لم الصمت.. و«الفتاوى» الإسرائيلية تحث على قتل المدنيين..؟
بقلم : فهمي
هويدي
بينما كانت تتوالى في
الدوائر الاعلامية والسياسية اصداء الفتوى المكذوبة التي زعمت ان الدكتور يوسف
القرضاوي دعا الى قتل المدنيين الاميركيين في العراق، تداولت وسائل الاعلام الاسرائيلية
فتوى حقيقية لحاخامات اسرائيل دعت صراحة الى قتل المدنيين الفلسطينيين ، لكن ما هو
مكذوب أقام الدنيا ولم يقعدها ، أما ما هو أصيل وثابت مر في هدوء، ولم يكن له أثر
يذكر .
لست هنا في مقام
تفسير المفارقة ، وما اذا كان التهويل مما هو مكذوب تم بحسن نيه أو بسوئها ، وما
اذا كان تجاهل فتوى الحاخامات حدث نتيجة لعدم العلم بها ، أم لأنها صدرت عن
حاخامات اسرائيل الذين لا يستطيع أحد نقدهم خشية أن يتهم باللاسامية ، أم لأن
الضحايا المطلوب الخلاص منهم هم من العرب الفلسطينيين ذوي الدم الرخيص والمستباح
في نظر البعض، في حين ان الضحايا المفترضين للفتوى المكذوبة هم الاميركيون ، ذوو
المقام الرفيع والحصانة الابدية .
أيا كان الأمر، فثمة
تأصيل «شرعي» لإبادة العرب الفلسطينيين مستقر في الثقافة الاسرائيلية، يتعين
الانتباه اليه وصرف بعض الجهد لتسليط الضوء عليه، بدلا من التربص والتصيد لكل ما
يصدر عن الدائرة الاسلامية، بصرف النظر عما اذا كان حقيقيا أو مكذوبا ، صحيح ان
ثمة تعتيما على الفتاوى الاسرائيلية بشأن ابادة الآخر، الاغيار، في مصطلحهم، الا
انه بقليل من الجهد يمكن الحصول على نصوص تلك الفتاوى ، خصوصا ان أغلبها ينشر على
الملأ في الصحف العبرية . وهذا ما فعلته، حين اتصلت بزميلنا صالح النعامي، الصحفي
النابه في غزة ، وطلبت منه أن يوافيني بما صدر عن الحاخامات في هذا الصدد ،
فاستجاب بسرعة تستحق التقدير والشكر، وهو ما أسجله ليس فقط حتى ينسب الفضل الى
أهله ، ولكن ايضا للتدليل على أن متابعة تلك الفتاوى العدوانية والاستعلائية هي
بوسع كل أحد، اذا أراد بطبيعة الحال .
وسط الانشغال بأصداء
فتوى الشيخ القرضاوي المكذوبة في الأسبوع الأول من الشهر الحالي ، نشرت وسائل
الاعلام الاسرائيلية في 7 /9 نص رسالة وجهها كبار الحاخامات الى رئيس الحكومة
ارييل شارون ، حثوه فيها على عدم التردد في المس بالمدنيين الفلسطينيين خلال
المواجهات المندلعة في الأراضي المحتلة، وجاء في الفتوى التي وقعها الحاخامات
المسؤولون عن المدارس الدينية ، وفي المقدمة منهم الحاخام دوف لينور، رئيس حاخامات
المستوطنات، ما نصه : «نحن الموقعون ادناه، ندعو الحكومة الاسرائيلية والجيش
الاسرائيلي الى العمل حسب مبدأ، من يقم لقتلك ، سارع الى قتله» . وأضافت الرسالة: «لا
وجود في العالم لحرب يمكن فيها التمييز بشكل مطلق، بين المدنيين والجيش، لم يحدث
ذلك في الحربين العالميتين، ولا في حرب الولايات المتحدة في العراق، وحرب روسيا في
الشيشان، ولا في حروب اسرائيل ضد اعدائها ، قومية تحارب قومية ، قومية تنتصر على
قومية »، على حد تعبير الرسالة . وأردف الحاخامات : «والسؤال المطروح أمامنا هو هل
نحارب العدو من خلال هجوم يقتل خلاله مدنيون من صفوفه، أو نمتنع عن الحرب بسبب المدنيين
فنخاطر بذلك بالمدنيين لدينا؟ الجواب على السؤال نجده ببساطة لدى الحاخام عكيفا،
الذي قال : حياتنا أولى» .
واعتبر الحاخامات ان
هذا ما مرد عليه ملوك اسرائيل على مر التاريخ ، مضيفين هكذا تصرف شعب اسرائيل منذ
ايام النبي موسى ، الذي حارب أهل مدين ، وهكذا تصرف بفتاح الجلعادي ، شاؤول، داوود
، وكل قادة اسرائيل على مر العصور ، وهكذا تصرفت دولة اسرائيل في حرب الأيام
الستة، وهكذا هو المتعامل به في القانون الدولي، لا حاجة ولا فائدة من انتظار
المهاجم حتى يبدأ هجومه ، بل يجب استباقه ومنعه من تنفيذ مآربه . وحذر الحاخامات
مما سموه التقليد النصراني في التعامل في النزاعات القائل «ادر خدك الثانية »، وفي
اشارة الى نشطاء السلام الاسرائيليين قال البيان «لن نتأثر بمن بلغوا الدرك الأسفل
منطقيا واخلاقيا من خلال تفضيلهم لحياة الاعداء على حياتنا ».
هذا الكلام ليس
مفاجئا ، لأن له اصولا في الثقافة التوراتية ، وهذا ما أكده اسرائيل شاحاك، الناشط
الاسرائيلي المعروف في مجال حقوق الانسان، حين قال في دراسة له عن « الترانسفير
اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وطردهم في العقيدة الصهيونية». ان تدقيق النظر في
السلوك الموصوف في التوراة تجاه غير اليهود أو غير الاسرائيليين المقيمين على أرض
اسرائيل يكشف عن جانب مثير في الخطاب التوارتي، يتمثل في عدد المرات التي يذكر
فيها ان الله نفسه يأمر اطفال اسرائيل بعدم ترك ولو واحد غير يهودي حيا على أرض
اسرائيل، بل يأمر بإبادة غير اليهود ، وبالفعل ـ والكلام لا يزال له نصا ـ فإن
الفرض المقدس فوق كل الفروض، القاضي بإبادة أي شعب غير يهودي يعيش على الأرض
المقدسة، يسيطر بدرجة فائقة على التاريخ التوراتي .. حتى ان الترانسفير يعد عند
الشخص المشبع بالمفاهيم التوراتية كحل انساني الى حد كبير .
المثل الأكثر نموذجية
الذي دلل به شاحاك على رؤيته هو تلك الوصية الواردة في سفر التثنية ، وفيها ان
سيدنا موسى أصدر تعليمات قضت بأنه في حالة المدن البعيدة التي لا تقبل الخضوع
والتي انتصر عليها ابناء اسرائيل ، فانه فقط جميع ذكورها اي الراشدين، سيتم قتلهم
، وتستبعد النساء والأطفال (الآيات 10 ـ 15)، وباسم الخالد، نبه موسى بمهابة الى
أن هذا التسامح لن يسري علي أرض اسرائيل نفسها : وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك
الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما ( الآيات 16 ـ 17) وتتبعها
قائمة بالشعوب المطلوب ابادتها كليا كما أمرك الرب إلهك .
وكذلك يبدأ الاصحاح 7
من سفر التثنية بما يلي : متى أتى بك الرب إلهك الى الأرض التي أنت داخل اليها
لتمتلكها وطرد شعوبا كثيرة من أمامك، الشعوب التي كانت تقطن البلاد ، ودفعهم الرب
إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرمهم، لا تقطع لهم عهدا ولا تشفق عليهم ( الآيتان 1 و 2)
وهنا عدد لا يحصى من الفقرات المشابهة التي تختارها المدارس الاسرائيلية في كتبها
لأسباب تاريخية وأدبية معروفة .
هناك أيضا عدد كبير
من الآيات التي توصي بذبح الأطفال الصغار وإن كانوا من سجناء الحرب ، كما جاء في
القصة الشهيرة التي لام فيها موسى بمهابة جيش اسرائيل، لأنه ترك الأطفال الذكور
والنساء المتزوجات على قيد الحياة ، ثم ألقى بهذا الأمر : فالآن اقتلوا كل ذكر من
الأطفال .. ( سفر العدد الاصحاح 31، الآيات 13 ـ 18)، وفي الأسفار التالية : تتناول
متقطفات عديدة موضوع الإبادة الجماعية ، حيث تظهر كفعل ومرض تماما ، وتقوي
الانطباع بوجود أمر لإبادة الجنس .. بل ان بعض الأخصائيين الاسرائيليين من أكثر
المتبحرين في التوراة والأكثر نفوذا ـ مثل يحزقيل كوفمان ـ يعتقدون ان عمليات
الإبادة قد حدثت بالفعل ، ويبرهنون على وقوعها في عدة مؤلفات علمية.
أورد اسرائيل شاحاك
نصوصا وشواهد أخرى عديدة أبرزت الفكرة التي سلط الضوء عليها ، وكان من بين
الخلاصات التي انتهى اليها قوله انه بات من الصعب جدا أن نجد حاخاما اسرائيليا ذا
وزن القى في يوم من الأيام كلمة توحي بالعدالة أو الرأفة تجاه العرب ، وهو أمر لا
غرابة فيه، فإذا كانت الابادة هي الأصل ، فإن أي اشارة الى العدالة أو الرأفة تجاه
غير الاسرائيليين تعد لغوا لا محل له .
هذه الخلفية تفسر
العديد من فتاوى الحاخامات التي تستهين بحياة العرب وتتعامل معهم بازدراء شديد، في
ذلك مثلا ان صحيفة «معاريف» نشرت في 16/6/2003 فتوى للحاخام دوف لينور رئيس لجنة
حاخامي المستوطنين (يشع) ، قرر فيها حظر تبرع اليهود باعضائهم للاغيار ، لكنه اباح
لهم عند الضرورة تلقي تبرعات مماثلة من أولئك الاغيار.
وأمام احتجاج رابطة
تبرع الاعضاء في اسرائيل غير صاحبنا فتواه قليلا ، بحيث اباح لليهودي ان يتبرع
بعضو لشخص يحتاج في حالة الضرورة وقال ان اليهود اذا ما امتنعوا عن التبرع للاغيار
، فإن هؤلاء الأخيرين لن يعطوهم شيئا بالتالي، وهذا قد يسهم في الاضرار باليهودي
الذي قد يحتاج الي الحصول على عضو بديل ينقذ به حياته ، ومن ثم فإنه اعتبر ان
السماح بتبرع اليهودي لأي واحد من الاغيار، هو في حقيقة الأمر احتياط هدفه تحقيق
مصلحة اليهودي في أي فترة لاحقة، غدا أو بعد غد .
انطلاقا من الخلفية
ذاتها نقلت صحيفة «يديعوت احرونوت» في 5/7/2002 عن الزعيم الروحي لحزب «شاس» عودباديا
يوسف قوله انه حتى يأتي المسيح المنقذ ، فإنه سيرسل كل العرب الى جهنم. واضاف في
كلمة ألقاها : لماذا لا يفعل ارييل شارون ما يجب فعله؟ انه يخاف من شعوب العالم ،
لكن المسيح المنقذ حين يأتي فإنه لن يخشى احدا ، وسيرسل كل هؤلاء العرب الى جهنم .
والامر كذلك فليس مستغربا ان يصدر أحد الحاخامات ـ اسحاق غينزبرج ـ كتابا بعنوان «باروخ
البطل» جاء تخليدا لاسم الدكتور باروخ جولد شتاين، الذي قام بعمل جليل ومجيد تمثل
في قتل أكثر من عشرين عربيا أثناء ادائهم صلاة الفجر في الحرم الابراهيمي قبل
سنوات قليلة ، فرفعه الاسرائيليون الى مرتبة القديسين، وجعلوا من قبره مزارا
يتبركون به !
ثم يقال بعد ذلك كله ان
العرب والمسلمين ارهابيون ويعشقون القتل والموت، والادهى من ذلك ان البعض عندنا
يصدقون ذلك !