هل تستأنف "فتح" سياسة الاستفراد بالقرار الفلسطيني

 

 

 

بقلم :د. أسامة المحمود

 

عقود طويلة مضت والفلسطينيون يتحدثون عن سيطرة فتح على كافة المؤسسات الفلسطينية لأنها كانت الفصيل الأكبر في تلك العقود ، وقد قادت الوضع الفلسطيني عبر اتفاق أوسلو إلى سلطة فلسطينية على مناطق داخل الضفة الغربية وقطاع غزة ثم حصل الانهيار الشامل الذي حدث نتيجة بلوغ موعد تسديد الاستحقاقات الحقيقية من التنازل عن القدس للصهاينة وتوطين اللاجئين حيثما كانوا وإلغاء حق العودة .

 

كان الختيار الراحل طوال سنوات السلطة قد شكّل رمزيته التاريخية والوطنية وكان بإمكانه أن يعاند الناس جميعاً من أجل إمضاء قراره ، وكان عنيداً جداً في ذلك إذ كان يعتبر نفسه فلسطين وفلسطين نفسه فكأنه صار يمتلكها بكل تفاصيلها .

 

في هذه السنوات العجاف من الانهيار السياسي تعاظمت قوة برنامج المقاومة الفلسطينية الرافضة للتفريط السياسي، - البرنامج الذي تقوده حماس -  وتعززت مكانتها في الشارع الفلسطيني نتيجة فعلها الجهادي المؤثر إضافة إلى ثبوت مصداقيتها بفقدانها عددا كبيرا من قيادتها نتيجة سياسة التصفيات الصهيونية الدموية ، وغدت حماس بمثابة المُعادِل الموضوعي لحركة فتح والمنافس الرئيس لها ، بل إن برنامجها انحاز له الكثيرون من أبناء فتح فأخرجت فتح حركتها المسلحة (كتائب شهداء الأقصى) رغم عدم رضا المتنفّذين في السلطة .

 

رحل الختيار الآن وكنا نتمنى أن تسود لغة الحوار الإيجابي بدل المجاملات الإعلامية ، وكنا ننتظر من حركة فتح أن تتجه صوب القوى الفلسطينية وتفتح حوارا مفتوحا معها في شأن مراجعة أخطائها في السلطة وانتقال السلطات وكيفية بناء السلطة ومعالم مسيرتها القادمة لكن ذلك لم يحدث بالمرة فاستأثرت قيادة فتح المتنفّذة والمتحكمة في القرار السياسي الفتحاوي بغنيمة السلطة – لا لذاتها بل لمسؤوليتها الوطنية -  كأنه حكر خالص لها دون اكتراث بالآخرين ، ثم قامت قيادات في السلطة بتوزيع الشكر والثناء على الفلسطينيين الذين أبدوا تلاحماً  وطنياً كبيراً وتعاطفاً هائلاً مع القائد الرمز فاستغلوا أجواء الحداد والحزن ورسموا السلطة لأنفسهم من جديد دون أن يشاوروا أحدا ، ثم قرروا تصعيد خطواتهم نحو تنفيذ خريطة الطريق الكارثية التي ستؤدي حتماً إلى اختصام فلسطيني مرير وبدؤوا اتصالاتهم لوقف إطلاق النار والبدء بمؤتمر دولي لضمان تنفيذ خريطة الطريق ثم أعلنوا عن انتخابات قريبة لتسريع سلوك هذه الطريق قبل أن تتعقد الأمور .

 

وأكاد أجزم أن سياسة كيل المديح لحماس على وطنيتها وهدوئها والتزامها الوطني كان محسوبا بدقة لضمان تهدئة خواطر حماس وغضبها من هذا الاستئثار بعدما تأكد للقاصي والداني أن حماس لم تعد مجرد رقم في الحسابات الفلسطينية بل أصبحت طرفاً في المعادلة الفلسطينية وعنصرا فاعلا جدا في أي تموضُعٍ لها .

 

ولكن هؤلاء الذين يكيلون المديح – ولاسيما بعض المقربين جداً من السلطة -  لم يخفوا نواياهم عندما أعلنوا للصحافة العبرية والأجنبية وفي اتصالاتهم مع المسؤولين الأمريكيين والصهاينة أنهم سينفذون التزامات خريطة الطريق لاسيما القضاء على ما يسمونه الإرهاب أي المقاومة الفلسطينية ، ولم يكتفوا بذلك بل صرّحوا علناً أنهم في الوقت الذي سيدعون الجميع للمشاركة في الانتخابات فإنهم لن يقبلوا بوصول (المتطرفين) للسلطة يعنون بذلك حماس وأنهم سيحذّرون الشعب الفلسطيني من أنه سيتعرض للعزلة الدولية والتهميش والكارثة متناسين أن الختيار نفسه عُزل في مقاطعته لأنه رفض التنازل في مسائل لا يملك البتّ بها، فلماذا يُعزل الختيار زعيم فتح  بينما يتحرك رفاقه بحرية ودعم أمريكي إذا كانوا حقاً يستضيئون بنور الختيار !!؟

 

ينبغي على حركة فتح بقيادة فاروق القدومي الآن أن تتجه صوب بناء حوار وطني سليم وأن تعيد الاعتبار للقوة الفلسطينية من خلال الوصول إلى ثوابت وطنية يشترك فيها الجميع وتعطي الضمانات الكاملة بعدم استفراد أي جهة باتخاذ قرار خطير دون الرجوع إلى الشعب الفلسطيني .

 

إن من حق الشعب الفلسطيني الآن أن يستشار في قضيته لاسيما أنه يدفع يوميا من دمه وحياته ثمناً لهذه القضية ، وسيكون من الظلم البشع جداً لهذا الشعب وقواه  الفاعلة القوية أن يتم تجاهلهم في مسيرتهم الوطنية كما كان يحصل سابقاً .