المزيد في فهم السياسة الامريكية
بقلم :منير
شفيق
ثمة دليل بسيط على ان
امريكا لا تحمل في اجندتها للمنطقة مشروع اصلاح او ديمقراطية، يتمثل في تعاملها مع
الدول العربية. وذلك عندما تفتح ملف الاصلاح والديمقراطية ضد هذا البلد او ذاك، في
حين تطويه ولا تذكره بالنسبة الى دول اخرى. وبعض هذه الدول يُغدق عليها المديح
وتُعتبر قدوة يجب التمثّل بها بعد تراجعها وتسليم سياستها واسلحتها وثرواتها.
ولكي يتأكد المرء من
هذا الاستخدام المزدوج لملف الاصلاح والديمقراطية ازاء الدول العربية، علماً انها
جميعاً ومن خلال قرار مؤتمر القمة العربية الأخير اعترفت بحاجتها الى الاصلاح
والديمقراطية، فليتابع العلاقات الامريكية بمختلف الدول العربية من ناحية فتح ملف
الاصلاح والديمقراطية او اغلاقه، واذا ما فعل ذلك فسيجد ان هنالك «بياضاً وسماراً»
لا علاقة له بالموضوع البتة، وانما بالسياسة من جهة، وبأولويات تمهيد الارض
العربية لتحقيق هدف الهيمنة الاسرائيلية عليها من جهة اخرى.
ويجيء موضوع فتح
الملف اللبناني وارساله الى مجلس الأمن صارخاً في هذا المجال. فقد احتُج لتحريك
الملف بخطوة تعديل الدستور والتمديد للرئيس اللبناني اميل لحود لثلاث سنوات حتى لو
من خلال البرلمان. اي المؤسسة الدستورية الشرعية المخولة في اتخاذ هذه الخطوة. علماً
ان مثل هذا حدث في تونس حيث عدل الدستور ليُجدد لرئاسة دامت 16 عاماً. فلو كانت
امريكا تحمل مشروع الاصلاح والديمقراطية للمنطقة لما ازدوجت في موقفها في الحالتين
التونسية واللبنانية.
بيد ان ما يجب ان
يُحسم به حسماً قاطعاً وهو ان ليس من حق امريكا ان تتدخل باكثر من ابداء رأي مهذب،
في شأن دستوري داخلي يظل بداية ونهاية من حق الشعب اللبناني وحده. والاسوأ عندما
تشاركها فرنسا طرح مشروع القرار ويزج في مجلس الأمن ليتدخل بما لا يسمح له ميثاق
هيئة الأمم المتحدة بالتدخل فيه لأن الموضوع من شؤون السيادة اللبنانية والتدخل
فيه يعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية، لا سيما وهنالك اعتراض لبناني رسمي «دستوري
وشرعي» على طرح المشروع امام مجلس الأمن.
صحيح ان مشروع القرار
عدل من زوايا مهمة قبل ان يُصوت عليه ويصبح القرار رقم 1559. وصحيح ان فرنسا سهّلت
عملية اجراء التعديلات مما اكد ان مشاركة فرنسا لامريكا في القرار غير منسجمة مع
ما درجت عليه السياسات الفرنسية التي تمايزت عن السياسات الامريكية، الامر الذي أضعف
تلك المشاركة. ولكن لم تبرأ فرنسا منها ومن اضرارها. وصحيح ان القرار لم يعد واجب
التنفيذ او مقدمة لعقوبات ولم يذكر سورية بالاسم، الا ان مجرد صدوره يقرع جرس
الانذار لمزيد من الضغوط الامريكية على لبنان وسورية.
والهدف بالطبع ليس
مراعاة الدستور اللبناني او سحب القوات السورية من لبنان او وقف التدخل السوري،
وانما ابتزاز لبنان وسورية للموافقة على الحل الاسرائيلي للقضية الفلسطينية،
ابتداء من انهاء كل مقاومة ومروراً بالتوطين ووصولاً الى مزيد من تهجير
الفلسطينيين لاحقاً، ثم القبول بهيمنة المشروع الصهيوني على المنطقة بما في ذلك
تغيير خريطتها السياسية والجغرافية (بما يمس وجود دولها الراهنة وهوية شعوبها) واذا
حصل تكرس العلاقات السورية - اللبنانية الراهنة فيُغلق ملف الاصلاح والديمقراطية. وهذه
هي امريكا.