العراق ومرحلة جديدة من الاحتلال
بقلم : كمال
السعيد حبيب
بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 والذي
حول العراق من كونه دولة محتلة ، إلى دولة تحكمها حكومة مؤقتة تتولى السلطة في 30
يونيو الجاري ، بحيث تكون هذه الحكومة المؤقتة مشاركة للقوات الأجنبية التي تقودها
أمريكا في تسيير أمور البلاد بما يحقق المصالح الأمريكية .. فمجلس الحكم الانتقالي
الذي كان يعبر عن سلطة الاحتلال أصبح حكومة مؤقتة تشارك الاحتلال في صيغته الجديدة
التي جعلت من قوات الاحتلال الأمريكي سابقًا القوات المتعددة الجنسيات ، فقد منح
قرار مجلس الأمن الدولي - الذي صدر بالإجماع بعد تعديل صيغته أربع مرات للتحفظات
التي أبدتـها روسيا وفرنسا على مشروع القرار الذي يعبر عن وجهة النظر الأمريكية - الولايات
المتحدة الأمريكية صلاحية شرعية لقيادة ما أطلق عليه القرار "قوات متعددة
الجنسيات" تتمتع بسلطة اتخاذ التدابير اللازمة لصون استقرار العراق ، ومنع
الإرهاب وردعه على أن تنتهي ولا تنهار القوات متعددة الجنسيات بعد اكتمال العملية
السياسية أواخر العام 2005 أو قبل ذلك إذا طلبت الحكومة العراقية إنـهاءها .
وتضمن القرار الدولي
رقم 1546 ملحقًا هو رسالة وزير الخارجية الأمريكي "باول" ورئيس الوزراء
العراقي إياد علاوي، واللتين أشارتا إلى إنشاء ترتيبات لشراكة أمنية بين حكومة
العراق ذات السيادة والقوات متعددة الجنسيات، ولكفالة تحقيق التنسيق بينهما في شأن
المسائل الأمنية.
فالرسالتان تحدثتا عن
شراكة أمنية، أي أن تصبح الحكومة الانتقالية شريكًا أمنيًا مع القوات متعددة
الجنسيات التي تقودها أمريكا بحيث لا تملك الحكومة العراقية حق النقض أو الفيتو
على العمليات الأمنية أو القتالية التي تقررها القوات متعددة الجنسيات والتي وصفها
قرار مجلس الأمن الدولي المتصلة بالعمليات الهجومية الحساسة، مثل العمليات التي
قامت بـها القوات الأمريكية ضد الفلوجة المجاهدة .. بل إن هذه العمليات ذات الطابع
الحساس لن تحاط بـها الحكومة الانتقالية العراقية علما مسبقًا قبل القيام بـها .. وهو
ما جعل العراقيين يصفون الحكومة الانتقالية العراقية الجديدة بأنـها شريك للاحتلال
الذي صار يسمى القوات المتعددة الجنسيات وليست الحكومة الانتقالية تعبيرًا عن تحول
السيادة الكاملة للعراقيين، بحيث يصبح قرارهم السيادي بيدهم.
وحاولت دول مثل فرنسا
الضغط في مجلس الأمن الدولي لمنح الحكومة الانتقالية حق النقض أو الفيتو على
العمليات الأمنية الحساسة، التي تعرض وضع البلاد للخطر بسبب حماقات هذه العمليات،
ولكن أمريكا رفضت بقوة واضطرت لتعديل القرار إلى قبول صيغة مشاركة وتنسيق مع
الحكومة الانتقالية الجديدة.
ومن ثم فالحكومة
الانتقالية الجديدة هي تعبير عن الوجه الجديد لاستمرار السيطرة الأمريكية على
العراق، ولكن عبر الحقائق الجديدة التي رسختها المقاومة على أرض الواقع، فبدلاً من
السلوك الإمبراطوري الأمريكي الذي رافق عملية الاحتلال للعراق بالإصرار على
استبعاد أي دور للأمم المتحدة أو للقوة الدولية الأخرى؛ اضطرت أمريكا مع هذا
القرار أن تتوصل إلى صيغة توافق مع بقية القوى الدولية كفرنسا وروسيا، وفي نفس
الوقت أن تعترف بدور للأمم المتحدة في ترتيبات العملية السياسية التي لم تستكمل في
العراق بعد، والتي من المفترض أن تأتي بحكومة منتخبة للعراق بشكل دستوري بحلول 31
ديسمبر 2005 م، كما اضطرت أمريكا إلى قبول أن تطلب الحكومة العراقية المؤقتة من
القوات متعددة الجنسيات التي تقودها أمريكا بالرحيل، وفي كل الأحوال فإن التفويض
الممنوح للقوات متعددة الجنسيات سوف ينتهي في يناير 2006 بعد أن تكون - وفق القرار
- تكاملت للعراق سيادته بمجيء حكومة منتخبة انتخابًا عامًا وحرًا من كل العراقيين
وليست حكومة تم اختيارها من قبل الأمريكيين.
وبالطبع فإن تشكيل
الحكومة الجديدة بقيادة "إياد علاوي" البعثي السابق المرتبط بالمخابرات
الأمريكية والذي انتقل إلى معارضة نظام صدام حسين في أواخر السبعينات أثناء وجوده
في لندن ثم أسس حركة الوفاق الوطني عام 1990 بمشاركة صلاح عمر العلي أحد أركان حزب
البعث الكبار، لكن المخابرات الأمريكية جندت " إياد علاوي " عام 1992
وطلبت منه قطع علاقاته مع العلي.
إعلان هذا التشكيل
الذي كان تعبيرًا عن رغبة الحكومة الأمريكية بشكل كامل جعل عمليات المقاومة تتصاعد
بشكل كبير وغير مسبوق، خاصة وأن علاوي أعلن أن الملف الأمني هو الملف الأهم على
أجندة حكومته، ويعني الملف الأمني الانخراط في عملية تضييق وحصار للمقاومة بما في
ذلك السعي لاستئصالها.
ومن المعلوم أن جنود
قوات الاحتلال الأمريكي في العراق والذين يزيدون على 160 ألف جندي يتمتعون بحصانة
مطلقة داخل العراق، بحيث لا يجوز لأي جهة عراقية أن تتعرض لسلوكهم أو تصرفاتـهم
مهما كانت بالسؤال أو المراجعة أو التحقيق، وهو ما فتح الباب واسعًا للانتهاكات
الوحشية التي حدثت في سجن أبو غريب دون أن يجرؤ أحد من العراقيين رغم علمهم بما
يحدث على التحري أو السؤال أو الاعتراض .. إنـها تعبير صارخ عن الاحتلال واستمراره.
ولا يكتفي الأمريكيون
بذلك، بل إنـهم يسعون لمنح المدنيين التابعين للقوات الأمريكية وقوات التحالف
المتعددة الجنسيات أن يحصلوا على نفس الامتياز بمنحهم حصانة تحميهم من المسئولية
أمام القانون العراقي.
ومن هنا أيضًا كان
السبب في استمرار عمليات المقاومة بعد إعلان تشكيل الحكومة المؤقتة الجديدة التي
يترأسها "إياد علاوي" وثيق الصلة بالمخابرات المركزية الأمريكية.
نظرة على الحكومة
الجديدة:
تم اختيار "غازي
عجيل الياور" وهو سني عربي رئيسًا للعراق، وهو بذلك يمثل الرئيس رقم (6) للبلاد،
وهو ينتمي لأسرة عشائرية لها باع طويل في العمل السياسي خاصة جده "عجيل
الياور" في ثورة العشرين ضد البريطانيين، وقد درس الهندسة في السعودية التي
عاش فيها 15 سنة، ثم حصل على الماجستير من جامعة "جورج تاون" بواشنطن،
ثم عمل مهندساً بالسعودية، وكان رئيسًا لمجلس الحكم الانتقالي بعد اغتيال رئيسه
الدوري "عز الدين سليم"، وأعلن أن الرئيس العراقي سيكون "عدنان
الباجه جي" لكنه اعتذر عن قبول المنصب، وتم الاتفاق على "غازي عجيل
الياور" رئيساً للعراق، وهو ما يعني أن الأمريكان يضعون في اعتبارهم أهمية
كبرى للبعد العشائري والقبلي خاصة في مناطق السنة، التي مثلت عشائرها تحديًا
كبيرًا للاحتلال الأمريكي. من ثم فإن "غازي عجيل الياور" ربما يكون
الواجهة التي يمكن من خلالها امتصاص غضب هذه العشائر والتفاهم معها للسيطرة على
الأوضاع في مناطقها الملتهبة.
كما تضمنت تشكيلة
الوزارة عددًا من البعثيين السابقين الذين لهم قواعد عشائرية أيضًا مثل وزير
الدفاع "حازم الشعلان" العسكري البعثي السابق الذي اختلف مع نظام صدام
بعد عام 1991، وهو من قبيلة "خزعل" في منطقة الفرات الأوسط، وكان يشغل
منصب محافظ الديوانية وهو شيعي، وكذلك وزير التعليم "طاهر البكاء" وهو
بعثي شيعي قومي، كان يقود "الاتحاد الوطني لطلبة العراق"، ووزير
الداخلية العسكري البعثي السابق وهو سني. فمن الواضح أن الحكومة الأمريكية تعلمت
أن اجتثاث البعثيين السابقين جميعهم ليس أمرًا ممكنًا، خاصة وأن لديهم خبرات
بيروقراطية تمكنهم من إدارة الدولة، فهناك سنة من البعثيين الذين كانوا معارضين
للنظام السابق، وأغلبهم علمانيون أو قوميون، فالحضور العلماني هائل داخل تشكيلة
الحكومة الجديدة، كما أن المرأة لها حضور كبير بطلب من "بريمر" الذي لم
يحضر لحظة إعلان الحكومة، لكنه كان هو صانعها والمشرف على أدق تفاصيل الترتيبات
المتعلقة بالتوازنات والاختيارات للحكومة المؤقتة، وغلب على الحكومة العراقية
الانحياز الأمريكي لأن يكون أعضاء الحكومة لهم صلة قوية بكل أشكال الطيف السياسي
والعشائري في البلاد، وليست حكومة تكنو قراط كما كان يريد لها الأخضر الإبراهيمي.
وربما يرى الأمريكيون
من خلال خبرتـهم السابقة أن المرحلة الحالية تريد التعاطي مع القوى السياسية
والعشائرية في العراق لمنع عمليات المقاومة. كما أن الملف الأمني السني بالذات هو
أحد الملفات المهمة على أجندة الحكومة، كما أعلن إياد علاوي المتورط السابق في
عمليات عنف وإرهاب ضد أطفال ومدنيين في بغداد، وهو ما جعل البعض يتحدث عن أنه لص
جاء لمحاصرة لص آخر، فهو من كان متورطًا في تفجيرات إرهابية لصالح المخابرات
الأمريكية، يتحدث اليوم عن ضرورة ضبط الملف الأمني في البلاد!!
وتشير المعلومات أن هناك 200 مستشار أمريكي هم
الذين سيقومون بتوجيه الحكومة الانتقالية الجديدة، أبزر هؤلاء المستشارين "فرانسيس
ريكارديون" المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، والجنرال المتقاعد "كلود
كيكلاند" ممثلاً لوزارة الدفاع.
كما تشير المعلومات
إلى أن معظم أعضاء الحكومة الانتقالية لها روابط قوية بالمخابرات في دول عديدة من
العالم؛ حتى أن بعضهم كان يعمل مع أكثر من جهاز استخبارات واحد، وحتى أن بعضهم
كوزير الخارجية العراقي "زيباري" طالب باستمرار بقاء قوات الاحتلال
الأمريكي في البلاد؛ لأن بناءها ضرورة أمنية كما قال .. وهنا فالحكومة الانتقالية
الجديدة هي شكل من أشكال الصناعة الأمريكية التي تحاول أن تبقى في العراق عبر خلق
الأتباع والأعوان لها، والذين يمكنهم أن يسهلوا إيجاد صيغة قانونية عبر معاهدات
بين أمريكا والعراق لاستمرار بقاء القوات الأمريكية في قواعد بالبلاد حتى تبقى
أمريكا هي المسيطر الفعلي على البلاد.
خاتمة:
لذا فإن المقاومة هي
الأداة الوحيدة التي سوف تفشل الخطط الأمريكية في العراق، خاصة وأن العام الحالي
سيكون عامًا صعبًا جدًا على الإدارة الأمريكية المهيمنة على القرار في البيت
الأبيض، خاصة وأن فشل هذه الإدارة في العراق أصبح أمرًا في حكم المؤكد على جميع
المستويات، وقد وجه 29 دبلوماسيًا أمريكيًا انتقادات مباشرة إلى سياسات بوش
العمياء، مؤكدين أن وقت التغيير حان، وأشاروا إلى أن سياسات بوش عزلت أمريكا عن
المجتمع الدولي، وأغرقتها في مستنقع إرهاب في بغداد ينذر بمزيد من الكوارث
السياسية والمعنوية والأخلاقية.
وفي البيان الذي
أصدره الدبلوماسيون والعسكريون الأمريكيون باسم "دبلوماسيون وعسكريون من أجل
التغيير قالوا: "الرئيس بوش، اتخذ منذ البداية موقف الغطرسة فيما يخص دور
أمريكا في العالم، معتمدًا على القوة العسكرية والاقتناع بالتفوق الأخلاقي من دون
حساسية تجاه ما يقلق الحلفاء والأصدقاء التقليديين، وبدل البناء على القوة
الاقتصادية والأخلاقية لأمريكا لقيادة الأمم الأخرى في حملة متناسقة للتعامل مع
مسببات الإرهاب ومعرفة مصادره، فإن الإدارة مدفوعة بالأيديولوجيا أكثر من التحليل
العقلاني، انطلقت وحدها وقادت أمريكا إلى حرب سيئة التخطيط ومكلفة، يحيطها الغموض
بكيفية الخروج منها، وبررت غزوها العراق بمعلومات استخباراتية غير مؤكدة عن أسلحة
الدمار الشامل، وأيضًا من خلال حملة انتهازية لإقناع الرأي العام بوجود علاقة بين
صدام والقاعدة، وهجمات 11 سبتمبر، ولم تدعم الأدلة هذه الحجج" .. وأشار
البيان إلى عزلة أمريكا وكراهيتها، وأوضح البيان: "الولايات المتحدة تعاني من
صلتها الوثيقة بالأنظمة التسلطية في العالم الإسلامي والدعم غير المشروط لسياسات
الحكومة الإسرائيلية الحالية، وإجراءاتـها"..
وعلى الجانب الآخر،
فإن التحدي الذي يواجه المقاومة في المرحلة الحالية هو التمسك بالجانب الأخلاقي
للمقاومة؛ بمعنى عدم الاندفاع في عمليات يمكن أن تؤدي إلى تـهديد وحدة العراق،
بعمليات ذات طابع طائفي أو ذات طابع غير إنساني.
فوحدة العراق هو
مسئولية المقاومة خاصة مع تعاظم الأصوات المنادية بالانفصال وهم الأكراد الذين لم
يتضمن قرار مجلس الأمن "قانون الإدارة المؤقت" الذي يعطيهم تميزًا في
ثلاث محافظات في الشمال ، وهم أرسلوا إلى بوش أنـهم سينفصلون ولن يشاركوا في
الحكومة المركزية. فالوعي بأن تكون حركات المقاومة في اتجاه توحيد العراق هو
الأهم، كما أن الوعي بعدم الانخراط في عملية قتل المدنيين بالذبح أو غيره هو نوع
من حسن الفطن للحفاظ على صورة الإسلام نقية لا شائبة فيها.
ويبقى خط المقاومة
الواعي المسئول عن بناء العراق موحدًا وحرًا هو الخط الذي سيستمر وسيصعد ويوحد
الجهود حوله؛ لطرد قوات الاحتلال، والحفاظ على موارد وسيادة ووحدة العراق أن تكون
نـهبًا للطامعين أو العملاء أو الأعداء....