التدويل!
بقلم :د. ابراهيم
علوش
حيثما حولنا ناظرينا
من المحيط إلى الخليج، نجد التدويل ينسل كالأفعى السامة حول مفاصل عربية متعددة
ليغطي نفاذ قوى الهيمنة الخارجية إليها.
ففي العراق، أصدرت
الأمم المتحدة قراراً ينهي الاحتلال اسمياً ويحول قوات الاحتلال إلى قوات متعددة
جنسية!
وفي لبنان، أصدر مجلس
الأمن قراراً يدعو لإخراج القوات السورية، ولتفكيك منظمات المقاومة، تمهيداً
لتسليم لبنان للطرف الأمريكي-الصهيوني، بمباركة ومشاركة فرنسية!
وفي دارفور، يتشارك
الأوروبيون والأمريكيون ويتنازعون على اختراق وتفكيك السودان باسم تدخل دولي يتقنع
كالعادة بنوازع «إنسانية»!
وما زال ملف الصحراء
الغربية مفتوحاً على المستقبل، بإشراف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر
حتى فترة قريبة، تمهيداً لتدخل دولي في المغرب العربي أيضاً.
والحجة دوماً: حقوق
إنسان أو أقليات أو حفظ السلام الإقليمي، والأخيرة بالتحديد هي ذريعة التدخل
الدولي في الملف النووي الإيراني، ومبرر تبني الأمم المتحدة لاتفاقيات أوسلو.
وفي كل تلك الحالات،
وما سيتلوها بالضرورة بنفس الذرائع الممجوجة، يأتي التدخل حسب ميزان القوى الدولي
لمصلحة الطرف الأمريكي-الصهيوني أكثر، ولمصلحة شركائه الأوروبيين بدرجة أقل، ولكن
دائماً على حساب العرب، وليغطي مصالح قوى الهيمنة الخارجية مسبقاً أو بأثر رجعي،
كما في حالة العراق.
وعليه يجدر بنا أن
نلقي بمصطلح «الشرعية الدولية» في سلة مهملات الدعاية المضادة وأن نتعامل مع أي
تدخل دولي، في ظل ميزان القوى السائد عالمياً، باعتباره تدخلاً عدوانياً تجب
مقاومته بالقوة العنيفة، وأن نكشف إعلامياً وسياسياً كل الأقنعة التي تقدمها قوى
الهيمنة الخارجية لتدخلاتها باعتبارها أقنعة ليس إلا... وأن نفضح كل دعاة التدخل
الدولي، وأن نتعامل مع المبادرات السياسية للأمم المتحدة باعتبارها حذاء أمريكياً
لا غير...
والحقيقة أن الذي
يتيح «التدخل الدولي» أصلاً هو ضعف العرب، وليس مشاكلهم الداخلية. مثلاً، لا تجد
تدخلات دولية تتجاوز التصريحات الإعلامية في المشاكل الداخلية للقوى القادرة على
حماية نفسها خارجياً مثل الصين. وبالمقابل، لا نستطيع حماية أنفسنا خارجياً، كما
أثبتت التجربة، إلا بالقوة المحلية الرادعة، فهي درعنا وسيفنا أكثر من أي شيء آخر.
والقوة المحلية
الرادعة هي قوة الشارع العربي عندما يمارس العمل المسلح ضد قوى الهيمنة الخارجية
بعد أن تسقط عنه قيود الأنظمة وعبئها الثقيل.
وبالمناسبة، الرأي
العام العالمي لا يساوي شيئاً أمام القوة المحلية الرادعة، ولا يستطيع أصلاً أن
يلعب دوراً إلا في حالة وجودها.
مثلاً، أيد الشعب
الأمريكي حرب فيتنام بين عامي 1963 و1968، وبعدها بدأ التأييد ينقلب إلى معارضة
عندما صارت المقاومة الفيتنامية أكثر فعالية في تكبيد المحتل الأمريكي خسائر متصاعدة،
وعندها فقط أصبحت الأصوات المعادية للاحتلال في أمريكا أكثر تأثيراً في نفس الشعب
الأمريكي!
والرأي العام الفرنسي
لم يصح يوماً بعد مائة وثلاثين عاماً من احتلال الجزائر ليفكر أن الوقت حان
للاعتراف بعروبة الجزائر، بل إن آلاف الجثث كانت هي الحجة المقنعة للرأي العام
الفرنسي لترك الجزائر.
وكذلك لم يضع حزب
الله وقته بتقديم تنازلات مبدئية على عروبة فلسطين بذريعة «كسب» الرأي العام
الصهيوني، بل أقنعهم بالتي هي أحسن بضرورة الانسحاب من جنوب لبنان، فكانت
المظاهرات المطالبة بالخروج منه.
والمظاهرات المليونية
في أوروبا، مع التقدير، لم تمنع الاحتلال، بل سيتحرر العراق عندما تتصاعد خسائر
المحتلين والمتعاونين معهم أكثر وأكثر، وحتى ذلك الوقت لا مجال لأي صوت يدعو
فعلياً لأي ممارسات تؤدي لاستقرار في ظل الاحتلال.
وإذا أرادت الحكومة
السودانية الاستفادة من هذه الدروس، أو الحكومة السورية، فإن عليهما أن تعدا
فوراً، إن لم تكونا قد أعدتا بالفعل، شبكات خلايا مسلحة تلحق أفدح الخسائر بأي
تدخل دولي، وتمنعه من الاستقرار بأي ثمن، ولا يفيد الاستقرارُ الشعبَ شيئاً مادام
تحت الاحتلال.