من مدريد إلى أوسلو

 

 

 

بقلم :فؤاد الحاج

 

قبل الإعلان عن ما سمي "عملية سلام مدريد" 1991، والتي كانت على قاعدة التعاون والاتفاق العربي المشترك وعدم فصل المسارات وتم الاتفاق على أن يكون الاتفاق والحوار برعاية أمريكا وروسيا على قاعدة "السلام مقابل الأرض" أو "الأرض مقابل السلام" لا فرق، وكان عرب الاستسلام ولا زالوا يرددون كلمات وشعارات طنانة مثل "السلام القائم على العدل" و"سلام الشجعان"، بعد ذلك وبخداع أمريكي معروف تم فصل المسارات ولم يبق منها سوى المسار السوري – اللبناني على الأقل حتى الآن، وبعد فصل المسار الأردني-الفلسطيني بضغوط سياسية واقتصادية خليجية – أمريكية وقع الأردن "اتفاقية وادي عربة"، وبعد لقاءات سرية متواصلة في العاصمة النرويجية أوسلو أعلن في الثالث عشر من شهر أيلول/سبتمبر 1993 عن التوقيع على ما سمي "اتفاقية أوسلو" التي بلغ تعداد صفحاتها أكثر من مائتي صفحة باللغة الإنكليزية بين عناصر فلسطينية مدعين أن "إسرائيل" قد تخلت عن ادعائها الباطل بفلسطين بكاملها وأنها باتت تقبل بحقوق الفلسطينيين الأساسية!. كما طرح بعضهم أنهم بذلك يحرجون "اسرائيل"!!.. وطرح البعض الآخر "إنها خطوة أولى على تحقيق السيادة والتحرير والاستقلال"!!.. وشكل ذلك عملياً تنازلا كبيرا من الجانب الفلسطيني عن حقوق الشعب الفلسطيني.. ويومذاك انقسم المجلس الوطني الفلسطيني بين مؤيد ومعارض، وبعض أعضاء المجلس طرح رأي يقول إن "عملية السلام هدفها تسوية "النـزاع الفلسطيني العربي-"الاسرائيلي"". ولكن سرعان ما تكشفت حقيقة الموقفين "الاسرائيلي" والأمريكي من "مبدأ السلام ومرجعية السلام"، وقراري الأمن 242 و338، حيث رفضت "إسرائيل" التوقف عن ممارساتها العدوانية باغتصاب الأرض وإقامة المستوطنات وزرع المستوطنين، ولم يتحرك الراعي الأمريكي ليلزم "إسرائيل" بالكف عن كل ذلك، وعدم انتهاك "مرجعية السلام". وهكذا دخلت المفاوضات منذ بدايتها في مأزق تفاوض، وتواتر الضغط الأمريكي- "الإسرائيلي" على الوفد الفلسطيني كي يؤجل الحديث في مسألة الاستيطان إلى مرحلة لاحقة وكذلك ترك موضوع القدس للمرحلة الأخيرة من المفاوضات وبدلاً من ذلك تم التركيز والاهتمام بطرح موضوع نقل السلطات للجانب الفلسطيني في بعض المجالات!.. ولكن بعض أعضاء الوفد الفلسطيني رفض ذلك بثبات ومنهم الدكتور حيدر عبد الشافي، لأن جوهر الصراع أو الموضوع هو "الأرض مقابل السلام" أولاً، وثانياً لأن استراتيجية الصهيونية كانت وما زالت تتمثل في الاستيلاء على الأرض وإقامة الحقائق المادية عليها، كي تواجه العالم بالأمر الواقع.. وهكذا استمرت المفاوضات منذ مدريد على مدى عشرين شهراً، إلى أن أعلن عن "اتفاق أوسلو" الذي تم التوصل إليه في مفاوضات سرية في النرويج. مع العلم أن "اتفاق أوسلو" انطوى على بعض المفاهيم العامة في ديباجته التي تؤكد "أن مفاوضات الوضع النهائي ستقود إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338". كما جاء في المقدمة "الالتزام بإجراء انتخابات سياسية عامة ومباشرة للمجلس التشريعي ولرئيس السلطة التنفيذية حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة السلطة في تسيير شؤونه بشكل ديمقراطي"!.. فإذا اعتبرنا أن هذه النصوص إيجابية من الناحية الإنشائية والبلاغية، إنما من النواحي السلبية وهي أكثر من أن تعد وتحصى وأخطرها هو الاعتراف باحتلال فلسطين مما فتح الباب واسعاً لكافة الدول الصديقة غير العربية التي كانت ترفض الاعتراف "باسرائيل" تأييداً لحق مقاومة الاحتلال، أما من ناحية "اتفاقية أوسلو" الخطية فقد تحدثت المقدمة عن "الالتزام بالاعتراف المتبادل"!!.. المعبر عنه بالرسائل المؤرخة بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر 1993، والموقعة من قبل رئيس وزراء الكيان الصهيوني ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية.. والتي تؤكد إنها اعترافات غير متوازنة، لأن الجانب الفلسطيني اعترف بـ"اسرائيل" "دولة مستقلة وذات سيادة" على الأرض الفلسطينية، بينما اعترف الجانب "الاسرائيلي" بمنظمة التحرير الفلسطينية قيادة شرعية للشعب الفلسطيني فقط دون ذكر لحقوقه الأساسية، حق تقرير المصير وقيام دولة مستقلة وحقوق اللاجئين. عدا عن هذا انطوى الاتفاق على السلبيات الآتية:

 

- عدم التصدي لمسألة الاستيطان رغم أنها كانت سبب مأزق مفاوضات واشنطن ولأنها تتناقض مع مفهوم ومرجعية السلام.

 

وهكذا تمادى الكيان الصهيوني في مواصلة الاستيطان في كل أرجاء الضفة الغربية خصوصاً حول القدس وفي الأغوار وحول الخليل، مستغلاً ما قيل عن إيجابيات الاتفاق في حفل التوقيع. وأحجمت السلطة الفلسطينية عن اتخاذ موقف من هذا الموضوع، بل واصلت الادعاء بأن هناك "عملية سلام" تجب حمايتها والحفـاظ عليها!.

 

- عدم الإصرار على حق النازحين (منذ 1967) في العودة الفورية وإخضاع التقرير في ذلك الأمر إلى لجنة رباعية: فلسطينية – "إسرائيلية" – مصرية - أردنية لم تتمكن من أن تقرر شيئاً حتى هذه اللحظة!.

 

- عدم التصدي لمسألة المعتقلين السياسيين في سجون الاحتلال والإصرار على الإفراج عنهم!.

 

- اتسم الاتفاق بعدم الحسم في كل المسائل، خصوصاً مراحل إعادة الانتشار وأهمية حرية التنقل بين الضفة وغزة، وبذلك أتاح الفرصة للجانب الأقوى لأن يفرض رأيه على الدوام!.

 

اليوم وبعد 11 سنة على "اتفاق أوسلو" لا بد من تكرار طرح السؤال التالي كيف نقيم الوضع في فلسطين المحتلة؟ بعد أن أحكمت "إسرائيل" قبضتها على المناطق المحتلة بإقامة مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة وإدخال مزيد من المستوطنين. وأحكمت هيمنتها على القدس وما حولها، وعززت وجودها في بناء "جدار العزل" العنصري وعلى القدس، وفي المناطق الأخرى من فلسطين المحتلة -الغور وسلسلة الجبال بين نابلس ورام الله والمرتفعات المطلة على الساحل. وإقامة شبكة من الطرق الالتفافية التي عرقلت التواصل السكاني في المحيط العربي وإحالته إلى نظام من البانتوستانات يسهل احتواؤها وعزلها عن بعضها البعض.

 

- إضافة إلى عدم تسهيل الحركة لأفراد سلطة حكم الذات الفلسطينية وفرض القيود الصارمة ضد حركة المواطنين بما في ذلك طلاب الجامعات ومن هم بحاجة ملحة للسفر مثل المرضى وغيرهم!. والجدير بالذكر أن الكيان الصهيوني لم يكن يجرؤ على ممارسة مثـل هذه القيود قبل أوسلو، حتى أثناء عنفوان الانتفاضة الأولى، مع العلم أن هناك نصاً في "اتفاق أوسلو" يتحدث عن "ممر آمن" للفلسطينيين مع الأسف لم يستغله موقعوا تلك الاتفاقية أو لم يبذلوا الجهد اللازم في سبيل تحقيقه فبقي حبراً على ورق.

 

- وفي المقابل أجهدت سلطة حكم الذات الفلسطينية نفسها في موضوع بناء المطار الذي تشرف عليه عملياً أطقم "اسرائيلية" وتم تحديد نوع وحجم الطائرات المسموح بها كما تمت مصادرة أراض كثيرة من مواطنين فلسطينيين لم يعوض الكثيرون منهم عنها حتى الآن.. ويبقى المطار عبئا لا فائدة منه بسبب إصرار "إسرائيل" على فرض هيمنتها على التحرك عبره ومنع عبور أي طائرات إلا بإشرافها.

 

- تمارس "اسرائيل" انتهاكات فاضحة بشأن القدس وسكانها العرب فهي تجهد في تقليص الوجود الفلسطيني بكل الوسائل: هدم البيوت بذرائع مختلفة والاستيلاء ومصادرة لبعض البيوت الأخرى، ومواصلة العمل على تجريد الفلسطينيين من هويتهم المقدسية، عدا عن قيود الدخول للقدس أو المرور بها لضرورة التنقل بين جنوب الضفة وشمالها!.

 

- تبقى "عملية السلام" خاضعة للابتزاز "الاسرائيلي" وللمناورات الأمريكية التي ما زالت تنكر حق الفلسطينيين في تقرير المصير ودولة فلسطينية ذات سيادة على الأرض الفلسطينية وتتقدم بمبادرات بعيدة كل البعد عما هو مطلوب لمعالجة مشكلة السلام!.

 

فهل بعد كل هذا يبقى من المفيد أو المعقول أن يتابع الجانب الفلسطيني الجلوس على طاولة المفاوضات فيعطي الانطباع بأنه ما زال هناك أمل في ما يسمى بعملية السلام؟!

 

ربما يقول البعض إن تعليق المفاوضات لن يوقف "إسرائيل" عن نهجها العدواني، لأنها محمية بـ"الفيتو" الأمريكي وهذا طرح صحيح، ولكن، ماذا لو قلب الرئيس عرفات الطاولة وأعلن استمرار المقاومة وإعادة تشكيل خلايا (فتح) الفدائية، وهذا برأينا أنه على الأقل يضع العالم أمام مسؤولياته.. خاصة بعد إرهاق المقاومة الوطنية العراقية لتحالف قوى الشر بقيادة أمريكا في العراق، التي ستشكل مع المقاومة الفلسطينية بارقة الأمل لكل الأمة العربية وعودة الروح إليها لأنه لا يجوز أن نستمر في خداع أنفسنا ونستمر في طرح مقولة "السلام" التي يبتغيها عملياً كل إنسان ولكن أي سلام هذا في ظل عمليات التجريف والدمار والقتل والقصف العشوائي للمدن والقرى الفلسطينية كما للمدن والقرى العراقية؟! وبما أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، فإن الجماهير العربية تنتظر انقلاب الطاولة لتنقلب هي بدورها على أنظمة الاستسلام، بدلاً من أن الاستسلام لأوهام أوسلو، وكذبة "عودة السيادة للعراقيين"!!.. وبدلاً من التفكير في إجراء انتخابات فلسطينية وهدر للوقت مقابل رضا أمريكا ونفاق إدارتها ووعودها غير المكتوبة وغير الموقعة رسمياً في إقامة "دولة فلسطينية مستقلة"، يجب تكريس الجهود للعناية بحاجات الشعب الفلسطيني المناضل الذي اختار طريقه وممثليه الحقيقيين المقاومين للاحتلال، العاملين على تحقيق حق العودة وتقرير المصير وإطلاق كافة الأسرى في سجون الاحتلال، وهنا تأتي أهمية إعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس ممارسة مفهوم الديمقراطية بكل ما تعنيه من سيادة القانون وحرية الصحافة واستقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان..