ملاحظات وتصويبات أندلسية ضرورية

 

 

 

بقلم : نصر شمالي

 

إن لاستدعاء أخبار الماضي أسبابه المختلفة، فهناك من يستدعيها لاحتياجات وظيفية، تتعلق بالتعليم المتخصص، وهناك من يستدعيها بدافع الفضول المتعدد الأغراض ، ومن يستدعيها لمجرّد المتعة في مراجعتها ، كما لو كان يطالع رواية من الروايات، غير أن استحضار الماضي بأخباره وأشخاصه تفرضه، من جهة أخرى مختلفة تماماً، ضرورات ملحة اجتماعية ووطنية و قومية وأممية. إنها ضرورات واقعية يتطلبها الحاضر المعاش من أجل التقدم بنجاح على طريق المستقبل المنشود .

 

وهكذا فان سبب استدعائها هنا هو تمادي طغاة هذا العصر الأوروبي الأميركي الى أبعد الحدود في تزوير وتشويه الثقافة البشرية والتاريخ البشري . إن استدعاءها ضروري كي نتمكن من مواجهتهم بنجاح في حربهم المفتوحة ضدنا . إن حربهم الضارية ضدّ الأمة العربية والإسلامية تستند بالدرجة الأولى الى تلفيقاتهم الثقافية والتاريخية، وهي التلفيقات التي يعطون أنفسهم بموجبها الحق في تدميرنا ، بل إفنائنا إذا اقتضت مصلحتهم ذلك .

 

انهم يحاولون طوال الوقت ، وبمختلف الوسائل ، إلصاق كل نقيصة بالعرب والمسلمين، بعد طمس كل فضيلة قديمة أو حديثة . انهم يريدون أن نقرّ ونسلّم بدونيتنا ووضاعتنا ، وبعجزنا عن مجرّد الإسهام في صنع الحضارة الإنسانية، وانه ليحزّ في نفوسنا نجاحهم في جعل بعض أبناء أمتنا يقرّون ويسلّمون بذلك، فيردّدون تزويراتهم وتشويهاتهم وتلفيقاتهم ، فمثل هذا الاختراق أشدّ خطراً وأثراً من حروبهم العسكرية ضدّنا .

 

لقد ألحقوا أفدح الأضرار بالأدب العربي نثراً وشعراً ، باسم الحداثة وما بعد الحداثة ، والبنيوية وما بعد البنيوية ، وما الى ذلك من مصطلحات وطروحات وقضايا ، إن صحّت في بلدان منشئها فإنها لا تصح في بلادنا أبداً ، ولا ينجم عنها إلا الخراب، وبالفعل، صار كثير من إنتاجنا الأدبي مجرّد أصوات قبيحة غامضة تصدر عن مجرّد ببغاوات مصبوغة بألــوان مضحكة ! وهم زوّروا التاريخ ، ووجدوا بين نخبنا من يردّد مغالطاتهم حول الفتح العربي الإسلامي الذي صوّروه " استعماراً " وهو الإنجاز التقدمي الإنساني الأعظم في تاريخ البشرية . وبالطبع ، انعكست هذه المغالطات التاريخية وبالاً على سياساتنا في الحاضر المعاش عن طريق اختراقها نخبنا السياسة ، ولعل ما أصاب الدولة الأندلسية من مغالطات هو أقسى وأخطر ما تعرض له تاريخنا .

 

إسبانيا الفينيقية ، الرومانية ، العربية

 

في زمن أجدادنا الفينيقيين / الكنعانيين كانت الحياة المجتمعية في حوض المتوسط متمركزة ومتقدمة خصوصاً في مناطق العراق وسوريا ومصر ، وعموماً في منطقتي شرق أفريقيا وغرب آسيا المتواصلتين المتفاعلتين . وفي مرحلة من المراحل كان الفينيقيون / الكنعانيون سادة البحر المتوسط ، بل هم تجاوزوه عبر مضيق جبل طارق الى المحيط الأطلسي ليقيموا علاقات تجارية مع شعوب السواحل الأفريقية الغربية ، وبناء على ذلك وبفضله أسسوا مدناً ومجتمعات تجارية نشطة في شبه الجزيرة الإيبرية التي يشبه مناخها مناخ بلادهم في سوريا ولبنان وفلسطين ، وهكذا فانه لمن شبه المتفق عليه عند المؤرخين من مختلف الأجناس أن المجتمعات الأقدم في إسبانيا والبرتغال وشبه الجزيرة الإيبرية عموماً هي المجتمعات الفينيقية ، ذات الأصول المشرقية السورية  ، أي أجدادنا نحن العرب .

 

لقد خضعت شبه الجزيرة الإيبرية للحكم العسكري الروماني حتى القرن الخامس الميلادي ، وحين اضمحلت تلك الإمبراطورية الرومانية القديمة ، وراحت تتهاوى تحت الضربات القاتلة للقبائل الوثنية المنفلتة من مجاهل أقاصي أوروبا ، تعرضت شبه الجزيرة الإيبرية لهجمات قبائل الوندال والألين والسويف القادمة من الشمال الأقصى ، وهي قبائل بدائية وثنية غير مسـتقرة ، اجتاحتها بعد أن اجتاحت في طريقها بلاد الغال ، فرنسا الحالية .

 

على مدى قرنين من الزمان ، من الخامس الى السابع ميلادي ، عاشت مجتمعات شبه الجزيرة الإيبرية ، ذات الأصول الفينيقية الكنعانية السورية، حالات من الفوضى والاضطرابات المستمرة، بسبب الحروب بين القبائل البدائية الوثنية على أراضيها. وأخيراً نجحت قبائل القوط في قهر جميع القبائل الأخرى، في القرن السادس الميلادي، وانفردت بشبه الجزيرة . ولكي تنجح في حكمها اعتنقت الديانة المسيحية التي هي ديانة أهلها ، والتي هي – كتذكير لاضـرورة له – ديانة مشرقية سورية فلسطينية، بل هي اتخذت لغتهم لغة لها، غير أن جميع هذه التحولات التي أقدمت عليها قبائل القوط البدائية لم تجنب البلاد ما حلّ بها من مظالم ، وما أصاب أوضاعها عموماً من تردّيات فظيعة في جميع ميادين الحياة .

 

لم يمض قرن أو أكثر على استقرار حكم القوط لشبه الجزيرة حتى كان العرب المسلمون يقفون على الشاطئ الأفريقي لمضيق جبل طارق، ولنا أن نتصور مقدار حماسة المجتمعات الإيبرية لعبور أبناء عمومتهم المضيق إليهم ومساعدتهم في التحرّر من حكم القوط . وبالفعل ، حدث ذلك بتفاهم مسبق بين أبناء العمومة ، فعبر آلاف الجنود العرب المضيق ، واشتبكوا مع النظام الحاكم، ودحروه بمشاركة أهالي البلاد كتفاً بكتف ، ليتحقق بذلك الفتح العربي الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبرية من دون جيوش جرارة ولا معارك ضخمة .

 

مقارنات لها مدلولها العظيم

 

إننا عندما نتأمل في المدة الزمنية لكل عهد من العهود التي تعاقبت على شبه الجزيرة الإيبرية فسوف نرى بوضوح تام أن مدة حكم الرومان والقوط قبل الحكم العربي، مضافة إليها مدة حكم من جاؤوا بعد العرب حتى يومنا هذا ، هي جميعها أقصر من عهود العرب في تلك الديار، والتي دامت ثمانية قرون ، وان هذا ليعطينا فكرة معبّرة عن حاضرنا المعاش ، وصفاقة وابتذال طروحات اليهود الصهاينة وأسيادهم عن حقهم التاريخي في فلسطين ، إذ لو فكّر العرب بطريقتهم ، وهو تفكير له مصداقية عظيمة كما رأينا ، لكان من حقهم التطلع ليس الى استرداد فلسطين فحسب بل الى استرداد شبه الجزيرة الإيبرية أيضاً !

 

إن تاريخ الفتوحات العربية حافل بأخبار النداءات والدعوات والبعثات التي توجهت الى دار الخلافة راجية ايفاد هيئات سياسية وعلمية وروحية وعسكرية لمساعدة بلدان بعيدة على التحرر والنهوض .

 

يقول الرئيس الهندي الراحل جواهر لال نهرو : إن الديانة التي بشرّ بها محمد ، وبساطتها واستقامتها ، والديمقراطية والمساواة اللتين أعلنتهما هذه الديانة ، كل ذلك حظي بصدى واسع لدى شعوب البلدان المجاورة . وقد عانت تلك الشعوب والبلدان لأمد طويل من نير الحكام والملوك والطغاة ، ومن نير الكهان والقساوسة الذين لم يكونوا أقل طغياناً وتعسفاً من الملوك . لقد تعبت الشعوب من النظام القديم ونضجت لتقبل الجديد ، وقدّم لها الإسلام هذا الجديد الذي كان مرغوباً ، لأنه حمل إليها الأفضل من نواح ٍ عديدة ، ووضع حدّاً للكثير من الشرور الناجمة عن النظام القديم .

 

ويقول هربرت ويلز : لقد توجه الإسلام الى جماهير الناس فبشّرها بأن الله هو اله العدل .  وكان تبني تعاليم النبي محمد ومنهجه قد فتح الباب على مصراعيه أمام روح الأخوة والثقة بين الناس على وجه الأرض في ذلك العالم المليء بالشكوك والخيانات والعوائق المستعصية . لقد فتح تبني تعاليم محمد ومنهجه أبواب الجنة كذلك ، لكنها ليست جنة العبادة والصلاة بلا انقطاع ، التي يشـغل فيها رجـال الدين والكهنوت والملوك المعمدون مواقعهم الرفيعة ، بل هي جنة الأخوة الحقة ، والملذات البسيطة المفهومة التي تتعطش لها الأرواح . لقد غرس محمد هذه الحقائق الرائعة في أفئدة البشرية من دون أية رموز مريبة ، ومن دون محاريب معتمة ، ولا ابتهالات يتلوها القساوسة . لقد انتصر الإسلام لأنه كان أفضل نظام اجتماعي وسياسي ظهر في ذلك العصر ، وشاع لأنه وجد حيثما حلّ أناساً لا مبالين من الناحية السياسية ، أناساً مضللين ، مضطهدين ، مرتعبين ، جهلة غير منظمين، وحكاماً حمقى فارغين لا تربطهم بالشعب أية رابطة . لقد كانت أفكار الإسلام هي الأكثر شمولاً، وجدّة، ونقاوة، من الناحية السياسية في العالم آنذاك، وقدّم لجماهير البشرية ظروفاً أفضل من أية ديانة أخرى .

 

ويقول المفتي ضياء الدين بابا خان : كان من المتعذّر على العرب إحراز الانتصارات الحربية ، ونشر الإسلام على مساحات شاسعة من العالم ، لو كان ذلك يصطدم بمقاومة الجماهير. كانت الجماهير الكادحة والناس البسطاء في بلاد الفرس والإمبراطورية البيزنطية ينظرون الى العرب باعتبارهم يحملون إليهم أفضل العقائد عن نظم الحياة . لقد استقبلت تلك الشعوب العرب بوصفهم المنقذين من الظلم والاضطهاد والجهل والفقر .

 

أما عن شبه الجزيرة الإيبرية تحديداً في العهد العربي فيقول غوستاف لوبون أنه : بالإضافة الى العدل بين الرعية الذي هو دسـتور العرب ، والى ترك الناس أحراراً في أمور دينهم ، فانه لا يوجد في إسبانيا المعاصرة من أعمال الري سوى ما أتمّه العرب ، فهم من أدخل الى إسبانيا زراعة قصب السكر ،والتوت ( للحرير) ، والأرز، والقطن, والموز، وقد أكثر من إنشاء الطرق ، والجسور، والفنادق، والمشافي، والجامعات، والمدارس، والمكتبات العامة ، والمساجد ، في كل مكان . وكانت البحرية قوية جداً ، تتحقق بفضلها الصلة التجارية بجميع مرافئ آسيا وأفريقيا وأوروبا . وكان دخل بيت المال يقوم على الضرائب ، والمناجم ، كما هو الحال في بغداد . كانت مناجم الذهب والفضة والزئبق غنية جداً ، والضرائب تتألف من العشر العيني لمحاصيل أراضي المسلمين ، ومن الجزية يعطيها النصارى واليهود ، ومن الجمارك والمكوس . وكانت الإمامة الثقافية للعرب ، أما باب المناصب فمفتوحاً للنصارى ، الذين كانوا يخدمون في الجيش ، والذين لم يكن تزاوجهم والمسلمين قليلاً ، فوالدة الخليفة عبد الرحمن الثالث نصرانية . وتعتبر الكنائس الكثيرة المسيحية التي شيّدت في العهد العربي دليلاً على احترام العرب لمعتقدات الناس ، فاعتنق الإسلام كثير من النصارى ، لكنهم لم يفعلوا ذلك طمعاً في كثير شئ وهم الذين استعربوا ، وكذلك اليهود ، فغدوا مساوين للمسلمين ، وقادرين مثلهم على تقلّد مناصب الدولة العليا . ولقد واصل أساقفة المسيحية عقد مؤتمراتهم بكامل حريتهم ، مثل مؤتمر اشبيلية المسيحي المنعقد عام 782 م ، ومؤتمر قرطبة عام 852 م ، بل ان أحد باباوات روما تخرّج في جامعة قرطبة .

 

دورة الاضطهاد الرهيبة الطويلة

 

دامت الحضارة العربية في إسبانيا نحو ثمانية قرون ، وبعد انهيارها النهائي بسقوط غرناطة عام 1492 ، عاهد فرديناند العرب على منحهم حرية الدين واللغة ،ولكن ما أن حل عام 1499 حتى انطلقت تلك الروح القوطية الهمجية من عقالها وبدأت عمليات الاضطهاد المروّعة التي دامت قروناً !

 

لماذا تنصّل حكام إسبانيا الجدد بسرعة من وعودهم وعهودهم التي قطعوها للعرب ؟ الجواب : لأنهم كانوا ملزمين بسياسات اتحاد المدن التجارية الأوروبية الممتدة من نوفجورود في أقصى الشمال الغربي الروسي حتى نانت في فرنسا ، والذي كان تأسس عام 1241م  في جحيم الحروب الصليبية ، وبفضل التفاعل مع العرب سلماً وحرباً . وإذا كان التنصل حدث في عام 1499 فان السبب المباشر ، غالباً ، يعود الى اكتشاف رأس الرجاء الصالح عام 1497 ، أي قبل عامين ، حيث العمليات المسلحة ضدّ عرب المشرق بدأت في الخليج العربي بعد ذلك الاكتشاف .

 

فيما بعد ، وقف ألفونسو البوكر ، خليفة فاسكو دوغاما في أمارة الأسطول البرتغالي ، وقال في خطبة موجهة الى جنوده :

 

- " هذه الخدمة الجليلة التي سنقدمها لله بطرد العرب من هذه البلاد ( يقصد شرق آسيا ) وبإطفائنا شعلة أمة محمد بحيث لا يندلع لها هنا بعد ذلك لهيب ، وإني لعلى يقين أننا لو انتزعنا تجارة " ملقا " من أيدي العرب لأصبحت كل من القاهرة ومكة أثراً بعد عين ، ولامتنعت عن البندقية تجارة التوابل كلها ، ما لم يذهب تجارها الى البرتغال لشرائها من هناك " !

 

إذن ، فانهيار الأندلس كان مدخلاً لاشتباكات سرعان ما أخذت بعداً عالمياً ، وهي كانت استمراراً للحروب الصليبية ، وحرباً عالمية حقاً ، شملت جميع ميادين الحياة الدولية آنذاك ، من القارة الأميركية المكتشفة عام 1492 ، وهو أيضاً تاريخ سقوط غرناطة ، حتى ساحات المحيط الهندي والمحيط الهادي وميادين البحر الأبيض المتوسط ، وان ذلك الذي حدث في شبه الجزيرة الإيبرية لم يكن في حقيقته سوى تقابل صدامي بين عصرين ، واحد يأفل وآخر يبزغ ، ولكن شتان بين سياسات هذا وسياسات ذاك ، فطلائع العصر الأوروبي الجديد انطلقوا يمارسون سياسة الإبادة في القارة الأميركية ، وفي شبه الجزيرة الإيبرية ، وفي شرق آسيا حيث استؤصلت الجاليات العربية المحترمة عموماً بأطفالها ونسائها ، ومن نجا منها بيع في أسواق النخاسة !

 

في دورة الاضطهاد الرهيبة الطويلة ، التي عاشتها إسبانيا تحت حكم القوط الجدد ، صار تعميد العرب كرهاً ، وراحت محاكم التفتيش تأمر بعد ذلك بإحراق المعمدين الذين أصبحوا نصارى ، ثم بدأت عمليات التطهير بالنار تدريجياً ، لتعذر إحراق الملايين من العرب الأندلسيين دفعة واحدة !

 

لقد نصح كاردينال طليطلة التقي، الذي كان رئيساً لمحاكم التفتيش، بقطع رؤوس جميع من لم يتنصّر من العرب، رجالاً ونساءً وولداناً ، غير أن الراهب الدومينيكي " بليدا " لم ير في ذلك ما يكفي ، فأشار بضرب أعناق حتى من تنصّر منهم . لماذا ؟ لأنه من الصعب التأكد من صحة تنصّرهم ، ولذلك فمن المستحب قتل جميع العرب لكي يحكم الرب بينهم في الآخرة ، ويدخل النار من لم يكن صادق النصرانية منهم !

 

في عام 1610 أمر الحكام القوط الجدد بإجلاء جميع العرب عن شبه الجزيرة . لكن الأكثرية الساحقة من المهجرين أبيدت قتلاً على الدروب ، وأبدى ذلك الراهب بليدا ارتياحه لقتل ثلاثة أرباع أولئك المهاجرين أثناء رحيلهم . لقد قتلوا مائة ألف مهاجر من قافلة واحدة كانت تضم مائة وأربعين ألفاً وهي في طريقها الى المغرب العربي !

 

لقد بدأت منذ تلك التواريخ ، وعلى مدى القرون الخمسة التالية ، عمليات الإبادة والاستيطان في جميع القارات ، وهي العمليات التي دفعها الإنجليز والأميركيون البيوريتان الى أقصى مدى ، وواصلوا ممارستها حتى يومنا هذا ، كما نرى في فلسطين والعراق .

 

زوال الأندلس كارثة إنسانية

 

يقدّر كثير من العلماء عدد العرب الذين خسرتهم إسبانية بثلاثة ملايين إنسان ، وذلك فقط بعد سقوط غرناطة بقيادة فرديناند عام 1492 م ، وتلك ، برأي العلماء الأوروبيين أيضاً ، لم تكن كارثة لإسبانيا فحسب بل كارثة إنسانية عامة حقاً .

 

ترى كيف توارت وتلاشت تلك الأعداد الهائلة من العرب ، وكم عدد الذين نجحوا في البقاء ، وكم عدد الذين رحلوا الى جنوب أميركا ، والى البلدان المنخفضة في أوروبا ، ناهيكم عن الذين نجحوا في الوصول الى شمال أفريقيا ، ومصر ، وبلاد الشام ، والقسطنطينية ، وجزر المتوسط ، وجنوب إيطاليا ؟

 

يقول غوستاف لوبون : لا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الغزاة من حوسب على اقترافه جرائم قتل كتلك التي اقترفت ضد العرب ، وما يرثى له أن إسبانيا حرمت عمداً تلك الملايين الثلاثة من العرب الذين كانت لهم إمامة الثقافة والصناعة ، ثم رأت محاكم التفتيش أن تبيد كل نصراني فيه شيئاً من النباهة والفضل ، فكان أن هبطت إسبانيا الى أسفل دركات الانحطاط ، بعد أن انهار كل ما كان فيها من زراعة وصناعة وتجارة وعلوم وآداب وسكان !

 

من الواضح أن ما يسمى مواجهة بين الإسلام والمسيحية كان مصطنعاً ، وأنه إنتاج أوروبي ، وهو المسؤول عن التأسيس للنزعات " الأصولية السلفية " بمعناها السلبي الذي يحتكر الحقيقة والحق والإيمان . إن حكام إسبانيا والبرتغال الجدد، قد أسسوا لهزيمتهم المنكرة على أيدي الإنجليز ، بسبب قصر نظرهم وضحالتهم وحماقتهم ، فلم تقم لهم بعد ذلك قائمة حتى يومنا هذا .

 

النتائج الرهيبة للكارثة الإنسانية

 

  لقد صار عدد سكان طليطلة 17 ألفاً بعد أن كان 200 ألفاً قبل انهيار النظام العربي ، وصار عدد سكان قرطبة 42 ألفاً بعد أن كان مليوناً ، ولم يبق من مدن ولاية شلمنقة ، التي كان عددها 125 مدينة ، سـوى 13 مدينة ، أما عدد ســـكان مــدريد فقد تقلص من 400 ألفاً الى 200 ألفاً !

 

في جميع المناطق الإسبانية / البرتغالية ، أغلقت المصانع الكبرى أبوابها ، وأهملت الزراعة فتحولت الأرياف الى بلاقع ، وخلت المدن من السـكان بصورة مخيفة ، وصارت اشبيلية ، التي كانت  تدير 1600 مؤسسة حرفية كافية لإعاشة 130 ألفاً ، تضم فقط 300 مؤسسة حرفية صناعية ، فضلاً عن خلوّها من ثلاثة أرباع سكانها . لقد وردت هذه المعلومات في رسالة مجلس الكورتس الى الملك فيليب الرابع .

 

وفي طليطلة ، لم يبق سوى ثلاثة عشر مصنعاً للصوف بعد أن كان فيها خمســون مصنعاً ، كذلك خسرت طليطلة جميع مصانع الحرير التي كان يعيش منها أربعون ألف إنسان ، وقد وقع مثل هذا في كل مكان ، ولم تلبث المدن الكبيرة ، مثل قرطبة وشقوبية وبرغش ، أن تحوّلت الى صحارى تقريباً ، حيث زالت المصانع التي استمرت قائمة فيها لبعض الوقت بعد الزوال الأخير النهائي للعرب منذ عام 1610 .

 

ومن جراء غياب الصناعات مع غياب العرب ، اضطرت إسبانيا الى جلب عمال من هولندا عندما أرادوا إنشاء مصنع للصوف في شقوبية أوائل القرن الثامن عشر ! لقد اضطروا الى تسليم زمام أمورهم ، وسلطاتهم العليا ، وشؤونهم الإدارية ، وصناعاتهم و تجاراتهم ، الى مديرين من الأجانب أتوا بهم من فرنسا وإيطاليا وألمانيا !

 

لقد خلت تلك البلاد ، التي أضاءت العالم أيام العرب ، من أية مدرسة لتعليم الفيزياء والرياضيات والطبيعيات ، وصرت لا ترى فيها ، حتى عام 1776 م ، كيماوياً واحداً قادراً على صنع أبسط التراكيب ، ولا شخصاً واحداً قادراً على صناعة مركب أو سفينة شراعية ، حسبما أكد الكاتب الإسباني كنبو مانس !

 

لقد نجحت محاكم التفتيش الرهيبة في مهماتها فعلاً ، بحيث جعلت جميع المناطق الإسبانية لا تعرف غير كتب العبادة والأمور الدينية ، أما أطباؤها فلم يسمعوا شيئاً عن الدورة الدموية الى ما بعد اكتشافها بقرن ونصف !

 

وماذا عن اليهود في الأندلس ؟

 

يقول الألماني فويشت فانغر : ترجم العرب لمسيحييهم الكتاب المقدس الى العربية ، وأعطوا اليهود حق المساواة الاجتماعية وهم الذين كانوا تحت الحكم العرفي أيام القوط . لقد عاش اليهود في ظل الإسلام حياة سعيدة ، رغيدة ، لم يسبق لهم أن عاشوها في أي مكان آخر ، فظهر منهم وزراء وأطباء ، وأسسوا معامل ومراكز تجارية كبرى ، وأرسلوا سفنهم التجارية في بحار الأرض السبعة ، ومن دون نسيان لغتهم العبرية التي لهم الحق في استخدامها طوّروا نظماً فلسفية باللغة العربية ، فترجموا مؤلفات أرسطو ، وصهروا تعاليمه مع تعاليم كتابهم ومع تعاليم علماء الحكمة العرب ، وخلقوا نقداً حراً ، جريئاً ، للكتاب المقدس ( العهد القديم ) وجدّدوا فنّ الشعر العبري . . الخ !

 

تهديد ثقافتنا يعني تهديد وجودنا

 

أخيراً ، نعود لنقول ونحن نتابع مأساة العرب والمسلمين ، المستمرة على مدى القرون الخمسة الماضية ، التي بلغت ذروتها اليوم في فلسطين والعراق، أن الخطر الجدّي على وجودنا هو تقويض آدابنا وفنوننا وثقافتنا التاريخية، وأن اختراق النخب الثقافية والسياسة العربية، وجعلها تردّد كالببغاوات أضاليل وأباطيل الأعداء ضد تاريخنا، هو بداية زرع الخلايا السرطانية في جسم الأمة، وأنه يتوجب علينا التمييز بحزم بين نظام عالمي يقوم على التكافؤ والتعاون والمساواة بين جميع الأجناس والأعراق ، كالنظام العالمي العربي الإسلامي ، وبين نظام آخر يقوم على التمييز والاحتكار والاستعداد التام لاســتئصال الثقافات والأمم والحلول محلها ، كالنظام العالمي الحالي ، الأوروبي الأميركي .