صفقة أكبر من مبادلة .. جاسوس بستة طلاب

 

 

 

بقلم :منير شفيق

 

لعل السؤال الأبرز الذي طرح نفسه في سياق صفقة القاهرة-تل أبيب هو ذاته السؤال التقليدي الذي يطرح عادة في مثل هذه المناسبات، أي: من هو الرابح ومن الخاسر، وإذا شئنا المزيد من الدقة فمن هو الأكثر ربحاً منها؟

 

والحال أننا إزاء صفقة لا يبدو من العسير الحسم في إجابة السؤال المتعلق بها، حتى لو لم تتجاوز حدود تبادل جاسوس من العيار الثقيل مثل عزام عزام بستة طلاب مصريين لم يفعلوا شيئاً في واقع الحال سوى محاولة التسلل إلى الأراضي المحتلة كي يشاركوا إخوانهم الفلسطينيين انتفاضتهم، فكيف وقد تجاوزت ذلك إلى قضايا أخرى أكثر أهمية من حيث دلالاتها السياسية؟

 

في السياق الأول يمكن القول إنه كان بوسع القاهرة أن تحقق من خلال الإفراج عن الجاسوس عزام أكثر بكثير من مجرد الإفراج عن ستة طلاب كانوا سيخرجون من السجن قريباً، بل إن خروجهم كان ينبغي أن يتم قبل أسابيع إثر مقتل الجنود المصريين الثلاثة برصاص الجيش الإسرائيلي، أي في سياق تطييب خواطر المصريين، الأمر الذي لم يحدث.

 

لم نكن نتوقع الإفراج عن مروان البرغوثي كما ورد في بعض الشائعات، لكن ثمانية آلاف سجين فلسطيني ومعهم خمسة عشر مصرياً ، فضلاً عن آخرين من العرب، كانوا يستحقون لفتة من الدبلوماسية المصرية تحفظ ماء الوجه في صفقة من هذا النوع، ولا حاجة هنا للتذكير بما فعله حزب الله في صفقته الشهيرة التي لم يكن ثمنها غير جاسوس «تاجر» تحرك من تلقاء نفسه ولأهداف شخصية، ومعه ثلاث جثث كان معلوماً أنها كذلك على رغم رفض حزب الله تأكيد الأمر أو نفيه!!

 

سيشير البعض إلى مسألة الإفراج عن عدد من السجناء الفلسطينيين الآخرين، وهو ما لا يمكن وضعه ضمن سياق الصفقة، إذ إنه نوع من الدعم لمحمود عباس على مشارف الانتخابات، وفي سياق دفع مساره بوقف المقاومة واستئناف المفاوضات قدماً إلى الأمام.

 

والحال أنه لو توقف الأمر عند حدود هزال الصفقة في شقها الظاهر لكان هيناً، لكن مساوئها قد تجاوزت في إطارها الأوسع كل ما أشرنا إليه، إذ سبقتها تصريحات غزل مصرية في السيد شارون «القوي»، والوحيد القادر على صنع السلام مع الفلسطينيين، وهو للتذكير ذات الرجل الذي كانت الدبلوماسية المصرية تنعته بعكس ذلك تماماً طيلة أربع سنوات. وهو ذاته الذي لم تتوقف قواته عن قتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم لحظة واحدة، حتى أثناء لقائه وفد القيادة المصرية.

 

لا ندري كيف سيصنع شارون السلام مع الفلسطينيين، وهل ثمة أسرار لدى الرجل لم يطلع أحداً عليها سوى القيادة المصرية، أم أن برنامجه السياسي هو ذاته لم يتغير، حتى بعد تبنيه لخطة فك الارتباط عن قطاع غزة وبعض مستوطنات الضفة الغربية المعزولة، وفق ما أكد مدير ديوانه وأقرب المقربين منه (دوف فايسغلاس)؟

 

لا ندري أيضاً كيف ستكون مسيرة السلام الجديدة في ظل اليمين الأمريكي المنحاز لشارون، وفي ظل وعد بوش لشارون الذي قدمه له في نيسان الماضي، والذي صادق عليه الكونغرس بغالبية كبيرة، الأمر الذي سيعني أنه بات أقرب إلى القانون منه إلى التوجه السياسي.

 

ولا ندري كيف سيكون شكل السلام الذي يأتي في ظل أسوأ موجة تراجع للوضع العربي أمام الضغوط الأمريكية، سيما في ظل حكاية الإصلاح التي تتم مقايضتها بالدفع من جيب القضية الفلسطينية والعراقية، ومعها موجة التراجع الدولي أمام سطوة المحافظين الجدد ونواياهم لعسكرة الوضع الدولي برمته، سيما بعد فوزهم الكبير في الانتخابات.

 

ثمة أسئلة أخرى تطرح نفسها في سياق ما جرى، ومنها ما يتعلق بتنفيذ خطة فك الارتباط عن قطاع غزة التي يبدو أن القاهرة قد قررت التعامل معها خلافاً لموقفها السابق الذي كان يشترط انسحاباً إسرائيلياً من محور فيلادلفيا الحدودي ومنح السيادة لقطاع غزة بعد الانسحاب منه، الأمر الذي لم يحدث، حيث ستواصل القوات الإسرائيلية سيطرتها عليه من البر والبحر والجو! ثم هل أخذت القاهرة تعهداً بالانسحاب من الضفة الغربية بعد تنفيذ حكومة عباس لما يسمى مكافحة الإرهاب الفلسطيني، أم أنها تعرف برنامج شارون على هذا الصعيد؟

 

هي إذن صفقة أكبر من عزام عزام، وأكبر من إطلاق سراح ستة طلاب كانوا من تراث الحماسة العربية لانتفاضة الأقصى، فقد كانت صفقة شاملة تهيل التراب على زمن مضى كانت المقاومة هي عنوانه الأبرز، فيما تبشر بزمن آخر، هو زمن التراجع أمام سطوة المحافظين الجدد، وزمن تجريم المقاومة أو «العسكرة»!! وإطلاق موجة تفاوض جديدة لا تملك أي أفق مقنع على الإطلاق، كما تؤكد ذلك مختلف الوقائع على الأرض.