هل ما جرى في تلعفر تمرين لحرب كركوك؟

 

 

 

بقلم : وجدي أنور مردان

 

        لم تتوقف الاستفزازات الكردية للتركمان، منذ الاحتلال الغاشم وحتى اللحظة، بدأً من كركوك وطوز خورماتو والتون كوبري وغيرها من المدن ذات الاغلبية التركمانية، الى ان وصلت لتدق ابواب مدينة احفاد أبطال ثورة العشرين في قضاء تلعفر. انفجر الوضع المحتقن يوم الثلاثاء 7 أيلول ، سبتمبر الجاري. وأقترفت قوات الاحتلال مجزرة جديدة بحق الشعب العراقي ودمرت بيوت المدنيين الامنيين على رؤوس اصحابها ودكت طائرات العدو المحتل هذه المدينة الوادعة بأربعة حاويات من القنابل العنقودية المحرمة دوليا وحاصرتها بالاسلاك الشائكة، مستنسخة بذلك افعال اسيادهم المجرمين في الكيان الصهيوني ضد اشقائنا الفلسطينيين الابطال.

 

        قبل ان نشرح حقيقة ماحدث في مدينة تلعفر الباسلة الصامدة، نود أن نشير الى أن موقف تركمان العراق من الاحتلال الغاشم واضح وجلي، وهورفضه وأعتباره أهانة للشعب العراق وعدم التعاون معه، ونظرا للظروف القاهرة تعامل بعض القوى السياسية التركمانية مع مجلس الحكم المنحل والحكومة المؤقتة والمجلس الوطني المعين من قبل الاحتلال. لقد حاولت سلطات الاحتلال تلقين التركمان درسا من خلال سماحها للاخوة الاكراد بالنزوح الى كركوك وتعيين غالبية أعضاء المجالس المحلية في المحافظة من الاكراد، وارتكبت مجزرة في قضاء طوزخورماتو التركمانية في بداية العام الحالي راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى. ولم تتوقف الاستفزازات الكردية وقوات الاحتلال ضد التركمان ولن تتوقف بتقديرنا لأن الاحتلال لايقبل باي صوت وطني رافض لوجودها غير الشرعي في العراق.

 

 فما الذي حدث في تلعفر وكيف انفجر الاحتقان ولماذا؟ وهل له علاقة بتصريح السيد مسعود البارزاني الذي اعلن فيه استعداد الاكراد لخوض حرب من أجل هوية كركوك الذي اعتبرها قلب كردستان؟

 

 

 

باختصار شديد ، لقد تواصلت منذ أكثر من اسبوعين، استفزازات عناصر نقاط السيطرة والتفتيش، في مداخل المدينة ومخارجها، لأهالي المدينة والتعمد في ازعاجهم وأهانتهم عند تفتيشهم ولجوئهم في بعض الاحيان الى تحطيم زجاج السيارات العائدة لهم والعبث ما في داخلها بحجة التفتيش عن الاسلحة. وفي يوم الثلاثاء 7 ايلول الجاري، قام افراد من الحرس الوطني، أغلبهم من افراد الميليشيات الكردية العائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني،  بفتح النار على أهالي تلعفر من فوق قلعتها وقتلوا عددا من المواطنين المدنيين مما أثار غضب اهالي تلعفر ودفعهم الى القاء القبض عليهم وقتلهم.

 

ومن أجل الانتقام من اهالي تلعفر، قام عناصر من تلك الميلشيات المنخرطين في الحرس الوطني بفتح النار على رتل عسكري أمريكي الذي كان يمر من قرب المدينة. شنت على أثرها قوات الاحتلال هجوما على المدينة، شارك فيه الطائرات السمتية وقوات أمريكية قوامها فوجان (1600) جندي من المارينز، وأرتكبت مجزرة مروعة راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى ودمرت عشرات الابنية والدور السكنية. هب رجال المدينة الصناديد وقاتلت قتالا ضاريا وشرسا ،الحقت بالغزاة خسائر جسيمة في الارواح والمعدات وطردتها من المدينة شر طردة، تجر ورائها اذيال الخيبة والهوان. الامر الذي افقد صواب قوات الاحتلال، وقامت بقصفت المدينة بالطائرات والقنابل العنقودية وحاصرتها ومنعت دخول سيارات الاسعاف اليها لنقل الجرحى والمصابين وقطعت الماء والكهرباء عنها أمعانا بالحاق أكبر قدر ممكن من الاذى بالمدنيين.

 

اليس هذا العمل الجبان صورة طبق الاصل لما يقوم به الصهاينة في الجنين ورفح وغزة. !!

 

ومن أجل تبرير هذه المجزرة الشنيعة أصدرت قوات الاحتلال من جانبها بيانا مضلالا وكاذبا كعادتها، ذكرت فيه، ان القوات المتعددة الجنسيات والقوات النظامية العراقية تقوم بعملية من اجل اعادة السيطرة علي مدينة تلعفر، لأن القوات المتعددة الجنسيات والقوات النظامية العراقية سبق ان تعرضت خلال الاسابيع الماضية ولمرات متكررة لهجمات في هذه المدينة من قبل عناصر ارهابية وان الهجمات لم تشن ضد القوات المتعددة الجنسيات والقوات النظامية العراقية وحدها بل تعدى ذلك الى السكان المدنيين، واشار البيان الى ان محافظ نينوي دريد كشمولة عمل جاهدا مع شيوخ العشائر في المدينة من اجل الخروج بحل سلمي للازمة لكن جهوده باءت بالفشل مما ادى الى اتخاذ قرار بالقيام بعملية لتحرير مدينة تلعفر من هؤلاء الارهابيين.

 

هذه هي وقائع ما جرى، ولكن ماهي الاسباب الحقيقية التي أدت الى انفجار الوضع في تلعفر؟

 

تلعفر مدينة عراقية تركمانية خالصة، يقطن فيها عدد من اخوانهم العرب الذين يمثلون 5 بالمئة من سكان المدينة والاكراد الذين لايتجاوز عددهم فيها عن ثلاثين عائلة. رفضت هذه المدينة الصامدة، منذ غزو العراق  واحتلاله ، دخول قوات البيشمركة الكردية اليها و فتح مقرات للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني فيها، رغم الضغوطات والاستفزازات المتواصلة من قبل قيادات هذين الحزبين ، الامر الذي دفعهما للتخطيط من أجل الانتقام من أهالي تلعفر من خلال استفزاز قوات الاحتلال بفتح النار عليهم لتفجير الوضع في هذه المدينة الوادعة.

 

لقد انفجر الوضع بشكل متزامن مع التصريح غير المسؤول الذي ادلى به السيد مسعود البارزاني بشأن هوية مدينة كركوك العراقية ذات الاغلبية التركمانية منذ اقدم العصور بشهادة التاريخ والوثائق، وتهديده باللجوء الى الحرب من أجل اثبات الهوية الكردية لهذه المدينة باعتبارها قلب كردستان.

 

 اننا لانريد ان نناقش السيد مسعود البارزاني في هذه العجالة، مناقشة علمية تستند على الوثائق والتاريخ، سنترك ذلك الى مناسبة اخرى، ولكننا نود ان نذكر ببديهية بسيطة، وهي ان ذوي الحجج الضعيفة، هم الذين يلجئون دائما الى لغة التهديد والوعيد واستخدام القوة، عندما يعجزون عن اثبات ادعاءاتهم بقوة الاقناع أوبالوسائل القانونية والوثائق الثبوتية الدامغة.

 

 أن السيد مسعود البارزاني يعرف جيدا وقبله المرحوم والده وجميع المنصفين بأن كركوك كانت ولازالت وستبقى مدينة عراقية تسكنها الاغلبية التركمانية الى جانب اخوانهم العرب والاكراد والاشوريين والارمن، وأن كانت القيادات الكردية واثقة من أن هذه المدينة ذات الاغلبية الكردية فلماذا هذا الاندفاع لجلب أكراد سوريا وتركيا ومنحهم الاراضي العائدة للدولة مجانا بالاضافة الى مبالغ نقدية بالدولار الامريكي لأسكانهم في كركوك هل أن جميع حملات النزوح الكردي اليها قد فشلت من تغيير الحقائق على الارض؟.

 

أن الوثائق الرسمية تثبت، بوضوح لاشك فيه، انه والى العام 1958 كان نسبة الاكردا في كركوك لاتزيد عن 10 بالمئة من سكانها ، يسكنون في 3 حارات فقط هي (أخي حسين وأمام قاسم والشورجة والاخيرة لم يوجد فيها سوى 126 دارا سكنيا ) مقابل 38 حارة ومحلة تركمانية مع حارة واحدة عربية التي كانت تسمى بـ (عربلر محلاسي) أي حارة العرب، وحارة واحدة في (منطقة الماس) يسكنها المسيحيون من الاشوريين والارمن ومعهم العوائل التركمانية. أن عدد سكان قلعة كركوك فقط، الذي يسكنها التركمان حصرا، كان يعادل عدد سكان الحارات الكردية الثلاث، وأن سجلات احصائية التعداد السكاني لعام 1957 تثبت ذلك بشكل قاطع ونهائي ولهذا السبب لم يقبل المرحوم الملا مصطفى البارزاني اقتراح الحكومة العراقية خلال مفاوضات الحكم الذاتي عام 1970، أعتماد احصائية عام 1957 لتحديد هوية المدينة وجرى بعدها ماجرى من تمرد و ويلات وحروب وقتال ودمار.

 

سبق وان ذكرنا في عدد من المقالات في هذه الصحيفة، آخرها بعنوان زلزال العراق القادم، بأن كركوك قنبلة الحرب الاهلية الموقوتة في العراق، فقلنا حذاري حذاري من اللعب بالنار، وناشدنا السيد مسعود البارزاني، لمعرفتنا بحصافته ورؤيته السياسية وقدرته على نزع الفتيل من هذه المدينة التي كانت ويمكن ان تبقى رمزا لتأخي القوميات العراقية ونموذجا للعراق المصغر، ولكننا اصبنا في الصميم بعد قرائتنا للتصريح الذي صدر في الوقت الذي كان وفد مشترك من الحزبين الكرديين يجريان المباحثات في تركيا حول المشاكل المتفاقمة في العراق وفي محافظة كركوك وفتح نقطة حدودية ثانية بين العراق وتركيا المقترح ان تكون في تلعفر!!!.

 

نعتقد بأن هناك علاقة وترابط وثيق بين تصريح السيد مسعود البارزاني وبين أحداث تلعفر. فالذي جرى هناك يعتبر بمثابة تمرين سياسي بالذخيرة الحية لحرب كركوك القادمة لاسمح الله.

 

 لقد اراد السيد مسعود بتصريحه جس نبض أطراف عديدة  منها الحوزرة العلمية في النجف، ومعرفة ردود فعلها، لأن أهالى تلعفر من التركمان الشيعة وأن أكثر من 45 بالمئة من تركمان العراق شيعة. فجاء رد فعل الحوزة مخيبة للامال كما كان متوقعا، وربما كما توقعه السيد مسعود أيضا، صمت مطبق ولم تتحرك ساكنا ا!!

 

والاغرب من ذلك هو صمت الحكومة العراقية المؤقتة تجاه هذه المجزرة والخراب والدمار الذي لحق بهذه المدينة الصامدة ، و صمت المحسوبين على الشيعة في حكومة السيد اياد علاوي الذين التزموا بصمت رهيب مريب. ولم يصدر الاحزاب الشيعية الأخرى، أي بيان او تصريح يندد بهذه الجريمة هكذا أطمئن السيد مسعود من هذا الجانب.

 

 

 

أما رد فعل الطرف الاخر الذي يهم السيد مسعود رأيه فهو الحكومة التركية، بأعتبار أهالي تلعفر من التركمان فجاء رد فعلها خجولا ولم يتجاوز مناشدة القوات الامريكية بعدم استخدام القوة المفرطة، وأن المدنيين يتعرضون للقتل. وكأن استخدام القوة المعتدلة يكون أرحم في القتل.

 

        فتركيا عاجزة عن أي تدخل لحماية التركمان، في أي حرب قد تنشىء سواء بسبب كركوك أو بسبب تعرضهم الى ابادة جماعية لاسمح الله. فهل تركيا مستعدة ان تجازف باستراتيجيتها الاوروبية بسبب التركمان؟ ووهل تستطيع ان تدخل في صراع مع الولايات المتحدة لهذا السبب؟، خاصة وانها تعلم جيدا ان اقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق هو مطلب أمريكي واسرائيلي وأطراف عربية محددة. فاذا جازفت تركيا وتدخلت في كركوك، التي هي خط أحمر امركي حسب قول وولفوتز نائب وزير الدفاع الامريكي، فأن مخطط تقسيم تركيا جاهز هو الاخر، وما على أمريكا الا ان تشعل عود ثقاب واحد لتنفجر الثورة الكردية في تركيا من جديد. وعليه فأن رد الفعل التركي، بأعتقادنا، سوف لن يتجاوز في أحسن الاحوال التصريحات الاعلامية أو استنكار شديد اللهجة الذي لايغني ولايسمن، وحسب ما يقول المثل التركماني، ألف بيت شعر ما جلبت حبة شعير.

 

أذا أن تصريح السيد مسعود قد نجح في قياس ردود فعل الاطراف الاخرى التي قد تعنيهم الامر فيما اذا شن الاكراد فعلا حربا في كركوك لتشريد سكانها واحتلالها بالقوة، ألسنا نعيش في شريعة الغاب؟!! ويبقى التركمان وحدهم في الساحة يدافعون عن وجودهم وعن العراق العزيز بمساندة اشقائهم وأخوانهم الشرفاء والخييرين من العراقيين.

 

 

 

نناشد الاخوة الاكراد وعلى رأسهم السيد مسعود البارزاني، كفانا حروبا وتدميرا وقتلا، أن العراق احترق بما فيه الكفاية ،لاتجعلوه رمادا  تذروه الرياح، فالعراق ووحدة اراضيه وارواح ابنائه أمانة فصنوا هذه الامانة لأن الله والتاريخ والشعب العراقي سيحاسب جميع الذين كانوا وسيكونون سببا في أخراجه من التاريخ والجغرافية. أن الاحزاب الكردية والقوى السياسية العراقية الاخرى أدعت وتدعي بانها ناضلت من اجل القضاء على الشوفينية المقيتة وهم الان يمارسون أفظع الممارسات الشوفينية بحق تركمان العراق.

 

 سيبقى الشعب التركماني جزء لايتجزء من الشعب العراق العظيم ، ولن يفرط بوحدة التراب العراقي واستعادة سيادته واستقلاله مهما غلت التضحيات ولن يكون أداة لأستقدام الاجنبي مهما كان صفاته ومسمياته الى أرض العراق. ولكن هذا الشعب العريق، ذو التاريخ المجيد قادر على ان يدافع عن نفسه، بما هو معروف عنهم من شجاعة وأقدام وبسالة عبر التاريخ. أنهم ليسوا دعاة حرب وقتال أخوانهم الاكراد، وسفك مزيدا من الدماء ،، ولكنهم أذا حشروا في زاوية لاخيار لهم الا الدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وشرفهم وعراقهم الموحد الحر المستقل، فعند ذلك سيرى الذين ابخسوا حق التركمان أي نوع من الاسود الضواري هم وما صمود أبناء تلعفر الابطال الذين اذاقوا قوات الاحتلال الويل، الا مثال واضح وجلي.

 

اللهم أحفظ العراق وأهل العراق