إسرائيل واتفاقيات جنيف.. صحوة ضمير أم خدعة جديدة؟

 

 

 

بقلم :عبد الرحيم ملوح

 

في العشرة أيام الأخيرة صدر عن المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية مناحيم مزوز موقفان هامان لم يسبق ان تفوه بهما مسئول اسرائيلي رسمي طوال سنوات الاحتلال، بما في ذلك اعضاء رسميين من اليسار الصهيوني واهمية هذه المواقف انها تأتي على لسان المستشار القانوني لحكومة شارون اليمينية المتطرفة علما انها من اختار مزوز لهذا الموقع المهم. الموقف الاول عندما طالبت لجنة قانونية سبق لمزوز ان كلفها بوضع استراتيجية قانونية للرد على قرار محكمة العدل الدولية حول الجدار والكل بات يعرف ان قرار المحكمة يعتبر من اهم القرارات الدولية.

 

حيث اعتبرت ان اسرائيل قوة احتلال وان الاراضي المحتلة عام 1967 هي أراض محتلة وفق القانون الدولي، وبهذا حسمت الجدل حول القرار 242 و«أل» التعريف واكدت احتلاله على جميع الأراضي وليس بعضها كما ادعت اسرائيل، وطالبت بتفكيك الجدار وتعويض المتضررين من بنائه ويترتب على هذا فتح الباب للتعويض عن الاضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني من الاحتلال طوال سنواته، وتبنى مزوز توصية اللجنة ورفعها للحكومة الاسرائيلية والتي تطالب اي التوصية بالتفحص المعمق لتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة للاراضي الفلسطينية المحتلة.

 

والموقف الثاني هو تصريح مزوز ما غيره بعد عدة ايام من توصياته الاولى بأن هجمات الجيش الاسرائيلي على المناطق الآهلة في قطاع غزة لاطلاق ايقاف الصواريخ يمكن ان يندرج في اطار جرائم الحرب، والمؤسف ان هذه المواقف المهمة جاءت في غمرة احداث عاصفة عدة وفي مقدمتها اضراب الأسرى البواسل،وأحداث النجف وما رافقها من اعمال عدوانية في العراق، وتصاعد عمليات الاختطاف وكان ذروتها خطف الصحفيين الفرنسيين.

 

واحداث دارفور بالسودان وازدياد الاهتمام الدولي بها، كل هذه الاحداث وغيرها حجبت تركيز الأضواء عن توصية وحديث مزوز واقتصر التعليق عليها على رئيس لجنة الخارجية والأمن الاسرائيلي في الكنيست حيث قال ان هذا الموضوع سياسي وليس قانونياً والسؤال ما الذي دفع مزوز لاطلاق هذه المواقف بعد عقود من الاحتلال؟ وكيف بمقدورنا الاستفادة من مواقفه هذه. فجأة يصحو مستشار دولة اسرائيل القضائي ومساعدوه القانونيون ليعترف بأن دولته وحكوماتها المتعاقبة تخرق القانون الدولي وفي مقدمتها اتفاقات جنيف.

 

وبما معناه ان قرارات الجهاز القانوني والقضائي الاسرائيلي منذ احتلال عام 67على الأقل غير قانونية ومخالفة للقانون الدولي ولاتفاقات جنيف التي وقعت عليها دولته منذ عام 1950، واستتباعا لهذا فان قراراته المغطاة بصبغة قانونية بما فيها قرارات محاكمه العسكرية ومحكمته العليا التي طالت ملايين الفلسطينيين وسممت حياتهم وصادرت اراضيهم وتاريخهم ومستقبلهم ليست قانونية من وجهة نظر القانون الدولي للعقود الماضية ومن وجهة نظره هو،وان قواته المحتلة ترتكب جرائم حرب بعدوانها اليومي والمستمر على الشعب الفلسطيني حتى لو تذرعت بحماية مستوطنيها.

 

ان هذا الاعتراف المتأخر جدا على اهميته لم يأت لان ضمير الجهاز القانوني الاسرائيلي الرسمي خاصة، قد صحا على الجريمة البشعة التي يلحقها الاحتلال بالشعب الفلسطيني، ولكن لانه اصطدم اثناء معركة جدار العزل العنصري في المحكمة الدولية بموقف المجتمع الدولي ممثلا بقرار المحكمة وقرار الجمعية العامة اللذين ادانا بناء الجدار وطالبا بتفكيكه والتعويض عن المتضررين منه، لانه مخالف للقانون الدولي واتفاقات جنيف، وعجز القانونيين الاسرائيليين عن الدفاع عن سياسة حكومتهم، وانكشف امام العالم ان محكمة العدل العليا الاسرائيلية لم تصدر قرارا بالالتزام باتفاقيات جنيف منذ توقيع الحكومة الاسرائيلية عليها.

 

وكان هناك تواطؤ بين الحكومة الاسرائيلية والمحكمة بأن تقول الحكومة بأنها تعترف بالاتفاقية فعليا وليس قانونيا مقابل ان لا تصدر المحكمة قراراتها في المناطق المحتلة من واقع الالتزام بالقانون الدولي. والذريعة السياسية البعيدة عن كل المنطق والقانون الدوليين التي لجأت لها اسرائيل لتغطية سياساتها وممارساتها الاحتلالية هي عدم الاعتراف بأن الاراضي الفلسطينية اراض محتلة بل هي أراض متنازع عليها لانها لم تكن تحت سيادة دولة فلسطين عند وقوعها تحت الاحتلال، ولم يقم عليها سيادة دولة فلسطينية في السابق.

 

وهذه من الذرائع الواهية التي لا قيمة لها بالنسبة للقانون الدولي، واستتباعا لهذه السياسة الاحلالية المشرعة قانونيا تتم مصادرة الاراضي والتاريخ الفلسطيني وتهويد المقدسات والتعامل مع الاسرى كسجناء امنيين وليس مناضلين من اجل الحرية واسرى حرب، وتشجعت هذه السياسة الاسرائيلية بالمواقف العربية والفلسطينية التي تتقاعس عن تجنيد كامل اسلحتها السياسية والقانونية والتي يوفرها لها القانون الدولي.

 

ان مزوز وفريقه يعتقد ان بامكانه تجنب معركة سياسية وقانونية خاسرة على ابواب دورة الجمعية العامة للامم المتحدة في اعقاب قرار محكمة العدل الدولية حول الجدار، وتقليص تداعياته على المدى القريب وتوفير قاعدة للتعامل مع المجتمع الدولي من الان فصاعدا في ظروف قانونية وسياسية افضل، وعلى قاعدة ان ما حدث قبل هذا التاريخ بات واقعا ولا يمكن تغييره.

 

 وكل ما يريده عدم اتخاذ قرارات دولية تمس الواقع الاحتلالي القائم مقابل استعداد اسرائيل للالتزام بتطبيق الاتفاقات الدولية مستقبلا، بكلمة اخرى اراد المستشار القانوني وفريقه حماية الاحتلال والاستيطان القائمين ورغم نواياه الطيبة فليس من المتوقع ان تستجيب حكومة اليمين المتطرف وغلاة المستوطنين والتوراتيين الصهيونيين له. ان ما سبق لا يقلل من اهمية مواقف المستشار القانوني وفريقه اذا ما جرى توظيفها سياسيا وقانونيا من الطرف الفلسطيني والعربي والقوى السياسية الدولية المتمسكة بالقانون الانساني الدولي وباتفاقية جنيف بحق الشعوب بتقرير مصيرها.

 

 وان لا تقتصر عملية الاستفادة من تصريحات مزوز على قاعدة «من فمك ادينك» فحسب بل الحذر من الوقوع في الفخ الذي ينصبه هو وفريقه لدفع المجتمع الدولي للقبول بتطبيق اتفاقية جنيف على الواقع القائم في فلسطين الان وكما هو ونسيان ما فعله وقام بتغيره جغرافيا وديمغرافيا واقتصاديا وسياسيا طوال العقود الاربعة الماضية، لهذا فان الاستفادة من مواقف المستشار القانوني وفريقه يجب مدها لنهاياتها وهي ان الاحتلال بكل اشكال وجوده العسكري والاستيطاني غير شرعيين ويجب تفكيكهما.

 

واعطاء حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني باقامة دولته الفلسطينية المستقلة على كامل الارض الفلسطينية المحتلة وعاصمتها القدس وضمان عودة اللاجئين لديارهم وفقا لقرار 194، وهذا ما كفلته الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة، وان تطبيق اتفاقية جنيف يبدأ منذ بدء الاحتلال وليس على الواقع الذي اقامة الاحتلال لما يقرب من اربعة عقود فقط، بهذا تصبح تصريحات مزوز وفريقه ذات قيمة سياسية وقانونية مهمة في معركة الحرية والاستقلال.