ؟