لصد المشروع الأمريكي: نحن بحاجة لمشروع اعلامي لتوأمة الاسلام والعروبة
بقلم :سمير
عبيد
كنّا نأمل أن يخسر
الرئيس جورج بوش عسي تتمكن منطقتنا من التفاهم مع الإدارة الأمريكية والشعب
الأمريكي، ولكن تبين أن الشعب الأمريكي مفتونا بفتل العضلات وتصدير سياسة وثقافة
الكابوي إلي العالم عامة والشرق الأوسط بشكل خاص.
ففوز الرئيس بوش
الابن هو رد اعتبار لوالده جورج بوش الأب الذي خسر أمام الرئيس بيل كلينتون، خصوصا
وكانت استطلاعات الرأي تؤشر لفوز الأب بوش الذي بشّر بالنظام العالمي الجديد، لذا
ففرحة بوش الأب تفوق فرحة الابن، وكذلك فرحة التيار المحافظ والمتشدد في إدارة بوش
تفوق فرحة الرئيس بوش الابن أيضا، ومن الجهة الأخري يجب دراسة عملية فوز الرئيس
بوش، ومزاجية الشعب الأمريكي، حيث عندما فوّز الرئيس بوش لولاية ثانية يعطينا الحق
بعدم التعاطف مع الشعب الأمريكي من الآن فصاعدا، بل إعادة النظر بجميع العلاقات مع
هذا الشعب الذي تعاطف مع رئيسه الذي لا يحترم أحد، حيث ثبت أنه شعب ما زال مؤمنا
بالثقافة نفسها التي ابادت (23 مليونا) من الهنود الحمر لتؤسس علي حسابهم
الإمبراطورية الأمريكية القديمة، لذا أصبح الأمر واضحا حيث يريدون تأسيس
إمبراطوريتهم الجديدة علي جماجم العرب والمسلمين في منطقتنا، كي يتفرغوا صوب الصين
ودول أخري، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة التي آمن بها التيار المتطرف في إدارة
جورج بوش الابن، والذي خدع الشعب الأمريكي وجعله يعطي الأصوات لهكذا إدارة متعطشة
للحروب والدمار، وإهانة الشعوب والأمم، لأن كثيرا من المحللين والساسة في العالم
يرون أن إدارة بوش الابن بشقيها الأول المنتهي والثاني الذي سيبدأ سوف تؤسس لطريق
انهيار وانحسار الأمبراطورية الأمريكية، حيث من بوادرها ما نراه الآن من تدهور في
سعر الدولار، وانخفاض معدلات النمو، وفقدان الملايين لوظائفهم، والخوف والهلع الذي
عبّر ويعبر عنه كبار السياسيين الأمريكان عن طريق وسائل الإعلام، والندوات، ومنهم
من وجه رسائل تحذير إلي الرئيس جورج بوش نفسه محذرين خلالها من الاستهتار الذي
تمارسه الإدارة الأمريكية تجاه العالم ومنطقة الشرق الأوسط.
سيطبق الرئيس بوش ما
تبقي من رؤيته الإلهية
لكن الرئيس بوش الذي
يؤمن بأنه رسول للبشرية، ومعه إدارته التي تحتوي علي تيار المحافظين الجدد، والذين
يؤمنون بالتوسع والحروب، وتشكيل منطقة الشرق الأوسط من جديد لتكون بإدارة إسرائيل
نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية يرون أن عملية فوز الرئيس مسألة غيبية هي
الأخري، وخطوة أخري من الإيحاء الرباني كي يكمل المشروع الأمريكي الذي خططته ثلاث
قوي هي (التيار المسيحي المتشدّد والمتحالف مع التيار اليهودي المتشدّد، والتيار
البروتستانتي المتشدّد، وتيار الماركسيين الذين تحولوا إلي الليبرالية ولكن برؤي
وتوجهات غريبة وعائمة ومتطرفة)، لذا فعملية تشغيل مسلسل التوسع ستبدأ حال تفرغ الرئيس
الأمريكي من توزيع المهام والوظائف، والتي لن يفكر بمنحها كثيرا كما فعل في ولايته
الأولي، لأنه كان حريصا علي التوازنات والجمهور والأصوات، أما الآن فهو حل من ذلك
لأنه لا يتطلع لولاية ثالثة تحت بنود الدستور التي تمنع الرئيس لولاية ثالثة، ولكن
من يدري ربما لا يكتمل هذا الرئيس ولايته كلها، لأنه معرّض للكذب والتزوير، وخير
دليل عدم وجود مسببات الحرب علي العراق لحد الآن، كما أنه معرض للتهور بقرارات
وحروب لا يرضي بها الله والعباد.
من يعتقد أن الرئيس
بوش سوف يكون متزنا وحنونا علي الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي فهو واهم،
فالرجل يحمل مشروعا عملاقا هدفه تدمير (الإسلام والعروبة) معا، وكذلك الحقد علي
الحضارات الضاربة في التاريخ، حيث يهدف هذا المشروع لتفريغ الإسلام من محتواه
الحقيقي كدين وكمشروع للحياة في المناهج، والمساجد، والندوات، وفي وسائل الإعلام،
لذا فان مشروعا أمريكا ثقافيا عملاقا تقوده الأمريكية (زوجة السفير الأمريكي في
كابول خليل زلماي زاده) هدفه فصل الأحاديث النبوية عن القرآن، والبقاء علي القرآن
فقط في المناهج والتعليم دون الاعتماد علي التفاسير، ودون الاعتماد علي الرديف
المتعارف عليه وهو الأحاديث والسنّة، وهي كارثة حقيقية تهدد الإسلام كمشروع حضاري،
والإسلام كدين، وتحاول طمس ونسيان الرسول محمد (ص) وجميع أحاديثه هو وصحبة أجمعين،
وهو ما بشر به وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد في عام 2002 عندما قال (نحن ذاهبون
لمنطقة الشرق الأوسط لإعادة تشكيلها وجعلها كأوروبا الشرقية) أي بمعني جعل
المسلمين في منطقة الشرق الأوسط كالمسلمين في أوروبا الشرقية (مسلمين باللسان
وبطاقات الأحوال الشخصية فقط) أما ممارساتهم فكلها بين الماكدونالز وموسيقي البوب
الأمريكية، ومتابعة الأفلام الأمريكية، والصرعات الأمريكية والأوروبية، وانتشار
المافيا والبغاء (مع احترامنا للقلة الصامدة في هذه الدول والتي لا تشكل خطراً علي
أصحاب المخططات هناك)، وهكذا مشروع حتما توافق وستوافق عليه روسيا والدول
الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا وغيرها لأنها خائفة من (البعبع) الإسلامي
الذي بشرت به أمريكا، وبعض الأطراف الأوروبية التي ربطت مشاريعها مع المشروع
الأمريكي، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني اليهودي، والمسيحي المتطرف في الدول
الأوروبية.
ويبقي الشق الثاني من
المشروع الأمريكي وهو قتل العنفوان العربي داخل الشخصية العربية، ومسألة أبعاد
الأحاديث النبوية، والرسول العربي محمد (ص) الذي يفخر به العرب عن المناهج
الدراسية، والتداول والندوات، يصب في عملية قتل الافتخار بهذا النبي وبعبقريته
ونهجه ومدرسته وعروبته التي اختارها الله تعالي للبشرية أجمع، ومن ثم زرع في داخل
النفسية العربية الشعور بالانهزامية التي تولد النقمة ضد كل ما يمت للتاريخ العربي
والإسلامي بصلة، أي تحويل الدين والعروبة والتاريخ العربي إلي شماعة يعلق عليها
المواطن العربي جميع الأغلاط والإخفاقات التاريخية المعاصرة وغير المعاصرة،
الحالية والمستقبلية، ومن عجّل بهكذا مشاريع هي النخب العربية والإسلامية التي
انخرطت في المشروع الأمريكي، والتي أصبحت أبواقا داخل المجتمعات العربية
والإسلامية، كما أصبحت عيونا تراقب كل ما هو يوحد الأجيال أو ينورها، ولهذا أوجدت
الولايات المتحدة الأمريكية لهؤلاء المنابر الإعلامية العملاقة، والمراكز
الإستراتيجية داخل الدول العربية والإسلامية بحجة قضايا المرأة، وحقوق الإنسان،
والفقر، والطفولة، ونشر الديمقراطية، والحفاظ علي حقوق الأقليات وغيرها، ولو جئنا
وبحثنا سنجد أن أعلي حالات اغتصاب واعتداء وضرب في العالم أتجاه المرأة هي في
أمريكا، وأعلي حالات الفقر هي في أمريكا وتحديدا بين السكان السود، أما عن الطفل و
الطفولة فنشرت منظمة العفو الدولية(آمنستي) تقريرها السنوي الأخير قبل شهر ونصف،
فتبين أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المرتبة الأولي في العالم في عملية
إعدام الأطفال (القصّر)، بل رفضت المحكمة الفيدرالية الأمريكية تغيير القوانين
الخاصة بهذه المسألة، أما نشر الديمقراطية فهي كذبة كبري، والغاية منها التدخل في
شؤون الدول، واحتلالها ونهب خيراتها، وما حصل في العراق لهو خير دليل، عندما رفعوا
شعار الحرية والديمقراطية، وتبين أنه احتلال كولونيالي، واغتصاب للأطفال والرجال
والنساء، وقتل يومي للمدنيين الأبرياء في مدن العراق، حيث وصل العدد وحسب الدراسات
الأمريكية إلي (100) ألف قتيل من المدنيين العراقيين، وللفترة المحصورة بين آذار/ مارس
2003 إلي أيلول (سبتمبر) 2004.
لذا حتما سيستميت
الرئيس بوش من اجل أكمال رؤيته الإلهية، لهــــذا سيكون هناك المــــزيد من
المعارك والعويل وصرخات النساء والأطفال، وستسجل عدسات الكاميـــــرات المزيـــــد
من الفوضي وحالات الاغتصاب وسط النساء والأطفال العرب..
مشروع النهوض
والمواجهة
سقطت الجيوش العربية
وأصبحت وستصبح عبئا علي الحكومات والدول العربية، لأن من بنود المشروع الأمريكي هو
عملية تحويل الجيوش العربية إلي جيوش من العاطلين، وقسم من هذه الجيوش سيتحول إلي
الشرطة التي تحمي المشروع الأمريكي، والحكومات التي ستعين خدمة للمشروع الأمريكي،
كما حصل ويحـــصل في العــــراق، وتحت شعار تجزئة الكامل، وتفتيت المجزأ، كما عبر
عنها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قائلا قُبيل الحرب علي العراق (نحن ذاهبون
لمنطقـــــة الشرق وذلك لتشكيل خارطتها من جديد، والعراق هو البداية)، لهذا لم يبق
لنا سلاحا إلا الإعـــلام فقط، ودولنا العربية تمتلك السطوة المالية كي تؤسس هكذا
مشاريع، ولكن الأنانية والطمع والجشع والتصديق بمسرحية أنهم أصدقاء واشنطن وتحت
شعار (ببن عمي ولا بي)، وباعتقادهم سوف يُستثنون من المشروع والتغيير والتدمير، هو
السبب الذي جعل الخذلان والتقوقع شعارا سائدا، ولكن نقول لهؤلاء (لا صديق دائما
لدي واشنطن، فأنها لا تؤمن إلا بالمصالح فقط).
قد نعذر الحكومات
العربية التي صلاحيتها بيد واشنطن، ولكننا لا نعذرها من العمل علي أيجاد السبل
والطرق التي لا تترك دليلا عليها في عملية دعم المشاريع الإعلامية الهادفة، والتي
تتصدي للمشروع الأمريكي، وتنمي العروبة داخل الشخصية العربية، وبالتالي العمل علي
الإسلام الفكري والمعتدل، والذي لا يعتمد علي نظرية (تقصير الثوب، وتطويل اللحي
مقابل حلق الشارب)، بل علي تقوية الفكر والبصيرة والمنطق والحجة العلمية لدي الفرد
المسلم، فهناك مدارس، ومساجد، وشخصيات، ومراكز أسلامية كثيرة خدمت المشروع
الأمريكي بقصد وبدون قصد، عندما كانت تنظّر علي أمور أكل الزمان عليها وشرب، دون
مواكبة التطور والتغيّر في العالم، ودون دراية بالقفزات التي حلت بالمجتمعات
والأمم والناس والأفراد، لهذا تحولوا إلي أعداء للأمة الإسلامية والعربية دون
علمهم، بل جعلوا الأمريكان وغيرهم يأخذون فعل هؤلاء حجة ضد أمتنا العربية
والإسلامية في عملية التدخل، ولا ننسي أن أمريكا أسست تيارات وشخصيات أسلامية ترفع
الإسلام شعارا ولكنها بقلب أمريكي، لذا نحن بأمس الحاجة إلي مشروع أعلامي عملاق
هدفه تثبيت العروبة في النفوس التي أصبحت مهزوزة، وقوة العروبة لدي الفرد العربي
والمســـلم ستقوي الإسلام حتما وبالعكس، والدفاع عن الإسلام وشرح ماهية هذا
المشروع العظـــيم الذي جاء للبشرية جمعاء، فلا أسلام قويا بلا عروبة عميقة وقوية،
ولا عروبة نظيفة وقوية بلا أسلام قوي ومتنور، لهذا يجب أن نتوأم الإسلام الفكري
الناضج والمتجدد مع العروبة التي تؤمن بالوحدة والتآخي والتعاون، فهذان معلمان
للوحدة وليس للتفرق أبدا، وبهذا نتمكن من إنقاذ المسلم والمواطن العربي من الهجمة
الشرسة التي قررتها الولايات المتحدة الأمريكية وأذنابها ضده، فقناة (الجزيرة) في
قطر أعطت لهذين الموضوعين حيزا مباركا، ولكنها تعرضت وتتعرض إلي حملة شعواء من
قبــــل الولايات المتحـــدة الأمريكية، و وصل الحد إلي التهديد بإغلاقها وتشويهها
لأنها خاطبت العقل العربي، وعرّفت العالم العربي والإســـلامي بالحقيقة، لهذا
أصبحت الحاجة ملحة، ولا تقبل التأجــــيل لأحياء المشروع الإعلامي الرديف، والذي
يقوي قناة الجزيرة (من ناحية الإعلام وليس سياسة الجزيرة)، وليس بالضرورة أن يكون
نسخة منها، أو تابعا لها ولكن يلتقي معها في حالة تناولت الجــــزيرة العروبة
والإسلام ودافعت عن ثوابت الأمة العربية والإســـلامية، لذا فهو واجب شرعي ووطني
علي الحكام ورجال الأعمال والميسورين أن يبادروا بدعم المشروع، بدلا من الاستثمار
في ديزني، وبفضائيات الهشك بيشك، والعري، والعجرمة، والبرتقالة، وشراكة مايكل
جاكسون في شراء الفنادق العملاقة التي تدور في غرفها بيع الأوطان وتفتيت وتمييّع
الأديان، والقضية عامة وليست خاصة. فالمسيحيون والأديان الأخري التي تتواجد في منطقتنا
العربية مطالبة هي الأخري لأنها تشترك معــــنا بالعروبة والمصير المشترك، فالسلام
يعم الجمــيع والدمار يعم الجميع هو الآخر، ولا يسعني إلا أن أختم مقالتي بقول
الفنان اللبناني (زياد الرحباني) وهو مسيحي عندما قال معلقا حول الهجمة الأمريكية
للمنطقة العربية (أقسم.. أشعر أني مسلم)!.