الإستراتيجية الأمريكية الجديدة ... إبـادة للسكان وتـدمير للمـدن
بقلم :محمـد
العبـد اللـه
أكثر من سبعة عشر شهراً ، وقوات الغزو
الأجنبية ، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية
تمارس واحدة من أبشع أشكال الإستعمار المباشر على أرض العراق ، عبر اللجوء
إلى سياسة القتل الجماعي ، وسياسة الأرض المحروقة ، التي تتجسد في كل يوم ،
بالمجازر الوحشية التي يسعى خبراء الموت الأمريكيين والبريطانيين ، المستفيدين من التطبيق الميداني لتجارب ضباط
جيش الحرب الصهيوني في سياسة العقاب الجماعي بفلسطين المحتلة ، في محاولة يائسة
وبائسة لإستئصال المقاومة الوطنية ، ثقافة وممارسة ، من وعي وسلوك الشعب العراقي
المكافح . فقد جاءت تطورات الأيام الأخيرة ، بما حملته من تصاعد عمليات المجابهة
والمقاومة ضد قوات الإحتلال " كماً ونوعاً " التي ألحقت خسائر فادحة
بعساكر وآليات ومعسكرات هذه القوات ، لينعكس ذلك على ردود فعل وحشية تقوم بها
طائراتها ودباباتها ضد العديد من المدن والبلدات ، مما أوقع المئات من الشهداء
والجرحى ، معظمهم من النساء والأطفال ، كل هذا يأتي منسجماً مع خطط المحتلين وعملائهم بهدف إنهاء المقاومة ، وتهيئة الأوضاع
لإجراء " الإنتخابات " في شهر كانون الثاني / يناير 2005 ، مما دفع
بالوزير كولن باول ليشرح قبل يومين
الإستراتيجية الجديدة من أنها " تتجسد
في عمل سياسي وعسكري لاستعادة المواقع التي يحتلها المتمردون والخارجون على
القانون ، ودحرهم مما يفتح الطريق أمام إجراء الإنتخابات دون عقبات " ليضيف
موضحاً " عندما يتم إبعاد المتمردين وإزالتهم من المشهد ، سيرى العالم
عراقيين مسؤولين عن انفسهم ومصيرهم ومستقبلهم ، ليختاروا ممثليهم ، وذلك شيء
سيفتخرون به ، ونحن والعالم معهم ". ولم يخالف كلام باول ماقاله رئيس الحكومة
المعين من إدارة الإحتلال ، إياد علاوي ، لبعض الصحف البريطانية " التايمز
والغارديان " من أن أعمال العنف التي تشهدها بعض المدن قد تمنع إجراء
الإنتخابات في موعدها المقرر ببعض المدن المضطربة . والمقصود بالأوصاف المتداولة
من باول وعلاوي ( المتمردون والخارجون على القانون والإرهابيون ) ماهم إلا ّ أبناء الشعب ، المدافعون عن حرية
وكرامة الوطن ، وكذلك كانت تعابيرهم عن المدن ( المستعصية و المضطربة ) التي هي
رمز المواجهة والتحدي والبطولة ، والممتدة على طول الوطن وعرضه ، من الموصل وتلعفر
إلى البصرة والعمارة والنجف والناصرية والحلة ، ومن كركوك و بعقوبة وتكريت وسامراء
إلى الفلوجة والرمادي والقائم ، مروراً بعشرات النجوم المضيئة الأخرى في سماء
المقاومة ، بغداد وبلد وبيجي وأبو غريب . ولم يترك علاوي أي مجال للشك ، عند
محاوريه البريطانيين ، فأكد لهم" أن العمليات الأمريكية التي تنفذ في المدن
العراقية تتم بطلب وموافقة حكومته التي ترى في الوجود العسكري ضرورة ". ولو
كان ذلك يقتضي تدمير المدن وقتل السكان ، وهذا ماأكد عليه في كلامه " الإقصائي
" إذا لأي سبب لم يستطع 300 ألف التصويت لأن الإرهابيين قرروا ذلك ... لن
يمنع أولئك 25 مليوناً من التصويت " لن نتوقف هنا لتبيان المقصود في تمرير
هذه الأرقام ( غير الدقيقة ) ولكنه يريد القول أن سكان الفلوجة فقط هم الذين
استثـناهم من التصويت ! فأين ذهب بسكان المدن الأخرى " المستعصية والمضطربة "
والتي يشكل سكانها أكثر من ثلثي المواطنين العراقيين . أم انه ترك للقنابل الحارقة
والإنشطارية أن تتكفل بالأعداد الهائلة من السكان ،لتحولهم إلى شهداء، بدل أن
يكونوا على قوائم الإنتخابات . إنها التعبيرات الواضحة والصارخة عن الإستراتيجية
الجديدة ، التي حرقت المنازل فوق رؤوس أصحابها في تلعفر والفلوجة والحلة والمسيب ،
ودمرت سيارات الإسعاف والمشافي والمقابر ، في تأكيد يتجدد كل يوم ، من أن قوات
الغزو تبيح لنفسها كل الأعمال الإجرامية ، التي تعتقد أنها توفر لها الأمن
والإستقرار ، لكنها تعمل بهذا النهج الدموي الوحشي ، على إلتحاق أبناء الشعب
بالمقاومة ، وبالتالي زيادة أعداد "حفاري قبورها " .
لقد واجهت المقاومة البطلة هذه المجازر "
المرتبطة بالإحتلال " بعمليات نوعية عديدة
لم تجد الإعلان عنها عبر قنوات الإعلام المرئي والمسموع ، بقدر ماوجدت
وسائل الإعلام هذه ، فرصتها وضالتها ، في التشويه المقصود " الموجه أمريكياً "
للإساءة إلى المقاومة ، من خلال تسليط الأضواء ، وفتح الحوارات حول عمليات
الإختطاف ، والتعتيم الشامل على الخسائر الفادحة التي تلحق بقوات الغزو وعملائهم ،
فالضربات الموجعة بالعشرات من صواريخ " غراد " التي دمرت طائرات العدو
على أرض قواعد الإحتلال في " الحبانية ومطارات المثنى وبغداد وكركوك " وفي
إسقاط طائراته السمتية أو الموجهة في تلعفر والفلوجة وأبو غريب ، وبالمواجهات
العنيفة المباشرة في الرمادي وشارع حيفا والبصرة والموصل وسامراء وتكريت ، لم تكن
إلا ّ التنفيذ الحقيقي لخطط وبرامج المجابهة العسكرية مع المحتل ، وهذا مادفع
بالجنرال الأمريكي " ايرف ليسل " ليعترف بالزيادة الهائلة لعدد الهجمات
التي تتعرض لها قوات الإحتلال ، والتي يؤكد القائد الأمريكي للعمليات في
العراق الجنرال توماس ميتس " من أن
القوات الأمريكية مدعومة بحلفائها ، عازمة على مواصلة الجهود للقضاء على الإرهاب
في العراق . وهويكرر هنا ، كالببغاء ، ماكان يقوله منذ شهور عديدة جنرالات آخرون "
سانشيز ، كيميت " . ويبدو أن العقلية السياسية / العسكرية الموزعة مابين
البيت الأبيض والبنتاغون لم تستوعب دروس التاريخ البشري . فالشعوب تبدأ ، منذ
اللحظات الأولى التي تتعرض فيها أراضيها للغزو بالعمل على مقاومة الإحتلال وطرده ،
وقد وصف الرئيس الفرنسي جاك شيراك ، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في مدريد ، بعد
انفضاض القمة التي جمعته برئيس الوزراء الإسباني " ثـاباتيرو" والمستشار
الألماني "شرويدر" الوضع المتفجر بالعراق بقوله " أعتقد أننا بشكل
أو بآخر فتحنا في العراق أبواب جهنم ، وإننا عاجزون عن إغلاقها " . والحقائق
على الأرض العراقية تؤكد للجميع أن وقود هذه النار لن تكون أجساد الشعب برجاله
ونسائه وأطفاله فقط ، بل إن جنود وضباط قوات الغزو وسماسرة وعملاء الإحتلال
سيكونون الوقود الفعلي لهذه النيران ، التي لن تهدأ إلا ّ برحيل المحتل ، وإعادة
بناء العراق الحر ، السيد .
لقد أعادت تطورات الأيام الأخيرة ، خاصة ،
العمليات الحربية الوحشية ضد المقاومة البطلة في مدينة " تلعفر " القريبة
من الحدود العراقية ـ التركية ، ذات
الأغلبية التركمانية إلى واجهة التحركات الدبلوماسية ، الحضور التركي الرسمي ، فقد
استدعت الخارجية التركية السفير الأمريكي
في أنقره " إريك أولمان " وأبلغته بالقلق التركي من نتائج عمليات القصف
والقتل والتهجير ، التي دفعت بوزير الخارجية " غول " إلى التهديد بوقف
التعاون مع واشنطن في إشارة واضحة للتسهيلات اللوجستية التي توفرها حكومة أردوغان
للنشاطات الحربية الأمريكية في العراق
وأفغانستان ، ويبدو أن الحكومة التركية لم يكن دافعها الأساسي فقط "روابط
القربى " مع تركمان " تلعفر " بقدر ماكانت المخاوف مما يلوح في
الأفق ، وتدعمه التحركات على الأرض ، توطين الأكراد لتمكينهم من السيطرة الإدارية
على كامل المنطقة ، تمهيداً لإدارة منطقة عبور حدودية جديدة ، تحرم التركمان من
الفوائد الإقتصادية المتوقعة ، وتتيح للأكراد الإستفادة من الرسوم الجمركية لحركة
الشاحنات ، بالإضافة لما توفره لهم نقطة العبور في منطقة " زاخو " . لكن
بعض المراقبين رأوا في الإحتجاج التركي " العلني " رسالة مباشرة إلى كل
من يعنيهم الأمر، وخاصة في شمال العراق ، على إثر التصريحات الأخيرة لبعض قادة
الأحزاب الكردية ، فالبرازاني أكد على أ ن مدينة كركوك ، كردية ، وستكون عاصمة "
دولته " ، وسعدون فيلي أحد قادة حزب
الطالباني أشار إلى أن كركوك مدينة كردستانية أيضاً . وأنقرة المسكونة بالمخاوف
الدائمة من " الدور الكردي " تستشعر بهذه التصريحات والتطورات ، المخاطر
الحقيقية المترتبة على التغييرات الديمغرافية المقصودة في هذه المدن ، من جهة
حملات التطهير العرقية (طرد العرب والتركمان) تارة على يد الطالباني والبرازاني ،
وتارة أخرى على يد قنابل وصواريخ الطائرات والدبابات الأمريكية .
إن مايلفت النظر ويعزز المخاوف دور " بيشمركة
الحزبين " في تقديم معسكراتها لتدريب قوات "الجيش العراقي الجديد "
والتي وصل من منتسبيه مابين ثلاثة إلى خمسة آلاف عنصر إلى منطقتي السليمانية ودهوك
للتدريب والتأهيل . هذه المخاوف تجد تبريرها من خلال رصدها لما قاله بالأمس سعدون
فيلي " من أن لدى الأكراد رغبة قوية في مساعدة حكومة علاوي لتحقيق استتباب
الأمن في بغداد وبقية المناطق التي تشكل بؤر عنف " مشيراً إلى " أن هذه
المسائل تخضع لمشاورات أمنية واستخبارية بين الأكراد والحكومة لتحديد خريطة طريق ،
لدور أمني كردي في مواجهة تداعيات الإشتباكات في الفلوجة والرمادي والموصل وبغداد
وبعقوبة وسامراء ".
مع تطور الأحداث ، وتسارع وتيرة العمليات
القتالية ، تبرز أهمية توسيع دائرة المواجهات مع قوات الإحتلال لتشمل كل محافظات
العراق ، في إطار من التنسيق الجماعي المتسامي
على الولاء للمنطقة والطائفة والمذهب ، فكل التراب العراقي مقدس ، فالإنتماء للوطن
أسمى من كل الولاءات .