الديمقراطية الأميركية تحرق الفلوجة
المقاومة العراقية تقاتل الإحتلال شبراً شبراً.. وصمت عالمي على حرب
الإبادة
بقلم : ناصر
الأيوبي
إنها حرب إبادة تشنها
القوات الأميركية والمتحالفة معها ضد الفلوجة كلها، مدنيين ومقاومين، وإلاّ فلماذا
تمنع هذه القوات وسائل الإعلام العربية والعالمية من تغطية هذه الحرب الإجرامية؟
ولماذا تعاقب "الجزيرة"، وتوجه الإملاءات لمحطات أخرى لتتبنى وجهة النظر
الأميركية فقط عن سير المعارك؟
إنها حرب إبادة
انتقاماً من ثلاثين مدينة عراقية، خاصة في الوسط العربي، تحررت من الإحتلال بفعل
المقاومة.
إنها انتقام لهزيمة
أكبر جيش في العالم على أيدي مقاتلين مؤمنين بربهم وبوطنهم وبهويتهم العربية.
إدخال المواد
الغذائية والادوية وسيارات الاسعاف ممنوع.. خروج المصابين للمعالجة ممنوع.
تُحرق الجثث ولا يسمح
لها بالدفن، ومن يتبقى من الجرحى يتم الإجهاز عليهم بدون رحمة كما شاهد الملايين
صور الـ "سي. إن. إن".
مئة وخمسون ألف من
الباقين في الفلّوجة يُستباحون بالقتل والنهب والتخريب وتدمير البيوت فوق رؤوسهم..
المساجد تقصف في مدينة المآذن التي توحّد الله، وتُدمّر المستشفيات ويقتل ويعتقل
الأطباء والممرضات. وكل ذلك يجري تحت إسم مكافحة الإرهابيين والزرقاوي، تماماً كما
تم احتلال العراق تحت ستار مكافحة أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها أكذوبة،
فعلى الأغلب لا وجود للزرقاوي الذي لا يمثل أكثر من 10 بالمئة من فصائل المقاومة
العراقية، ولكنها آلة الإعلام الأميركية التي ضخمت صورته لربط المقاومة بالإرهاب
لتطبيق نظرية الحرب العالمية على الإرهاب، ويتم إلغاء إسم المقاومة من كل وسائل
الإعلام الأميركية وعملائها. والأميركيون من خلال مراكز أبحاثهم وبعض صحفهم يعلمون
أن المقاومة عراقية، فحتى القوات الأميركية حينما تعلن عن اعتقال مئة مقاوم فإنها
تذكر خمسة منهم عرباً غير عراقيين وكأنه اعتراف غير مباشر بالحجم المسدود للنهج
المتشدد في المقاومة.
تعرف الدوائر
الأميركية المختصة أن مئات بل آلاف الجنود والفدائيين العراقيين من الجيش العراقي
تقاتل، فالذين يسقطون الطائرات عناصر عسكرية عراقية، والذين فجّروا مبنى قائمقامية
الفلوجة فقتل 60 جندياً أميركياً هم ضباط عراقيون، وكل أهل العراق يعرفون أن من
يقاتل ويقاوم في الفلوجة وغيرها وطنيون عراقيون يدافعون عن حرية بلدهم وإسلاميون
لا يعرفون التطرف، وهناك متشددون أيضاً، وعروبيون مستقلون، وبعثيون وناصريون. فإذا
كانت التعددية السياسية في العراق هي كذلك، إذا أضفنا طائفيين ومذهبيين، فيعني ذلك
أن معظم أطراف الشعب العراقي تقاتل وتواجه، وليست المعركة إسلامية سنية فقط فالنجف
تحركت ضد الأميركيين مع مدينة الثورة وغيرها من مدن الأغلبية الإسلامية الشيعية ضد
الإحتلال، والسيد مقتدى الصدر يرفض الإنتخابات الأميركية ويعلن تضامنه مع
الفلّوجة، وبعض الأكراد يتركون صفوف البشمركة والحرس الوطني العميل ويرفضون قتال
إخوانهم العراقيين.
هذا يعني أنها
انتفاضة شعب.. يريدون تحجيمها إلى حالة مناطقية فقط، وحينما نشاهد الأمين العام
للمؤتمر التأسيسي العراقي الشيخ جواد الخالصي وهو ينادي بالتضامن مع الفلوجة
والمقاومة ضد الإحتلال، ويرفض الإنتخابات الأميركية فإننا لا نستطيع التوقف عند
بعض المراجع الدينية الشيعية الرافضة للمقاومة المسلّحة والراغبة في الانتخابات،
فالحزب الإسلامي انقسم بين مؤيد لحكومة العملاء وبين رافض لها وللاحتلال، وهو حزب
سنيّ المظهر.
كل المعارضة للاحتلال
في العراق يجري التعتيم الإعلامي على مواقفها، وحينما يعلن الياور "رئيس
العراق" المعيّن من الحاكم العسكري بريمر أنه ضد اقتحام الفلّوجة فكيف يتم
هذا الاقتحام ورئيس الدولة يرفضه ويعارضه؟ فأي معنى لكلام الأميركيين أنهم ينفذون
تعليمات الحكم العراقي؟ بل أين المعارضون الدوليون ليواجهوا الأميركيين بأن ما
يفعلونه لا يعبر عن كل الحكم العراقي؟ وبأن ما ترتكبه القوات الأميركية هو حرب
إبادة يرفضها القانون الدولي ومعاهدة جنيف والتعهدات الأميركية الاخيرة أمام مجلس
الأمن؟
لقد سحب الأمين العام
للأمم المتحدة كوفي عنان أي غطاء للشرعية الدولية عن الهجوم الأميركي على الفلوجة
والمدن المقاومة الأخرى، فعلى أية شرعية يستند الأميركيون لشن هذه الهجمات
التدميرية على البشر والحجر والشجر في هذه المدينة العراقية الذبيحة؟
إنها شرعية "الكاوبوي"
الذي ذهب لأميركا وأباد ثلاثين مليون هندي فسلبهم الحياة والأرض.. إنها شرعية
الذين قتلوا ثلاثماية ألف في كوبا.. إنها شرعية الأميركيين الذي قتلوا نصف مليون
فيلبيني خلال استعمارهم للفليبين أواخر القرن التاسع عشر.. إنها شرعية قتل وحرق
مئات الآلاف من شعب اميركا اللاتينية.. وكل هذه المذابح كانت تستند للتبشير الديني
والحضارة والحرية.
إن ما يجري في
الفلوجة على أيدي الوحوش الأميركيين هو نموذج لما يريدون تطبيقه في سبع دول عربية
على الأقل، ان هم نجحوا في السيطرة العسكرية السياسية المباشرة على كل العراق.
لكنهم لن يستطيعوا،
فمجلة النيوزويك في افتتاحيتها الأخيرة تقول "سنسمع خطباً نارية من بوش لكنه
لا يستطيع تطبيقها لا في العراق ولا في كوريا ولا أفغانستان". فالرجل لم
يتغير، إنما العقبات أمامه واسعة تمنعه من مواصلة الإندفاع وفق مشروعه الإمبراطوري.
إن المقاومة العراقية
حطّمت نظرية "الرعب والهلع" الأميركية ونقلتها إلى الجيش الأميركي،
حرمته من استثمار خيرات العراق ونفطه وفق ما تشتهي شركاته الاحتكارية التي انسحب 90
بالمئة منها من أرض العراق. المقاومة العراقية أفشلت كل التركيبات السياسية صنيعة
الإحتلال وحاصرتها في البقعة الخضراء، القصر الرئاسي، حتى صارت الحكومة والقيادة
الأميركية تنام في الكويت ليلاً وتعود في المدرعات والطائرات صباحاً إلى القصر
الذي يتعرض يومياً للصواريخ والمتفجرات.
وحينما يطالب
الفرنسيون في مؤتمر شرم الشيخ بتمثيل المقاومة في المؤتمر ويرفض الأميركيون، نعرف
أن المقاومة فرضت وجودها، فلا حل لأزمة العراق عن طريق تنصيب العملاء. الحل هو
بممارسة حق تقرير المصير للشعب العراقي، الحل برحيل الأميركيين وحلفائهم عن كل
العراق بما فيها منطقة الشمال، الحل بإشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية على
انتخابات حرّة في العراق ينتج عنها تشكيل جمعية تأسيسية تضع دستوراً ديمقراطياً
دائماً للعراق.
إن مؤتمر شرم الشيخ
القادم حتى الآن، ينعقد تحت مظلّة أميركية تريد مصادقة دولية وإقليمية على الانتخابات
النيابية في العراق، لشرعنة الإحتلال والإبقاء على قواعده العسكرية ونهجه السياسي
والاقتصادي القاضي بتحويل وحدة العراق إلى كونفدرالية تقسيمية في إطار وحدة مظهرية
تنسف عروبته وتحوّل شعبه إلى اثنيات وأعراق وطوائف ومذاهب منفصلة عن بعضها البعض،
وتريد لهذه الكونفدرالية أن تتواصل مع سلطة عميلة في فلسطين بديلة منظمة التحرير،
لتترابط في اتحاد هاشمي مع العراق المقسم مروراً بالأردن (لم يتم رسمياً في الاردن
حتى الآن رفض هذا المشروع) ليجسد هذا الكيان المصطنع مظهراً عربياً بمضمون صهيوني –
استعماري، يشق الأمة من الوسط ويشكل مصدراً تخريبياً تقسيمياً لسوريا والسعودية
ومصر، ويجعل إسرائيل تصل إلى الفرات. هذا هو جوهر مشروع الشرق الأوسط الكبير
بديلاً من الكيان العربي، هذا المشروع الذي يجري تطبيقه وفقاً لخطاب كولن باول:
"علينا بإعادة تشكيل العالم الإسلامي وفق المصالح الأميركية"، ووفقاً
لخطاب كوندوليزا رايس عن "تحرير العالم الإسلامي".
إن الأمل العربي كبير
بالمقاومة العراقية لأنها لا تدافع فقط عن حرية ووحدة وعروبة العراق، ولكنها تدافع
عن كل الأمة العربية ضد هذه المشاريع الجهنمية المعادية للدين والعروبة ووحدة
الكيانات الوطنية العربية.
إن تسويق المنطق
الأميركي لدى الحكام العرب مغالطة كبرى، إنهم يقولون للحكام العرب أن المقاومة
العراقية مجموعة إرهابيين ومتطرفين، لو نجحوا في العراق فإنهم سيدمّرون أوطانكم!..
وكل العارفين بتكوينات الشعب العراقي يعلمون بأن التطرف في العراق حالة نادرة،
يتواجد إسلاميون محافظون وبكثرة نعم، لأن الأغلبية الساحقة مؤمنة بدون تشدد وتفاخر
بانتمائها العربي، والتيار العروبي المؤمن في العراق هو حالة الأغلبية الساحقة
لعرب العراق سنّة وشيعة، وحينما نستعرض مساهمات العراق في حرب فلسطين وحماس الشعب
للقضية الفلسطينية ومشاعر الناس وأفعالهم في أيام النكسة وحرب السادس من تشرين،
وفي ثورة 14 تموز ضد البريطانيين وعملائهم التي حرّرت العراق من الاستعمار، نعرف
بأن الحقيقة تصرخ بانتماء العراقيين للخط الوطني العروبي المؤمن.
لذلك، ليس صحيحاً أن
المتطرفين سيحكمون العراق بعد جلاء الأميركيين، إنها فزاعة تشهرها الإدارة
الأميركية بوجه الأنظمة العربية لتبتزهم، لتهددهم، لتستدرج اعترافهم بعملاء
الإحتلال، لكن القوى الحيّة في الأمة العربية تعرف الحقائق وتعرف أن الصمت العربي
إزاء شلال الدم المسفوك في العراق هو عدوان على الأمة، على الدين، على كل عربي.
إنّنا نجدّد خطابنا
للحكام العرب: تضامنوا ضد العدوان الأميركي، لأن اضعاف المقاومة في العراق سيؤدي
إلى اندفاع الأميركيين نحو بلادكم حسب الأولوية الأميركية.. راجعوا تصريحات رئيس
المخابرات الأميركية مؤخراً، إنه يقول علناً: يجب تغيير الأنظمة العربية بدءاً من
السعودية ومصر وغيرهما.
فمهما تساهلتم مع
الأميركيين واتخذتم خط المرونة لدرء الأخطار عن بلادكم فإنهم لن يغيّروا
استراتيجيتهم وإن بدلوا التكتيكات.. حوّلوا مؤتمر شرم الشيخ إلى المصلحة العربية
ومصلحة العراق.. إنزعوا الشرعية عن الانتخابات التي تجري تحت سلطة الاحتلال.. طالبوهم
بتحديد جدول زمني للإنسحاب.. اسعوا لعقد مؤتمر للقوى العراقية على غرار مؤتمر
الطائف الذي قدّم الحل العملي لمشكلة لبنان عام 1989.
شكلّوا مجلساً للأمن
القومي العربي لوضع خطط الدفاع عن كيان الأمة، فالأميركيون يتراجعون في كوريا، في
البرازيل وفي فنزويلا ويغيّرون أساليبهم مع الفرنسيين والألمان والروس والصينيين. إن
عشر دول أطلسية ترفض إرسال قواتها إلى العراق حسب تصريح قائد حلف الأطلسي.. فكروا
كيف توقفون التمدد الإسرائيلي في العراق، فالحاخام ألسون صرح لصحيفة هاآرتس يوم 14/11/2004
قائلاً: هناك جنود أميركيون يهود قتلوا في الفلوجة ومنهم المقدم "اندي شيتمرن"
وان عدد الجنود الأميركيين اليهود يفوق الألف جندي مع وجود 37 حاخاماً، وبأن هناك 100
شركة إسرائيلية.
إن كل أحرار الأمة
وكل القوى الرسمية والشعبية والنقابية، مدعوة إلى التضامن مع الشعب العراقي،
فالمعركة معركة مصير ومستقبل وجود، فإن تم إجهاض المخطط الأميركي في العراق، فإن
المخطط الشامل سوف يتصدع وينهار.
أنقذوا العراق يا
أحرار الأمة واحتضنوا المقاومة، فالمقاومة حق مشروع لكل الأمم المحتلة.. حصنوا
وحداتكم الوطنية من الاختراقات التقسيمية، بالمشاركة الاهلية في القرارات.. تضامنوا
في ما بينكم.
إن تاريخنا في مقاومة
الاستعمار تراث عريق يجعلنا نقول أن الأمة لن تخضع للاستعمار وسيخرج منها دائماً
أحرار مؤمنون بربهم فخورون بانتمائهم العربي الأصيل.