عصر عرفات
بقلم: أحمد
عمرابي
خصوم الراحل ياسر
عرفات ومعهم منتقدوه المحايدون يأخذون عليه خمسة إخفاقات رئيسية هي على التوالي
كما يلي:
- أنه خلال نهاية عقد
الستينيات وبداية عقد السبعينيات عندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة
التكوين، جعل من الوجود العسكري للمنظمة على الأرض الأردنية دولة داخل دولة مما
آثار حفيظة السلطة الأردنية وأدى بالتالي إلى ذلك الصدام الدموي الذي بات يعرف في
أدبيات المنظمة باسم «أيلول الأسود».
- أنه خلال عقد
السبعينيات أقحم المنظمة في الصراع الداخلي في لبنان مما أدى إلى توريط قوات
المنظمة في الحرب الأهلية اللبنانية لصالح «الجبهة التقدمية» وضد القوى المسيحية..
وكانت النتيجة هي إجلاء منظمة التحرير وقواتها عن لبنان كثمن للتصالح بين القوى
اللبنانية المتصارعة.
- أنه جارى الأنظمة
العربية الحاكمة في تأييدها للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات
التي أدى استمرارها إلى تهميش القضية الفلسطينية.
- أنه وقف إلى جانب
عراق صدام في مطلع التسعينيات عندما احتلت القوات العراقية الكويت.
- أنه تعجل إبرام
اتفاق أوسلو مع "إسرائيل".. ومن وراء ظهر الأطراف العربية الأخرى ذات
الصلة المباشرة بالصراع العربي الإسرائيلي.
هي إخفاقات دون أدنى
شك.. وقد أضرت نتائجها وتداعياتها كثيراً بمسار قضية المصير الفلسطيني. ولكن هل من
الإنصاف والدقة أن يلقى باللوم على ياسر عرفات وحده شخصياً أو حتى على القيادة
الجماعية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية وحدها؟
إن من الخطأ الجسيم
فصل الزعيم - أي زعيم في أي زمان أو أي مكان - عن عصره وظروف العصر الزمانية
والمكانية. فالزعيم عرفات لم يهبط من الفضاء الخارجي ولم يكن بين قومه العرب نبياً
معصوماً.
لقد عاش عرفات في عصر
عربي يتميز بحالة مزرية. ولذا كان من المحتم عليه أن يجاري العصر ويخضع لتياره
العارم أو يزاوج بين مقاومة التيار أحياناً ومسايرته أحياناً أخرى لكي يضمن
استمرار التحرك.
إن ما يربط بين
الاخفاقات الكبرى الخمسة المنسوبة إلى شخص عرفات هو أن هذا الزعيم التحرري أدخل
نفسه وقضية شعبه في لعبة الأنظمة الحاكمة بكل أساليبها وكانت النتيجة أن هذه
الأنظمة كانت تعمد إلى استغلال منظمة التحرير الفلسطينية في مكايداتها المتبادلة. وما
يمكن أن يؤخذ على عرفات أنه انغمس بالكامل في هذه اللعبة بينما كان متاحاً له أن
يبدي قدراً من الحزم والمقاومة.
لقد تحالف عرفات
تكتيكياً مع النظام في سوريا ضد الأردن والعراق. وتحالف لاحقاً مع النظام العراقي
ضد النظام السوري، وكان من سوء حظه أن الاعتداء العراقي على الكويت في صيف عام 1990
وقع حين بدأت منظمة التحرير تنقل مقرها إلى بغداد اضطراراً فلم يكن أمام عرفات
حينئذ من خيار سوى التضامن مع النظام العراقي.
وكانت النتيجة أن
عرفات وجد نفسه وحيداً بعد الحرب الأميركية على العراق في عام 1991. ومواجهاً
بعداء أغلبية الأنظمة العربية.
وإذا كان إبرام اتفاق
أوسلو يعتبر الإخفاق الأعظم لعرفات فإن العزلة العدوانية العربية التي فرضت عليه
وعلى شعبه في ذلك الحين هي التي اضطرته إلى السير على طريق أوسلو.
وبعد فإن ياسر عرفات
ابن عصره.. والأرض الفلسطينية الواقعة تحت احتلال استيطاني أجنبي ليست خارج الرقعة
الأرضية العربية.
وقبل أن نحاسب عرفات
نحن معشر الشعوب العربية علينا أولاً أن نحاسب أنفسنا.
صحيفة البيان الإماراتية